من آسيا الوسطى إلى القاهرة.. كيف تقرأ الصين رقعة أوراسيا الجديدة؟
لم تكن جولة الرئيس الصيني شي جين بينغ الأخيرة، من بكين إلى بيشكيك ثم القاهرة، مجرد برنامج دبلوماسي متتابع بين ثلاث عواصم. ففي قراءة ضيوف برنامج «المائدة المستديرة عبر المضيق»، بدت الجولة وكأنها محاولة لربط ثلاث دوائر جغرافية وسياسية باتت تشكل معاً جزءاً متزايد الأهمية من الرؤية الصينية للعالم: الصين، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط.
تانغ شيانغ لونغ
شارك شي بين 30 آب و3 أيلول في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وأجرى زيارة دولة إلى قرغيزستان، قبل أن يتوجه إلى مصر في زيارة رسمية. وفي النقاش الذي جمع الإعلاميين ومدير مركز دراسات تايوان في جامعة فودان شين تشيانغ، ظهر تصور يعتبر أن أهمية الجولة لا تكمن في كل محطة على حدة، بل في الطريقة التي تربط فيها الصين بين البر الأوراسي وممراته الاقتصادية والأمنية والسياسية.
سمى تانغ شيانغ لونغ هذا التوجه سابقاً بسياسة «الثلاثة تشونغ»، أي الصين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. وهي تسمية لا تعني- وفق ما عرضه- وجود وثيقة رسمية تحمل هذا الاسم، بقدر ما تصف مساراً يرى أنه بات واضحاً في الحركة الصينية خلال السنوات الأخيرة: توسيع الروابط من شرق آسيا إلى قلب آسيا، ومن هناك نحو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الصين لا تتحرك بالطريقة الأمريكية نفسها
انطلق تانغ من مقارنة مباشرة بين الصين والولايات المتحدة. فبحسب قراءته، حين تمتعت واشنطن بتفوق واسع، اعتمدت بصورة متكررة على الضغط والردع وإظهار القوة لإجبار الدول الأخرى على التكيف مع خياراتها. وإذا لم تستجب دولة ما، يصبح استخدام القوة- أو التهديد بها- جزءاً من الأدوات المتاحة.
أما الصين، فيرى أن طريقة تمدد نفوذها مختلفة. فبدلاً من إثبات القوة عبر الضغط المباشر، تتوسع آثار قوتها عبر الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية. ومع نمو الاقتصاد الصيني، ينتقل جزء من هذا النمو إلى المناطق المحيطة من خلال الاستثمار والتبادل التجاري وشبكات النقل.
ومن وجهة نظره، كانت دول جنوب شرق آسيا أول من استفاد من هذه المرحلة، ثم بدأت آسيا الوسطى تدخل مساراً مشابهاً مع تقدم مشروعات «الحزام والطريق» وخطوط النقل البرية والتجارة والطاقة.
لا يقول تانغ: إن الصين وضعت منذ البداية خطة جامدة، تقول: إنها ستنمّي أولاً شرق آسيا، ثم آسيا الوسطى، ثم الشرق الأوسط. لكنه يرى أن النتيجة الواقعية بدت قريبة من ذلك: تعاظمت قدرات الصين الاقتصادية، وازداد تكاملها مع دول آسيان، ثم توسعت الروابط البرية مع آسيا الوسطى، والآن بات الشرق الأوسط أكثر حضوراً في حساباتها.
ولهذا، فإن زيارة قرغيزستان لا تُقرأ فقط باعتبارها زيارة ثنائية بين بكين وبيشكيك. فقمة منظمة شنغهاي للتعاون، وحضور الصين المتنامي في آسيا الوسطى، يعكسان تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الجانبين مقارنة بالقرن الماضي.
آسيا الوسطى بين منطق القوى الكبرى وحاجات الدول الصغيرة
ركز شين تشيانغ على جانب آخر من هذه العلاقة. فالولايات المتحدة، بحسب قوله، نظرت منذ البداية إلى منظمة شنغهاي للتعاون بقدر كبير من القلق، خوفاً من توسع النفوذ الصيني في آسيا الوسطى. لكن هذه النظرة، في رأيه، تنطلق أساساً من منطق المنافسة الصفرية بين القوى الكبرى.
أما دول آسيا الوسطى نفسها، فلديها حسابات مختلفة وأكثر مباشرة.
يقول شين: إنه زار عدة دول في المنطقة، وأن أكثر ما يشغل هذه الدول في حياتها السياسية والأمنية اليومية ليس السؤال النظري حول من سيفوز في المنافسة بين واشنطن وبكين، بل مخاطر الإرهاب والتطرف والتهريب وعدم الاستقرار والتهديدات الأمنية غير التقليدية.
وفي هذه الملفات، قدمت الصين تعاوناً في التدريب والمعدات والخبرة والقدرات التقنية وبناء آليات التنسيق. ويرى شين أن هذا التعاون ينسجم مع حاجات دول المنطقة بصورة مباشرة، بدلاً من فرض أجندة استراتيجية خارجية عليها.
ومن هنا يعتقد أن أحد عناصر جاذبية النموذج الصيني هو أنه يقدم نفسه بصورة أقل ارتباطاً بالشروط السياسية المباشرة. وفي نظره، هذا تحديداً ما يجعل عدداً متزايداً من الدول ينظر إلى التعاون مع الصين باعتباره خياراً عملياً لا يفرض عليها بالضرورة تغيير نظامها السياسي أو خياراتها الداخلية.
القاهرة.. المحطة الأهم
لكن تانغ يرى، أن قرغيزستان لم تكن المحطة الأكثر إثارة للاهتمام في الجولة، بل مصر. ويربط ذلك بما سبق زيارة شي مباشرة، أي التدريب الجوي المشترك بين الصين ومصر «نسر الحضارة 2026».
لا يركز تانغ فقط على نوعية الطائرات المستخدمة في التدريب، بل على ما يعتبره الأهم: قدرة الصين على نقل قوة عسكرية متكاملة لمسافة تتجاوز ستة آلاف كيلومتر خلال وقت قصير، بحيث تتمكن هذه القوة من الوصول إلى مسرح بعيد، والبدء سريعاً بتنفيذ مهام تدريبية ذات طبيعة قتالية.
ويفرق هنا بين الرحلات السابقة التي نفذتها طائرات النقل الصينية، وبين نقل منظومة قتالية كاملة تشمل مقاتلات، وطائرات إنذار مبكر، وحرباً إلكترونية، وتزوّداً بالوقود، وعناصر تشغيلية أخرى.
من وجهة نظره، كشفت المناورات أن الصين لم تعد قادرة فقط على حماية جوارها المباشر، بل أصبحت تمتلك قدرة متزايدة على نقل قوة منظمة إلى مسارح بعيدة، وهو تطور لن يمر من دون اهتمام الدول الغربية، أو الإقليمية.
ولهذا أشار إلى الزيارة السريعة التي أجراها رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية إلى مصر بعد بدء المناورات. ويقرأ تانغ الزيارة باعتبارها مؤشراً إلى فضول وقلق غربيين تجاه ما تستطيع الصين فعله عسكرياً بعيداً عن محيطها.
أما شين تشيانغ، فأضاف أن الصين أرسلت إلى مصر مقاتلات «جيه-16» الثقيلة، وطائرات الإنذار المبكر «كيه جيه-500»، وطائرات حرب إلكترونية وتزود بالوقود، ضمن منظومة متكاملة.
وأشار أيضاً إلى تقارير تحدثت عن نتائج متقدمة للمقاتلات الصينية في تدريبات مواجهة مع «رافال» الفرنسية، معتبراً أن الأمر إذا ثبت واستمر، فقد ينعكس مستقبلاً على سوق السلاح وعلى صورة الصناعات الدفاعية الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن النقطة الأهم لا تتعلق فقط بالأداء العسكري. فمصر تاريخياً ليست من أبرز الشركاء العسكريين للصين. تعاونها الدفاعي كان تقليدياً أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وبريطانيا. ولهذا، فإن دخول منظومة عسكرية صينية متكاملة إلى مصر يحمل معنى أوسع من مجرد تدريب سنوي.
الصين ومصر.. من الاقتصاد إلى الاستراتيجية
لفترة طويلة، ارتبط الحضور الصيني في مصر أساساً بالبنية التحتية والاستثمارات والمناطق الصناعية والعاصمة الإدارية الجديدة والتجارة وقناة السويس.
أما إذا بدأت العلاقة تشمل أيضاً تعاونا عسكرياً أكثر كثافة، فإنها تدخل مستوى جديداً. وهنا يربط تانغ بين المناورات وزيارة شي. فزيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة، برأيه، لا ينبغي النظر إليها منفصلة عن التدريب العسكري الذي سبقها.
في الشرق الأوسط، توجد منذ سنوات سردية تقول: إن الولايات المتحدة تخفض تدريجياً مستوى التزامها المباشر في المنطقة، وإن دولاً إقليمية بدأت تبحث عن بدائل، أو عن موازنة علاقاتها بين قوى متعددة.
ولا يعني ذلك أن الصين تسعى بالضرورة إلى «الحلول محل» أمريكا، لكن مجرد توسع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري يجعل دول المنطقة تتابع خطواتها بدقة.
من هذه الزاوية، لا تصبح زيارة شي لمصر حدثاً ثنائياً فقط. فمصر تقع عند تقاطع شمال أفريقيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، ولهذا فإن أي توسع صيني في علاقاتها معها يُقرأ في عواصم كثيرة خارج القاهرة.
ويعتقد تانغ، أن أكثر من عشرين دولة في المنطقة قد تنظر إلى هذه الزيارة بوصفها مؤشراً إلى اتجاه أوسع في السياسة الصينية.
من مصر إلى اليابان.. استدعاء «إعلان القاهرة»
زيارة مصر حملت، وفق تانغ، بعداً آخر لا يتعلق بالشرق الأوسط وحده، بل بشرق آسيا أيضاً.
ففي «قصر مينا»، المرتبط بمؤتمر القاهرة خلال الحرب العالمية الثانية، أُقيم نصب تذكاري لـ«إعلان القاهرة».
ويرى تانغ، أن بكين ستستفيد من رمزية هذا المكان لإعادة التذكير بالترتيبات السياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما ما يتعلق باليابان وتايوان والنظام الآسيوي في مرحلة ما بعد الحرب.
بالنسبة إلى الصين، لا يمثل إعلان القاهرة وثيقة تاريخية فقط، بل جزءاً من سرديتها القانونية والسياسية حول وضع تايوان وترتيبات ما بعد هزيمة اليابان.
ولهذا، يرى تانغ، أن إبراز الإعلان من القاهرة يحمل رسالة إلى طوكيو أيضاً:
إذا أرادت اليابان إعادة تفسير مكانتها العسكرية والسياسية في آسيا بصورة تتجاوز قيود مرحلة ما بعد الحرب، فستعيد الصين بدورها استدعاء الأساس التاريخي والقانوني لذلك النظام.
من هنا تتحول محطة القاهرة إلى نقطة اتصال بين الشرق الأوسط وشرق آسيا، لا بسبب الجغرافيا وحدها، بل لأن الصين تستخدم الذاكرة التاريخية نفسها جزءاً من أدوات سياستها المعاصرة.
«إعادة تشكيل» للنظام الدولي
انتقلت تشن فنغ شين من تفاصيل الجولة إلى سؤال أوسع:
هل يشهد العالم فعلاً إعادة بناء للنظام الدولي؟
بالنسبة إليها، الجواب هو: نعم.
وترى، أن السنوات الأخيرة كشفت تصدعات حتى داخل المنظومات التي كان يُعتقد أنها الأكثر استقراراً. وأشارت إلى التوترات بين الولايات المتحدة وكندا كمثالٍ على أن الروابط بين الحلفاء الغربيين نفسها لم تعد دائماً محصنة.
وفي المقابل، تستخدم الصين منصات، مثل: منظمة شنغهاي للتعاون، وبريكس وعلاقاتها مع الجنوب العالمي، لبناء شبكات تعاون أوسع.
وافق شين على توصيف المرحلة بأنها «إعادة تشكيل». فالنظام الدولي الذي تشكل خلال العقود الماضية بدأ يمر بتحولات بنيوية: بعض التحالفات التقليدية تواجه صعوبات، ودول أخرى تبحث عن بدائل، أو عن خيارات إضافية، تسمح لها بعدم الاعتماد الكامل على قوة واحدة.
وهنا يلفت إلى نقطة مهمة: توسع العلاقة مع الصين لا يعني بالضرورة أن هذه الدول ستقطع علاقتها بأمريكا، أو ستنتقل إلى معسكر صيني.
لكنها قد ترى أن الاقتراب من الصين، مع الحفاظ على مساحة مستقلة تجاه واشنطن، يمنحها هامشاً أكبر للمناورة.
الاقتصاد هو المساحة الأكثر وضوحاً
إذا كان المجال العسكري والأمني ما يزال حساساً، فإن الاقتصاد يقدم صورة أوضح. أشار شين إلى أن الصين لا تزال أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، بينما تتجه الولايات المتحدة نحو مزيد من الحمائية، وتفرض أوروبا قيوداً متزايدة على عدد من المنتجات والأسواق.
وفي المقابل، تواصل بكين تقديم نفسها باعتبارها مدافعاً عن التجارة الحرة، وعن النظام التجاري القائم على منظمة التجارة العالمية. وبالنسبة إلى كثير من دول الجنوب العالمي، التي تعتمد على تصدير المواد الأولية، واستيراد التكنولوجيا والمعدات، والحصول على استثمارات في البنية التحتية، فإن وجود شريك اقتصادي ضخم لا يطالبها بالاصطفاف السياسي الكامل يمثل عنصراً جذاباً.
ويربط شين ذلك أيضاً بالتكنولوجيا. فالصين توسع تعاونها مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا في مجالات التصنيع والاتصالات والطاقة والذكاء الاصطناعي.
وأعطى مثالاً على النماذج الصينية مفتوحة المصدر في الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذا النهج قد يسمح لدول كثيرة بالوصول إلى التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها محلياً، بكلفة أقل من الاعتماد الكامل على أنظمة مغلقة.
من هنا، لا تقتصر المنافسة بين الصين وأمريكا على من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل تشمل أيضاً أي نموذج يستطيع جذب الدول التي لا تريد الانضمام إلى معسكر سياسي مغلق.
تراكم صيني طويل في مقابل اندفاعة أمريكية جديدة
في الجزء الأخير من النقاش، ركزت تشن على الفرق في الإيقاع بين الصين والولايات المتحدة. برأيها، ما تفعله الصين اليوم ليس تحولاً مفاجئاً ظهر عام 2026، بل نتيجة تراكم لعقود.
الحزام والطريق، والتعريف الذاتي للصين بوصفها دولة نامية وعضواً في الجنوب العالمي، والتأكيد على المساواة والمنفعة المتبادلة، والاستثمار في البنية التحتية، كلها سياسات بدأت قبل سنوات طويلة.
لم تكن الرحلة سلسة دائماً، وبعض المشروعات واجه صعوبات وانتقادات، لكن استمرارها خلق مع الوقت شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية.
وتعتقد تشن أن هذه العلاقات بدأت الآن تظهر مجتمعة بوصفها بنية نفوذ حقيقية. أما الولايات المتحدة، فتقدم في المقابل صورة أكثر اضطراباً.
بحسب تحليلها، شعرت واشنطن في السنوات الأخيرة بأنها لم تستفد من العولمة بالقدر الذي أرادته، فبدأت تعود إلى سياسات أكثر مباشرة في الضغط التجاري والسياسي، وخصوصاً في عهد ترامب.
وترى، أن الدول الأكثر اعتماداً على السوق الأمريكية، أو الحماية الأمريكية، أصبحت أكثر عرضة للضغط والمساومة.
لهذا ترى تشن، أن أحد مفاتيح فهم التحولات الكبرى في 2026 هو المقارنة بين نموذجين: نفوذ صيني جرى بناؤه تدريجياً عبر الاقتصاد والبنية التحتية والعلاقات، واستخدام أمريكي أكثر مباشرة لأدوات القوة الاقتصادية والسياسية.
ما هي «الثلاثة تشونغ» فعلياً؟
إذا جُمعت مداخلات الضيوف، فإن استراتيجية «الصين–آسيا الوسطى–الشرق الأوسط» لا تبدو تحالفاً أو محوراً رسمياً، بقدر ما تبدو محاولة لربط عدة مساحات جغرافية تحتاج الصين إلى كل واحدة منها لأسباب مختلفة.
آسيا الوسطى تمثل عمقاً برياً وممرات للطاقة والنقل والتجارة، إضافة إلى مجال للتعاون الأمني.
أما الشرق الأوسط، فيجمع مصادر الطاقة والأسواق والممرات التجارية والقوى السياسية والعسكرية التي تلعب دوراً في ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
وتحتل مصر موقعاً استثنائياً داخل هذا التصور، لأنها تجمع بين شمال أفريقيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس.
وبين هذه الدوائر تعمل مجموعة أدوات متداخلة: الحزام والطريق، منظمة شنغهاي، بريكس، التجارة، الطاقة، الاستثمارات، التكنولوجيا، والتعاون العسكري.
لا تحتاج الصين، وفق القراءة التي طرحها اللقاء، إلى السيطرة المباشرة على هذه المساحات كي توسع نفوذها.
يكفي أن تصبح طرفاً ضرورياً في عدد كبير من الملفات، وأن تتمكن من تقديم ما تحتاج إليه كل منطقة: تجارة هنا، بنية تحتية هناك، تعاون أمني في مكان آخر، أو تمويل وتكنولوجيا في مكان رابع. وبهذه الطريقة، تصبح قوة الصين ناتجة بدرجة كبيرة من شبكة العلاقات لا من تحالفات عسكرية مغلقة.
رقعة أوراسية تتغير
تكشف جولة شي، بحسب المشاركين، عن تحول أوسع في طريقة عمل النظام الدولي.
فالعالم لا يتجه بالضرورة نحو استبدال هيمنة أمريكية بهيمنة صينية مماثلة، بل ربما نحو نظام أكثر تعقيداً وتعددية، تتحرك فيه الدول بين شبكات مختلفة، ولا تريد أن تكون رهينة مركز واحد. في مثل هذا النظام، تصبح آسيا الوسطى أكثر أهمية بسبب موقعها البري، ويزداد وزن الشرق الأوسط بسبب الطاقة والممرات البحرية، وتستعيد مصر أهميتها بوصفها عقدة تربط أفريقيا بآسيا وأوروبا.
أما الصين، فتحاول أن تكون موجودة في كل هذه العقد في الوقت نفسه. وهنا ربما تكمن الفكرة الأساسية خلف ما يسميه تانغ «الثلاثة تشونغ»: ليست المسألة أن بكين تحرك قطعة واحدة على الرقعة، بل أنها تعمل على ربط عدد متزايد من المربعات ببعضها، بحيث تصبح التجارة والأمن والطاقة والسياسة أجزاء من مسار واحد.
وفي الوقت الذي تصبح فيه العلاقات الدولية أقل استقراراً، قد يكون الرهان الصيني أن الدول لا تحتاج دائماً إلى حليف جديد بقدر ما تحتاج إلى خيارات أكثر. ومن آسيا الوسطى إلى القاهرة، تبدو الصين وكأنها تعمل تحديداً على جعل نفسها واحداً من تلك الخيارات التي يصعب تجاوزها.
