Skip to main content

شرارة في السياسة الأمريكية بغض النظر عن قراءتهم ماركس ورأس المال!

 |  قاسيون  |  شؤون استراتيجية

هناك شيء جديد يحدث في السياسة الأمريكية، ومن الخطأ التعامل معه بوصفه مجرد موجة عابرة، أو موضة فكرية بين الشباب. للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لم يعد الحديث عن «الاشتراكية» محصوراً في دوائر أكاديمية صغيرة، أو مجموعات سياسية هامشية، بل دخل الانتخابات الفعلية، والصراع داخل الحزب الديمقراطي، والنقاش العام حول مستقبل الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية.

جون روس


الدليل الأوضح جاء في مطلع أيلول، عندما أقر مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 220 صوتاً مقابل 192 قراراً يدين «الاشتراكية»، وذكر بالاسم منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا DSA».
منذ زمن المكارثية في خمسينيات القرن الماضي لم يُقدم الكونغرس على إدانة منظمة اشتراكية محددة بهذا الشكل. ولو كانت «DSA» مجرد نادٍ صغير للمثقفين لما احتاجت المؤسسة السياسية إلى كل هذه الضجة. المشكلة ببساطة هي أن هؤلاء بدأوا يفوزون.
منذ أكثر من قرن لم يشهد النظام السياسي الأمريكي دعماً انتخابياً حقيقياً بهذا الحجم لمرشحين يقدمون أنفسهم صراحة باعتبارهم اشتراكيين. عام 1912 حصل يوجين ديبس على 6% من أصوات الانتخابات الرئاسية، وهي نسبة لم تكن صغيرة. لكن الجماعات الاشتراكية الأمريكية عجزت بعد ذلك، لعقود طويلة، عن تحويل حضورها الفكري إلى قوة انتخابية مؤثرة.
اليوم تغير الأمر. بات لدى «DSA» سياسيون يفوزون في دوائر مهمة، ومرشحون يهزمون شخصيات راسخة في المؤسسة الديمقراطية، وقواعد تنظيمية قادرة على التأثير حتى في مرشحين لا ينتمون إليها رسمياً.
هل يعني ذلك أن أمريكا تتجه إلى الاشتراكية؟ لا أعتقد ذلك، فربما تبقى الولايات المتحدة دولة رأسمالية في المستقبل المنظور، لكن هذا ليس السؤال المهم أساساً. السؤال الحقيقي هو: 
لماذا يصوت الأمريكيون لهؤلاء الآن، وماذا يريدون منهم؟


أي «اشتراكية» يريدها الأمريكيون؟


من الخطأ افتراض أن الناخب الشاب الذي يقول: إنه يؤيد الاشتراكية قرأ ماركس أو «رأس المال»، أو يريد بالضرورة اقتصاداً تسيطر فيه الدولة على معظم وسائل الإنتاج. داخل «DSA» نفسها يوجد طيف واسع. هناك ماركسيون فعلاً، وهناك من يريدون تحولات جذرية في النظام الاقتصادي، لكن هناك أيضاً أعداداً كبيرةً تريد إصلاحات أبسط بكثير.
ما يريده هؤلاء واضح: رعاية صحية عامة أو منخفضة التكلفة، مساكن يستطيعون تحمل أسعارها، تعليم لا يحولهم إلى مدينين لعقود، أجوراً تسمح لهم بحياة مستقلة، وإنهاء الحروب الخارجية التي تلتهم موارد هائلة. هذه الظروف تحديداً هي التي أعادت كلمة «الاشتراكية» إلى التداول.
الشاب الأمريكي يتخرج من الجامعة وهو يحمل ديوناً قد تصل إلى عشرات الآلاف أو أكثر من مئة ألف دولار. أصبح شراء منزل أمراً شديد الصعوبة، واقترب متوسط العمر الذي يستطيع فيه الفرد دخول سوق السكن من الأربعين، بينما كان بإمكان أجيال سابقة فعل ذلك في منتصف العشرينيات.
ويعيش كثير من الشباب في الولايات المتحدة وبريطانيا مع والديهم حتى بعد الثلاثين، لا لأنهم يريدون ذلك، بل لأنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة الاستقلال. ثم هناك الرعاية الصحية الأمريكية شديدة الكلفة.
يرى هؤلاء، أن المجتمع الرأسمالي لم يعد يوفر لهم الأشياء التي يعتبرونها شروطاً أساسية لحياة طبيعية، بينما تستطيع الحكومة دائماً إيجاد مئات المليارات عندما يتعلق الأمر بالجيش أو بالحروب الخارجية. وهنا يصلون إلى استنتاج بسيط: «إذا كانت هذه هي الرأسمالية، فنحن لا نريدها».
ربما لا يعرفون بصورة دقيقة ما البديل الكامل، لكن كلمة «الاشتراكية» أصبحت بالنسبة إليهم تعبيراً عن فكرة شديدة الوضوح: أن تنفق الدولة على الناس قبل أن تنفق على الحرب.


ماذا يجب على الماركسيين أن يفعلوا؟


هنا أعتقد أن الماركسيين قد يقعون في خطأ كبير. قد ينظرون إلى هؤلاء الشباب ويسألون: هل قرأ هذا الشخص «رأس المال»؟ هل هو اشتراكي حقيقي؟ هل هو ماركسي؟ هل يفهم «الاشتراكية العلمية»؟ هذه أسئلة ممتعة فكرياً، لكنها ليست الأسئلة الاستراتيجية المهمة.
السؤال بالنسبة إلى الماركسيين حول العالم يجب أن يكون: هل يستطيع هؤلاء التأثير في السياسة الأمريكية؟ وهل يستطيعون منع واشنطن من الانجرار إلى صراع مع الصين؟
جزء كبير من اليسار الأمريكي الجديد لا يقول: إنه «مؤيد للصين»، ولا يحتاج إلى أن يكون كذلك. لكنه يعارض السياسة الخارجية الأمريكية العدوانية، ويرفض الحروب في الشرق الأوسط، ويطالب بخفض الإنفاق العسكري، ولا يريد استخدام أموال الأمريكيين لتمويل جيوش وحروب في الخارج.
وهذا يجعله، موضوعياً، قوة معارضة للتصعيد في العالم. والمفارقة، أن الصورة الأمريكية القديمة بدأت تنقلب. في الماضي، كانت علاقة الصين مع جزء من اليمين الأمريكي أحياناً أفضل من علاقتها بالديمقراطيين، لأن الأخيرين اعتادوا استخدام قضايا، مثل: «حقوق الإنسان» في الصراع مع بكين.
أما اليوم، فأصبح جزء من رأس المال الأمريكي، وخصوصاً في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من أشد القوى عداءً للصين، في حين ظهر داخل اليسار تيار منظم يرفض المواجهة معها. هذا تحول يجب فهمه جيداً.


لماذا تحوّل الشباب يساراً؟


لفهم حجم التغيير، يجب تذكّر المناخ الذي نشأت فيه الأجيال الغربية الأكبر سناً. عندما كنت طفلاً، كنت أردد عبارة «الموت أفضل من أن تصبح أحمر». كنت في السادسة، ولم أكن أفهم معنى الموت ولا معنى أن تكون «أحمر»، لكن هذه كانت الثقافة السياسية السائدة: الموت في حرب نووية أفضل من العيش في ظل الشيوعية.
أول كسر كبير لهذا الخطاب جاء مع حرب فيتنام. لم تجعل فيتنام الأمريكيين اشتراكيين، لكنها جعلت الملايين يتساءلون: إذا كان الشعب الفيتنامي يريد استقلاله، فما حق أمريكا في الذهاب إلى هناك وقتاله؟ كانت لحظة بدأت فيها قطاعات واسعة تشك في الرواية التي تقول: إن السياسة الخارجية الأمريكية تتحرك دائماً دفاعاً عن الحرية.
اليوم يعود هذا الشك، لكنه يرتبط هذه المرة بأزمة معيشية عميقة. ولهذا تغير تكوين «DSA» جذرياً. بعدما كانت منظمة يغلب عليها المثقفون الأكبر سناً، تدفق إليها منذ 2016 شباب من جيل الألفية والجيل «Z»، وانخفض متوسط أعمارها إلى الثلاثينيات تقريباً.
إنها ليست صحوة نظرية ماركسية بالضرورة، بل رد فعل اجتماعي على واقع لم يعد مقبولاً. وينطبق الأمر أيضاً على ظاهرة، مثل: «China-maxxing»، حيث بدأ عدد من الشباب الغربيين يتحدثون عن الصين بصورة أكثر إيجابية. هؤلاء لا يريدون بالضرورة استنساخ النظام الصيني، لكنهم لم يعودوا مستعدين لتصديق أن الصين يجب أن تكون تلقائياً عدواً.


الأمريكي لا يريد أن يموت في حرب بعيدة


أحد أهم أسباب هذا التحول هو الموقف من الحرب. الولايات المتحدة آمنة جغرافياً إلى حد استثنائي. هناك المحيط الأطلسي من جهة والمحيط الهادئ من جهة أخرى، ومن شبه المستحيل غزو الأراضي الأمريكية عسكرياً بالطريقة التقليدية.
وإذا استبعدنا الحرب النووية، التي لا يريدها أحد، يعرف المواطن الأمريكي أن معظم الحروب التي يُطلب منه تمويلها، أو إرسال أبنائه إليها تقع على بعد آلاف الكيلومترات. ولهذا يسأل: لماذا؟
تركت حرب فيتنام جرحاً عميقاً في الوعي الأمريكي. عندما شعر الناس أن أبناءهم يموتون في حرب لا علاقة لها بالدفاع المباشر عن البلاد، تحول الرأي العام تدريجياً ضدها.
الأمر نفسه يظهر اليوم. الحرب في الشرق الأوسط تعني ارتفاع أسعار الطاقة، والتضخم، والإنفاق العسكري، وعودة جثامين الجنود. فكيف يمكن إقناع الأمريكيين بخوض مواجهة أوسع، وربما أخطر بكثير، مع الصين؟
لهذا أعتقد أن إحدى أكثر السياسات الصينية حكمة هي الحرص على ألا تظهر الصين باعتبارها من يبدأ الصراع. إذا رأى الأمريكيون أن حكومتهم هي التي تدفع نحو المواجهة، فلن يكونوا مستعدين لتقديم تضحيات ضخمة من أجلها. أما إذا شعروا بأن الصين تهددهم مباشرة، فسيختلف الوضع.


لماذا ترتبط السياسة الخارجية بالاقتصاد؟


المسألة لا تقتصر على الحرب، بل تصل إلى المشكلة الاقتصادية الأساسية في الولايات المتحدة: ضعف الاستثمار.
إذا حسبنا الاستثمار بالقيمة المطلقة، وليس فقط كنسبة من الناتج المحلي، فإن الصين تستثمر نحو ضعف الولايات المتحدة. وهذا أحد أسباب قدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى صناعة بسرعة مذهلة.
السيارات الكهربائية مثال واضح. خلال نحو عقد، انتقلت الصين من موقع ضعيف إلى أكبر مصدر للسيارات في العالم. لم يتحقق ذلك بفكرة تكنولوجية منفردة، بل باستثمار ضخم في المصانع والبطاريات والبنية التحتية وسلاسل التوريد.
في المقابل، تهدر الولايات المتحدة موارد هائلة في مجالين. 
الأول: هو الجيش. فالإنفاق العسكري الرسمي وصل إلى نحو تريليون دولار، وهناك من يريد رفعه إلى 1.5 تريليون. 
الثاني: هو الصحة. تنفق الولايات المتحدة قرابة 18% من ناتجها المحلي على الرعاية الصحية، مقابل نحو 14% في اقتصادات متقدمة أخرى، لكن الأمريكيين يعيشون في المتوسط عمراً أقصر.
إنه نظام شديد الكلفة ومنخفض الكفاءة. كان يمكن تحويل جزء من هذه الموارد إلى الاستثمار، لكن ذلك يحتاج إلى خفض الإنفاق العسكري وإصلاح جذري للرعاية الصحية.
وهنا يصبح النقاش حول الاشتراكية صراعاً حقيقياً حول أولويات الدولة، وليس مجرد جدل أيديولوجي. فالناس الذين يطالبون برعاية صحية عامة، وخفض الإنفاق العسكري، يطالبون بصورة موضوعية، أيضاً بتغيير السياسة الخارجية الأمريكية.


أمريكا تسير وراء أوروبا


ما يحدث في أمريكا ليس فريداً تماماً. أعتقد أنها تمر اليوم بمسار بدأت أوروبا السير فيه قبلها بنحو عشر سنوات. بعد الأزمة المالية العالمية، بدأ الوسط السياسي الأوروبي يتآكل. خسرت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والمسيحية الديمقراطية جزءاً كبيراً من قواعدها. في البداية استفاد اليمين، ثم ظهرت قوى يسارية جديدة، أو عادت قوى قديمة إلى الصعود.
في فرنسا، يمثل جان لوك ميلانشون قوة جماهيرية كبيرة، ويمكن أن يصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وفي ألمانيا صعد حزب «البديل من أجل ألمانيا» يميناً، لكن حزب اليسار حافظ أيضاً على وزن انتخابي حقيقي. وفي بلجيكا أصبح حزب العمال قوة برلمانية مؤثرة، ويتمتع بتأييد كبير في بروكسل.
هذه ليست مجموعات هامشية. لكن أوروبا تختلف عن أمريكا بسبب تقاليد دولة الرفاه الأعمق. وفي الوقت نفسه تواجه مشكلة أخرى: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على التعامل مع حلفائها كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية. آنذاك امتلكت واشنطن «العصا والجزرة»: أنشأت الناتو، لكنها قدمت أيضاً مشروع مارشال وأموالاً ضخمة لإعادة إعمار أوروبا.
اليوم، تقلصت الجزرة كثيراً. ألمانيا، مثلاً، خسرت جزءاً كبيراً من ميزة الطاقة الرخيصة بالتزامن مع أزمة أوكرانيا، واضطرت إلى زيادة الإنفاق العسكري، بينما دخل اقتصادها مرحلة صعبة. لذلك فإن التصدعات السياسية التي نراها في أوروبا وأمريكا تنتمي إلى أزمة أوسع، وإن ظهرت بأشكال مختلفة.

 


من «سياسات الهوية» إلى الطبقة والحرب


خلال عقود طويلة من هزيمة اليسار الغربي، بدا في أحيان كثيرة أن قضايا الهوية حلت محل السياسة الطبقية. أصبح النقاش يدور حول العرق والجندر والتمثيل، بينما تراجع الحديث عن الأجور والعمل وتوزيع الثروة والحرب. لكن المشكلة لم تكن في مناهضة العنصرية نفسها.
لا يمكن لليسار الأمريكي تجاهل العنصرية في بلد عرف العبودية والتمييز المنهجي ضد السود. تاريخياً، ارتبطت حركة الحقوق المدنية باليسار، وكان واحداً من أعظم تطوراتها عندما ربط مارتن لوثر كينغ بين مقاومة العنصرية ومناهضة حرب فيتنام.
المشكلة ظهرت عندما انفصلت هذه القضايا عن الاقتصاد والطبقة والسياسة الخارجية. ما أراه اليوم أكثر إيجابية هو أن جيلاً جديداً يعيد ربط هذه الخيوط: مناهضة العنصرية، وتحسين أوضاع العمال، والسكن والصحة، ورفض الحرب. بهذا المعنى، بدأ اليسار الجديد يصبح أكثر توازناً وواقعية مما كان عليه خلال فترة تراجع الحركات العمالية.


هل يمكن للتنظيم أن يهزم المال؟


ربما يكون هذا أكثر ما يقلق المؤسسة السياسية الأمريكية. لطالما افترض الجميع أن الانتخابات الأمريكية يقررها المال. لكن انتصارات اليسار الجديد أثبتت أن الأمر ليس بهذه البساطة.
في نيويورك ومدن أخرى، استطاع مرشحون اشتراكيون الفوز رغم حملات إعلامية وتمويل مالي ضخم ضدهم. وفي إحدى الحالات التي أشرنا إليها في الانتخابات، واجهت مرشحة مدعومة من «DSA» منافساً يمتلك تمويلاً يزيد عليها أضعافاً كثيرة، ومع ذلك فازت.
لماذا؟ لأن المال يستطيع شراء الإعلانات، لكنه لا يشتري دائماً الحماسة. المليونير يستطيع كتابة شيك كبير، لكنه لن يطرق بنفسه عشرة آلاف باب. أما الناشط الذي يؤمن ببرنامج الرعاية الصحية والسكن وحقوق العمال فسيفعل ذلك. لهذا تشعر وسائل إعلام بالقلق، مثل: «وول ستريت جورنال». 
الاشتراكيون لم يصبحوا أغلبية. «DSA» نفسها تضم نحو 120 ألف عضو فقط. لكنهم تجاوزوا مرحلة الجماعة التي تحصل على 1% ولا تؤثر في شيء. لقد أصبحت لديهم القدرة على تحويل الأفكار إلى تنظيم، والتنظيم إلى أصوات. إنها شرارة. ليست حريقاً بعد، لكنها شرارة حقيقية.


في الجهة الأخرى.. اليمين التكنولوجي


بالتوازي، ظهر تيار آخر أكثر خطورة داخل النخبة الرأسمالية الأمريكية، وخصوصاً في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. أرى أن جزءاً من هذا التيار يتحرك نحو عداء واضح للديمقراطية نفسها.
فإذا كانت الانتخابات قد تمنع الولايات المتحدة من الدخول في مواجهة شاملة مع الصين، لأن المواطنين سيرفضون دفع تكلفتها، فإن بعض هذه القوى يبدأ بالنظر إلى الديمقراطية باعتبارها عقبة. وهنا لا أستخدم كلمة «فاشية» بسهولة، لكن عندما يصبح الهدف هو خنق النظام الديمقراطي لأنه يمنع تنفيذ مشروع سياسي عدواني، يصبح الوصف مبرراً في رأيي.
وترتبط هذه النزعة أيضاً بالمصالح الاقتصادية. كانت شركات تكنولوجية أمريكية تراهن على أن الذكاء الاصطناعي سيصبح مجال احتكار عالمي، يسمح بتحقيق أرباح استثنائية هائلة. ثم ظهرت شركات ونماذج صينية، مثل: «DeepSeek»، وقدمت تكنولوجيا تنافسية بتكاليف أقل، ما قلل احتمالات استمرار الاحتكار الأمريكي وتحقيق تلك «الأرباح الخارقة».
لذلك ليس غريباً أن يصبح جزءٌ من عمالقة التكنولوجيا من أكبر ممولي الخطاب المعادي للصين. هم لا يخوضون معركة أيديولوجية مجردة. هناك مليارات الدولارات وموقع عالمي مهدد في الخلفية.


إذاً، ما الذي ينبغي للصين مراقبته؟


لا ينبغي للصين أن تنتظر أن تتحول أمريكا إلى دولة اشتراكية. هذا لن يحدث في المدى المنظور. ولا ينبغي اعتبار كل يساري أمريكي صديقاً للصين. لكن من الخطأ الأكبر الخلط بين الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي، أو التعامل مع أمريكا كلها باعتبارها كتلة واحدة معادية.
أي «معاداة لأمريكا» قائمة على الانفعال ستكون غباءً استراتيجياً. فالأمريكيون الذين يرفضون الحرب هم في الواقع واحد من أهم العوائق الداخلية أمام أي سياسة أمريكية تسعى إلى مواجهة واسعة مع الصين.
حدث ذلك في فيتنام. لم يكن الشعب الفيتنامي وحده هو الذي جعل استمرار الحرب مستحيلاً؛ فقد قرر الشعب الأمريكي أيضاً، عبر الاحتجاجات والانتخابات، أنه لم يعد يريد دفع ثمنها. وقد يحدث الأمر نفسه في السياسة تجاه الصين قبل الوصول إلى الحرب.
لهذا لا يعنيني كثيراً إن كان المرشح الأمريكي قد قرأ «رأس المال»، أو ما إذا كان اشتراكياً وفق تعريف نظري دقيق. ما يهمني هو: هل يستطيع الفوز بالانتخابات؟ هل يستطيع التأثير في الحزب الديمقراطي؟ هل سيصوت ضد رفع الإنفاق العسكري؟ هل يستطيع إقناع الناخب بأن أزمته الحقيقية موجودة في فاتورة المستشفى والإيجار والراتب والديون، لا في الصين؟
إذا استطاع هذا التيار تحويل تلك الأفكار إلى أصوات ومقاعد وسياسات، فسيكون تأثيره في مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية أهم بكثير من أي نقاش نظري حول درجة «اشتراكيته». 
فالشرارة لا تصبح مهمة لأنها قرأت الكتب الصحيحة، بل لأنها بدأت فعلاً تشتعل في الواقع العملي.