كيف تقرأ الصحافة «الإسرائيلية» الاتفاق بين السلطة في دمشق وقسد؟
ترجمة وإعداد قاسيون
قدم محلِّل الشؤون العربيَّة في صحيفة هآرتس «الإسرائيليَّة»، زفي بارئيل Zvi Bar'el، تحليلاً معمَّقاً تحت عنوان "Syria's Deal With Kurdish Forces Collapses Israel's Divide-and-conquer Strategy"، (اتفاق سورية مع القوى الكردية، أدى لانهيار استراتيجية فرق-تسد الإسرائيلية)، نُشر في 30 آب 2026.
وما حملته السطور بين دفتي التحليل كان أقرب إلى اعترافٍ "إسرائيليٍّ" ضمنيٍّ بفشل استراتيجيَّةٍ كانت تراهن على تمزيق سوريا واستغلال تنوُّعها القوميِّ والطائفيٍّ أداةً للنفوذ والابتزاز السياسيِّ.
لم يكن المقال مجرَّد قراءةٍ صحافيَّةٍ عابرةٍ، بل إعلان موت وهمٍ ظلَّت تل أبيب تتمسَّك به لعقود. فالاتفاق بين الحكومة السوريَّة وقوَّات سوريا الديمقراطية (قسد) لم يغلق فقط صفحة الصراع في شمال شرق سوريا، بل أغلق الباب إلى حد بعيد أمام المشروع «الإسرائيليِّ» لتقسيم البلاد.
«اتفاق غيّر المعادلة»
يعرض "بارئيل" في مستهلِّ تحليله لاتفاق السلطة السورية وقوَّات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي قضى بإنهاء الهيكل العسكريِّ لقسد ودمج مقاتليها في مؤسَّسات الدولة السوريَّة.
لم يكن الاتفاق مجرَّد ترتيبٍ أمنيٍّ عابرٍ، بل شمل:
- تسليم الأسلحة الثقيلة (الدبَّابات والمركبات المدرَّعة والمدفعيَّة) إلى الجيش السوريِّ.
- نقل المناطق والمؤسَّسات المدنيَّة وحقول النفط والمعابر الحدوديَّة التي كانت خاضعةً للإدارة الذاتية إلى وزارات الحكومة السوريَّة.
- تبعية بعض المقاتلين ضمن قسد لوزارة الدفاع ودمجهم على نحوٍ فرديٍّ في الجيش، بينما توضع وحدات أخرى وقوَّات الشرطة تحت مسؤوليَّة وزارة الداخليَّة.
والأكثر دلالةً، وفق ما رصدته "هآرتس"، هو التحوُّل الرمزيُّ الذي شهده قائد "قسد" مظلوم عبدي، إذ تخلَّى عن زيِّه العسكريِّ وظهر ببدلةٍ وربطة عنقٍ بعد تعيينه مستشاراً للرئيس الشرع، فيما تولَّى نائبه السابق سيبان حمو منصب نائب وزير الدفاع للشؤون الكرديَّة. وتشير التقديرات إلى أنَّ نحو 12 ألف مقاتلٍ تقدَّموا بطلباتٍ للانضمام إلى الجيش السوريِّ.
إنجازٌ سياسيٌّ بامتياز
وصف "بارئيل" الاتفاق بأنَّه "انتصارٌ سياسيٌّ بالغ الأهميَّة"، يعكس الانتقال من "صراع البقاء إلى القدرة على إعادة تشكيل التنظيم الداخليِّ للبلاد". فإزالة "إحدى أهم العقبات" أمام توحيد سوريا تحت سلطة دمشق كانت خطوةً حاسمةً في مسار بناء الدولة السوريَّة الجديدة.
وفي المقابل، تضمن الاتفاق اعترافاً باللغة الكرديَّة والسماح بتدريسها للكرد.
"إسرائيل" تفقد "الورقة الكرديَّة"
تحوُّل الكرد من «حلفاء طبيعيِّين» وفقاً للافتراض «الإسرائيلي» السابق، إلى ورقةٍ خاسرة؛ إذ يكشف بارئيل "أنَّ الاتفاق أزال واحدةً من أبرز العقبات" التي كانت تعترض طريق توحيد سوريا تحت سلطةٍ واحدة. وهذا الإنجاز السوريُّ، وفق التحليل، جرَّد "إسرائيل" من أوراق ضغطها الاستراتيجيَّة في الميدان السوريِّ.
ويوضِّح المحلِّل «الإسرائيليُّ» أنَّ تل أبيب كانت تسعى لتحويل "قسد" إلى "قاعدةً استخباراتيَّةً" و"قوَّةً عازلةً" ضدَّ دمشق وطهران وأنقرة على حدٍّ سواء؛ فبعد انهيار سلطة الأسد في ديسمبر/ 2024م، راهنت "إسرائيل" على استغلال اختراقاتها ضمن المكوِّنين الكرديِّ والدرزيِّ لإفشال أيِّ مشروعٍ لتوحيد سوريا، خشية أن يؤدِّي إلى تعزيز النفوذ التركيِّ على حساب مصالحها.
ولم تكتفِ بالرهان الصامت، بل أعلن وزير خارجيَّتها السابق "جدعون ساعر" صراحةً أنَّ الكرد "حلفاء طبيعيُّون" لـ"إسرائيل"، ووصف مناطق سيطرة "قسد" بأنَّها "مناطق حكمٍ ذاتيٍّ" .
قاعدةٌ استخباراتيَّةٌ في العمق السوريِّ
يشير "بارئيل" إلى أنَّ "إسرائيل" نظرت إلى المناطق الكرديَّة في سوريا بوصفها مواقع محتملة تمكِّنها من ترسيخ نفوذها على التطوُّرات في سوريا، وربَّما بوصفها "قاعدةً لجمع معلوماتٍ عن العمليَّات الإيرانيَّة وعمليَّات حزب الله في سوريا". ولم تكتفِ "إسرائيل" بذلك، بل كانت تفكِّر في نموذج العلاقات التي تربطها بالمنطقة الكرديَّة في العراق، وبالجماعات الكرديَّة الإيرانيَّة، والتي كان من المفترض دمجها في خطَّةٍ طموحةٍ لإسقاط النظام الإيرانيِّ.
"الحكم الذاتيُّ الكرديُّ في سوريا ليس مجرَّد حلمٍ كرديٍّ"، كما يخلص "بارئيل"، "فقد نظرت "إسرائيل" إلى المناطق الكرديَّة في سوريا كمواقع محتملةٍ تُمكِّنها من ترسيخ نفوذها".
المشهد الإعلاميُّ «الإسرائيليُّ» ينقلب
إذا كان مقال بارئيل في "هآرتس" قد مثَّل اعترافاً نخبويّاً بفشلٍ استراتيجيٍّ، فإنَّ ما تلا نشره من نقاشاتٍ وتعليقاتٍ في الصحف العبريَّة الأخرى كشف عن حالةٍ من القلق والارتباك تخيِّم على المؤسَّسة السياسيَّة والأمنيَّة في تل أبيب.
في مقال التحليل الأصليِّ، لم يترك "بارئيل" مجالاً للشكِّ في حجم الخسارة «الإسرائيليَّة»؛ فالاتفاق الذي أعلن فيه قائد "قسد" مظلوم عبدي حلَّ إطاره العسكريِّ ودمجه في الجيش السوريِّ، "أزال أحد الألغام الأكثر تفجُّراً" التي كانت تعترض طريق إكمال توحيد سوريا.
صحيفة "إسرائيل اليوم" المقرَّبة من نتنياهو، ركَّزت على الأبعاد الأيديولوجيَّة للاتفاق أكثر من البعد الاستراتيجيِّ. وعَدَّت الصحيفة أنَّ تفكيك قسد وإنهاء ما أسمته الحكم الذاتيِّ الكرديِّ في شمال شرق سوريا يمثِّلان "إنجازاً تاريخيّاً".
صحيفة "يديعوت أحرونوت"، كانت الأكثر حدَّة في وصف تداعيات الاتفاق، ووصفته بأنَّه "تطوُّر سيِّئٌ جدّاً لـ"إسرائيل". ونقلت الصحيفة عن ساريت زهافي، رئيسة مركز "عَلما" للأبحاث الأمنيَّة، قولها إنَّ الاتفاق "يضعنا في موقعٍ أقلَّ جودةً، لأنَّه من الأفضل التوقيع على اتفاقٍ مع ضعيفٍ في بداية طريقه يحتاجنا أكثر ممَّا نحتاجه... ما يحدث مع الأكراد يقويه (الشرع) على نحوٍ كبير".
كما ركزت الصحيفة على أنَّ استعادة سوريا لمناطق كانت خاضعةً لسيطرة الأكراد "تعزِّز موقع الدولة السورية في أيِّ مفاوضاتٍ مستقبليَّةٍ، وتقلِّص هامش المناورة الإسرائيليَّة".
أمَّا صحيفة "معاريف" ركَّزت في تغطيتها على المأزق الاستراتيجيِّ الذي أوقعت فيه "إسرائيل" نفسها، مشيرةً إلى أنَّ "إسرائيل" وجدت نفسها خارج دائرة صنع القرار في الملفِّ السوريِّ.