اتفاق مكة.. هل يستهدف إيران أم «إسرائيل»؟
منذ اندلاع أزمة 7 تشرين الأول 2023، شهد المشهد العسكري والجيوسياسي والسياسي في الشرق الأوسط اضطرابات عميقة، ودخلت المنطقة نتيجة لذلك مرحلة تحول استراتيجي جذري. وأُعيد خلال هذه المرحلة ضبط بنية الأمن الإقليمي، وعلاقات القوة بين الأطراف، والانتشار الجيوسياسي للقوى الكبرى عالمياً في المنطقة.
آن موران
وتداخل انتشار الطائرات المسيّرة الانتحارية، والقوى الوكيلة، والجهات الفاعلة غير الحكومية، والاستراتيجيات الأمنية المتجددة للدول الإقليمية، مع خطر امتداد الأزمة إلى كامل الشرق الأوسط، ليمنح البيئة الأمنية الإقليمية طابعاً غير متماثل بصورة متزايدة.
وأمام بيئة أمنية سريعة التغير وأكثر تعقيداً، أصبحت الأطراف، من شرق المتوسط إلى الخليج العربي، وصولاً إلى جنوب آسيا، مضطرة إلى إعادة تعريف موازين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، وجدت تركيا وباكستان والسعودية نقطة ارتكاز استراتيجية مشتركة. وفي 7 آب 2026، اجتمعت الدول الثلاث في مكة، واتخذت خطوة وُصفت بالتاريخية عبر التوقيع رسمياً على «اتفاق مكة للدفاع المشترك».
بعد الإعلان عن الاتفاق، سرعان ما شاع وصفه بأنه «ناتو إسلامي». لكن هذا الوصف مضلل إلى حد ما. فالتقارب بين الدول الثلاث لا يقوم فقط على ما يسمى «التضامن الإسلامي»، بل تدفعه أساساً حقائق جيوسياسية واحتياجات أمنية مشتركة.
في الوقت ذاته، قد يحمل اتفاق مكة مستقبلاً طابعاً اقتصادياً أوضح من التحالفات العسكرية التقليدية. فمع تقدم مشروعات ممرات التجارة، والتعاون في الصناعات الدفاعية، والاستثمارات، يمكن لهذه الآلية الأمنية أن تكتسب تدريجياً مضموناً اقتصادياً وتجاريّاً أكثر وضوحاً.
وإذا نظرنا فقط إلى الموارد التي تمتلكها الدول الثلاث، نجد بينها تكاملاً واضحاً. فالسعودية تمتلك رأس مال ضخماً، وقدرات قوية في مجال الطاقة. وباكستان تمتلك قوة ردع نووي وخبرة عسكرية متراكمة على مدى عقود. أما تركيا، فتمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، كما بنت منظومة صناعات دفاعية تزداد نضجاً في مجالات المسيّرات، والصواريخ، والعربات المدرعة، والسفن الحربية، والذخائر، والحرب الإلكترونية.
وقد يظهر هذا التكامل بصورة خاصة في الصناعات الدفاعية. فإذا اندمج رأس المال السعودي مع المنظومة العسكرية الصناعية التركية الناضجة، فلن يفتح ذلك فقط أبواباً جديدة للتمويل والاستثمار المشترك في بعض المشاريع مرتفعة التكلفة وطويلة الأمد، بل قد يساعد أيضاً على خفض كلفة البحث والتطوير والاستثمارات الأولية من خلال توسيع حجم الطلب والإنتاج.
لكن بدلاً من الاكتفاء بوصفه «ناتو إسلامياً»، ربما الأهم هو، أن اتفاق مكة يرسل إشارة جديدة: تركيا والسعودية وباكستان تحاول الانتقال إلى مرحلة من «الاستقلال الاستراتيجي الجماعي»، والمشاركة معاً في تشكيل النظام الأمني الإقليمي.
ولا يعني جوهر هذا التوجه التخلص من جميع القوى الخارجية، بل الاحتفاظ بالخيارات الاستراتيجية، وتوزيع المخاطر الأمنية، وتعبئة الموارد المتكاملة للدول الثلاث، من دون تسليم النظام الإقليمي بالكامل إلى قوة عظمى واحدة من خارج المنطقة. ومن هذه الزاوية، قد يصبح اتفاق مكة نقطة تحول مهمة في بنية الأمن الإقليمي.
فالاتفاق ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء سيُعد هجوماً مشتركاً على الدول الثلاث، وهو ما يرفع العلاقات الثلاثية من مجرد تعاون دفاعي إلى مستوى يبدأ باكتساب أساس مؤسسي للردع الجماعي.
واللافت بصورة خاصة، أن هذه الآلية قد لا تظل محصورة بالدول الثلاث. فقد دخلت بالفعل في دائرة النقاش احتمالات انضمام دول إقليمية أخرى مستقبلاً، مثل: مصر وقطر. وإذا استمرت الآلية في التوسع، فقد تتحول تدريجياً من تعاون دفاعي ثلاثي إلى آلية أمنية إقليمية أوسع. وإذا تحقق هذا التصور في نهاية المطاف، فستزداد أهميتها الجيوسياسية بلا شك.
وهنا يظهر السؤال: ضد من يوجَّه هذا التحالف تحديداً؟ إيران؟ «إسرائيل»؟ أم أمريكا؟ وقد قدم مراقبون مختلفون إجابات متناقضة تماماً.
يرى اتجاه، أن تشكيل هذه الآلية سيزيد عزلة إيران، خصوصاً بعد وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا و«إسرائيل» من جهة، وإيران من جهة أخرى، ثم توسيع إيران نطاق ردها ليشمل منطقة الخليج، ما رفع بصورة واضحة مخاوف دول الشرق الأوسط بشأن النظام الأمني الإقليمي.
لكن تفسيراً مختلفاً تماماً، يرى أن الخطر الحقيقي الذي قد يتعين على هذا الإطار الأمني التعامل معه على المديين المتوسط والطويل ليس إيران، بل التوسع المستمر في قدرة «إسرائيل» على تنفيذ عمليات عسكرية إقليمية.
ويبدو أن الأحداث الأخيرة في شمال سورية عززت هذا الاستنتاج. ففي 18 آب، شنت «إسرائيل» غارة على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب. وعلى خلاف معظم العمليات «الإسرائيلية» السابقة، التي تركزت أساساً في جنوب سورية، استهدفت هذه الغارة بصورة مباشرة منطقة شمالية يتزايد فيها النفوذ التركي. وأعلنت «إسرائيل» بوضوح، أنها لا تستطيع قبول احتمال نشر قوات تركية في هذه القاعدة، وأنها تعتبر ذلك تهديداً أمنياً.
يشير هذا إلى أنه مع تصاعد الدور الأمني التركي في سورية والمنطقة الأوسع، بدأت «إسرائيل» تتعامل مع أنقرة بصورة أكثر علنية على أنها منافس إقليمي ينبغي تقييده. ويقف وراء ذلك مزيج من عوامل السياسة الداخلية «الإسرائيلية»، والحسابات الاستراتيجية المتعلقة بالحفاظ على حرية العمل العسكري داخل سورية.
وخصوصاً في وقت تعزز فيه تركيا قوتها الجوية عبر تحديث أسطول مقاتلات «إف-16»، والمضي في مشروع المقاتلة «قآن KAAN»، والسعي للعودة إلى برنامج «إف-35»، فقد تفضل «إسرائيل» الحفاظ على أفضلية العمل الحالية قدر الإمكان قبل حدوث تحول أكبر في ميزان القوى الجوية بالمنطقة.
وهناك أيضاً رأي ثالث أكثر شمولاً، يرى أن اتفاق مكة يعكس تراجع ثقة دول الشرق الأوسط بالمظلة الأمنية الأمريكية.
وتحمل كل هذه التفسيرات قدراً من المنطق. لكن إذا فُهم اتفاق مكة فقط من زاوية سؤال «ضد من يتوجه هذا التحالف؟»، فقد نقلل مع ذلك من أهميته. فالسؤال الأهم من البحث عن عدو محدد هو: لماذا تعتقد هذه الدول الثلاث أن الوقت الحالي يستدعي إنشاء مثل هذه الآلية؟
القوى المتوسطة تبحث عن مساحتها الخاصة
قام النظام الدولي خلال العقود الماضية إلى حدٍّ بعيد على أطر مؤسسية تقودها القوى الكبرى. ففي المجال الأمني، كان الاعتماد على منظومة التحالفات التي تقودها أمريكا. وفي الاقتصاد، كان الاعتماد على السوق التي تشكلت بفعل العولمة. أما القواعد الدولية، فكانت تصوغها وتحافظ عليها أساساً المؤسسات والمنظمات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن هذه المنظومة تتغير اليوم. ولا شك أن صعود الصين يمثل واحداً من أهم العوامل البنيوية في هذا التحول. كما أن توسع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي يوفر لعدد متزايد من الدول مساحات جديدة للتعاون، وخيارات أكثر استقراراً وقابلية للتوقع.
وحين تصبح الخيارات في النظام الدولي أكثر تنوعاً، تحصل الجهات الفاعلة خارج دائرة القوى الكبرى أيضاً على مساحة استراتيجية أوسع. وفي هذا السياق تحديداً، بدأ مفهوم «القوى المتوسطة» يحظى باهتمام أكبر. وقد شدد رئيس الوزراء الكندي، في خطابه الذي أثار نقاشاً واسعاً في دافوس، على أهمية القوى المتوسطة في البيئة الدولية الجديدة. وأصبح هذا المفهوم مهماً بصورة متزايدة لفهم السياسة الدولية الراهنة.
ففي عالم تعود فيه منافسة القوى الكبرى إلى التصاعد، لا تنحصر خيارات الدول المتوسطة بالضرورة في خيارين فقط: الانضمام إلى «أ» أو الانضمام إلى «ب». بل يظهر خيار ثالث: الاتصال ببعضها البعض.
والسعودية وتركيا وباكستان كلها دول تمتلك نفوذاً إقليمياً ملحوظاً، لكنها لا تملك منفردة القدرة على تشكيل النظام العالمي. كما تحافظ الدول الثلاث على علاقات مهمة مع أمريكا، لكنها تسعى بدرجات مختلفة إلى توسيع مساحة استقلالها الاستراتيجي.
ومن هذه الزاوية، فإن أكثر ما يستحق الاهتمام في اتفاق مكة، ربما لا يتعلق بما إذا كان سيتحول فعلاً إلى «ناتو إسلامي»، بل بما يجسده من اتجاه أوسع: القوى المتوسطة تحاول إنشاء شبكات مؤسسية خاصة بها.
في الواقع، إذا استعرنا إطار «الدوائر الاستراتيجية» الذي طرحه الباحثان التركيان مراد يشيلطاش وفرحات بيرينتشي في كتاب «الاستراتيجية الكبرى لتركيا»، فسنجد أن هاتين الخطوتين الدبلوماسيتين تقعان بالضبط في مستويين استراتيجيين مختلفين.
يقسم الباحثان المجال الجيوستراتيجي التركي إلى خمس دوائر. وتشمل الدائرة الاستراتيجية الثالثة المناطق التي لا ترتبط مع تركيا بحدود برية أو بحرية مباشرة، لكنها تستطيع التأثير مباشرة في مصالحها الجوهرية، ومنها: الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأوروبا، والبلقان، وآسيا الوسطى. أما الدائرة الرابعة، فتمتد إلى القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية وآسيا.
وبحسب هذا الإطار، يقع اتفاق مكة الدفاعي أساساً ضمن الدائرة الاستراتيجية الثالثة لتركيا، فيما تنتمي شراكة الحوار مع آسيان إلى الدائرة الرابعة. ويشير تقدم المسارين في الوقت نفسه إلى أن الاستقلال الاستراتيجي التركي الحالي ليس توسعاً خطياً في اتجاه واحد، بل استخدام أدوات مختلفة في مستويات جغرافية مختلفة.
ففي الدائرة الثالثة، تستخدم أنقرة أكثر أدوات الأمن والدفاع والتعاون الاستراتيجي. وفي الدائرة الرابعة، تعتمد بدرجة أكبر على الدبلوماسية والتجارة والروابط المؤسسية. وتقدم الصومال مثالاً نموذجياً آخر على الدائرة الاستراتيجية الرابعة. فبصفتها دولة مهمة في القرن الأفريقي، أصبحت الصومال خلال الأعوام الأخيرة نقطة ارتكاز مهمة للتعاون الأمني والطاقي التركي. ووقعت الدولتان اتفاقاً دفاعياً عام 2024، ثم اتفاقاً للتعاون في مجال الطاقة عام 2025.
ومن هذه الزاوية، لا تمتد الدائرة الاستراتيجية الرابعة لتركيا نحو آسيا فقط، بل تشكل أيضاً نقطة ارتكاز جديدة في القرن الأفريقي على الجانب الآخر من المحيط الهندي.
«عولمة إقليمية»
اعتاد الناس في الماضي الحديث عن «العولمة». لكن الاتجاه الذي ظهر خلال الأعوام الأخيرة يمكن وصفه بدقة أكبر بأنه «عولمة إقليمية». العالم لم ينفصل كلياً عن بعضه، لكن النظام العالمي الموحد للأمن والاقتصاد بات يُستكمل بصورة متزايدة بشبكات إقليمية متداخلة.
وتعكس آسيان، ومجلس التعاون الخليجي، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وأشكال مختلفة من الآليات الأمنية المصغرة متعددة الأطراف، هذا الاتجاه. وقد يصبح النظام الدولي مستقبلاً أقل شبهاً بهرم، وأكثر شبهاً بشبكة.
وبالنسبة إلى قوة متوسطة، مثل: تركيا، فإن ذلك يخلق فرصة جديدة. والمفتاح هو احتلال أكبر عدد ممكن من العُقد داخل هذه الشبكات. وهذا هو المقصود بـ«الترابط متعدد الاتجاهات».
وبالطبع، فإن تفسير اتفاق مكة باعتباره تحالفاً عسكرياً فقط قد يؤدي أيضاً إلى تجاهل بعد مهم آخر. فالبنية الأمنية قد تُنتج في النهاية آثاراً اقتصادية تتجاوز المجال العسكري. رأس المال لا يحب الحرب. وسلاسل التوريد لا تحب الحصار. والخدمات اللوجستية لا تحب المضائق التي يصعب التنبؤ بما سيحدث فيها.
وقد أثبتت سلسلة الأزمات التي شهدتها السنوات الأخيرة، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مراراً أن «سلسلة التوريد العالمية» في الاقتصاد الحديث تعتمد بدرجة كبيرة على عدد قليل من العقد الجغرافية شديدة الهشاشة.
وكثيراً ما يشدد القادة الصينيون، عند مناقشة العلاقة بين الأمن والتنمية، على فكرة مفادها: أن الأمن شرطٌ مسبق للتنمية.
وبدأ هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد يظهر بالفعل في قطاع الطاقة. ففي الأول من آب، وقعت تركيا والعراق اتفاقاً لنقل النفط الخام لمدة عام، تخصص بموجبه طاقة خط أنابيب النفط العراقي التركي البالغة 750 ألف برميل يومياً لنقل النفط العراقي. والأهم، أن الخط يمتلك قدرة تقنية على نقل نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
وتأمل أنقرة مستقبلاً ألا يقتصر استخدامه على النفط العراقي، بل أن ينقل أيضاً النفط الخام القادم من الكويت ودول خليجية أخرى عبر تركيا إلى ميناء جيهان، ومنه إلى الأسواق العالمية. وهذا يعني أن المنطق الاقتصادي الكامن خلف التعاون الأمني الإقليمي لا يتعلق فقط بالاستثمارات والتعاون في الصناعات الدفاعية، بل أيضاً بإعادة رسم ممرات الطاقة والتجارة.
وفي ظل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية التي تواجه طرق الطاقة التقليدية، مثل: مضيق هرمز، تتزايد القيمة الاستراتيجية لممر بري للطاقة يربط الخليج بالعراق وتركيا والبحر المتوسط. ومن هذه الزاوية، ربما لا يتمثل أهم ما ينبغي مراقبته مستقبلاً في اتفاق مكة بالمناورات العسكرية المشتركة، أو تعاون السلاح، أو التنسيق العسكري فقط، بل بقدرته على توليد بيئة أكثر استقراراً للتعاون الاقتصادي الإقليمي.
فإذا استطاعت رؤوس الأموال السعودية، والقاعدة الصناعية والموقع اللوجستي لتركيا، والموقع الجغرافي لباكستان الذي يربط جنوب آسيا بالمحيط الهندي، أن تتحول من خلال التعاون الأمني إلى روابط اقتصادية أكثر عمقاً، فقد تتجاوز أهمية اتفاق مكة نطاق التحالف العسكري التقليدي.

الجيوبوليتيك يُعيد تعريف «المسافة»
تنعكس التغيرات في البيئة الأمنية في نهاية المطاف على عالم الأعمال. في الماضي، كانت الشركات، عندما تحسب جدوى صفقة تجارية عابرة للحدود، تنظر أولاً إلى السعر ومسافة النقل وكلفة الخدمات اللوجستية. لكن اليوم، تدخل مخاطر الأمن، والتسويات المالية، واستقرار سلاسل التوريد بصورة متزايدة ضمن معادلة الكلفة. ويظهر هذا التغير بوضوح أيضاً في الممارسات التجارية الواقعية.
بعد اندلاع النزاع، تأثرت بعض التسويات المصرفية التي كانت تجري سابقاً عبر دبي، بينما قدمت المصارف التركية حلولاً أكثر مباشرة ومرونة في بعض العمليات العابرة للحدود. وظهرت تغيرات مشابهة في جانب سلاسل التوريد. ففي الماضي، عندما كانت تركيا تستورد بعض المنتجات البتروكيماوية من الشرق الأوسط، نادراً ما كانت الشركات تنظر إلى الموردين الصينيين، لأن مسافة النقل من الصين أطول، وكلفتها اللوجستية أعلى. لكن ارتفاع المخاطر الناجمة عن الحرب، والتغيرات في تكاليف النقل والتعاملات، غيرا هيكل الكلفة والمزايا النسبية السابق.
ونتيجة لذلك، بدأ الموردون الصينيون يدخلون في خيارات عدد أكبر من الشركات التركية. وهذا واقع مثير للاهتمام: الجيوبوليتيك لا يغير المسافة على الخريطة، لكنه يستطيع تغيير المسافة بالمعنى التجاري. فعندما تدخل مخاطر الأمن والتمويل واللوجستيات ضمن حساب التكاليف، قد يصبح المورد البعيد أقرب، بينما قد تفقد السوق القريبة جغرافياً جزءاً من ميزتها.
وإذا ابتعدنا قليلاً بالنظر إلى الخريطة، تظهر صورة أكثر إثارة للاهتمام. أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية ينطلق من شرق آسيا، ويمر عبر بحر الصين الجنوبي إلى مضيق ملقا، ثم يعبر المحيط الهندي، ويمر ببحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر، قبل أن يصل إلى البحر المتوسط وأوروبا. وتقع التحركات الدبلوماسية التركية الأخيرة تحديداً عند عقد مختلفة على طول هذا الممر البحري الضخم.
وهكذا، لا تعود أهمية اتفاق مكة محصورة بالتعاون العسكري بين الدول الثلاث. ففي عصر يتسارع فيه تحول النظام العالمي نحو الإقليمية، وتعيد فيه منافسة القوى الكبرى تشكيل شبكات التجارة والأمن، يبدو الاتفاق أقرب إلى نموذج مصغر للطريقة الجديدة التي تبحث بها القوى المتوسطة عن أشكال تعاون جديدة.
ومع عودة تنافس القوى الكبرى ليصبح محوراً رئيسياً في السياسة الدولية، لم يعد العالم ببساطة إلى عصر معسكرين متواجهين. بل على العكس، بدأت أعداد متزايدة من القوى المتوسطة بالسعي إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، من خلال التعاون الإقليمي، والآليات المصغرة متعددة الأطراف، والشبكات العابرة للأقاليم، بهدف توزيع المخاطر وتوسيع مساحة الخيارات.
ولهذا، يتحول النظام العالمي تدريجياً من «هرم» تقوده قلة من القوى الكبرى إلى «شبكة» تتشابك فيها قوى إقليمية مختلفة، وممرات اقتصادية، وآليات أمنية متعددة. وإذا كانت الكلمة المفتاحية لعولمة العقود الماضية هي «الاعتماد المتبادل»، فقد تصبح الكلمة المفتاحية للنظام الدولي في المستقبل بصورة متزايدة: الحفاظ على الاستقلال داخل الاعتماد المتبادل، وبناء الروابط داخل عالم متعدد الأقطاب.