Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1302: ما وراء تصريحات براك والضربة الأردنية!

 |  قاسيون  |  سياسة

أطلق السفير الأمريكي إلى تركيا، ومبعوث ترامب الخاص إلى سورية، توم براك، مجموعة من التصريحات «الصادمة» المتعلقة بسورية يوم الخميس الماضي 29 تشرين الأول، أهمها قوله: «إن إيجاد أحد يأتي للاستثمار في سورية هو أمر شبه مستحيل»، وأعاد التذكير بأن سورية خرجت حديثاً من تصنيفها كـ«دولة راعية للإرهاب»، لكن هنالك عقوبات وتقييدات ما تزال موجودة، وأضاف أن البيئة ما تزال غير آمنة، والنظام البنكي ما يزال «غير متعاون»، كما ادعى ادعاءً غريباً هو أن على عاتق سورية ديوناً تصل إلى مئات مليارات الدولارات! مشكلة أولئك الذين اعتبروا تصريحات براك الجديدة «صادمة»، هي أنهم صدقوا تصريحاته السابقة المتكررة طوال ما يقرب من عامين، والتي وعد فيها بتدفق أنهار الحليب والعسل على سورية عبر رفع العقوبات وعبر الاستثمارات الخارجية.

وبكل الأحوال، فإن فهم المعنى العميق لتصريحات براك هو أمر شديد الأهمية، لمعرفة ما ينبغي عمله على الصعيد الوطني. وفي هذا الإطار، يمكن تسجيل الأفكار الأساسية التالية:

أولاً: الأمريكي يثبت مراراً وتكراراً، ما سبق أن قلناه طوال عقود، وهو أنه لا يمكن للأمريكي أن يكون حليفاً لسورية، ولا يمكن الاعتماد عليه بحالٍ من الأحوال، لا في الاقتصاد ولا في غيره من القطاعات.

ثانياً: تأتي هذه التصريحات بعد جملة من الإجراءات والاتفاقات والمذكرات التي تم العمل عليها، والتي اتسمت بثلاثة اتجاهات واضحة؛ الأول هو العمل لفرض أكبر تحكم وسيطرة ممكنة لكل من البنك وصندوق النقد الدوليين على القطاع المالي والمصرفي في سورية، والثاني هو الدفع نحو احتكار أكثر القطاعات استراتيجية وأساسية من وجهة نظر الأمن الوطني (كهرباء، نفط ...إلخ) في يد مجموعة محددة ومعروفة من أصحاب رؤوس الأموال، وتحت مسمى «الاقتصاد الحر»، والثالث هو تجريد جهاز الدولة مما تبقى في يده من أدوات تأثير بالواقع الاقتصادي-الاجتماعي الداخلي، عبر إجراءات رفع الدعم والخصخصة.

أي أن المحصلة هي إضعاف جهاز الدولة وقدرته على التدخل الاقتصادي والمالي بحجة جلب الاستثمارات، ثم إغلاق باب الاستثمارات الخارجية والقول إنها لن تأتي... أي خنق البلاد من الداخل والخارج معاً.

ثالثاً: بالتوازي مع هذه التطورات على الصعيد الاقتصادي، جاء القصف الأردني على محافظة درعا السورية، ودون تنسيق مع السلطات السورية، والذي حمل عملياً شعار «مكافحة الإرهاب». التوازي بين هذه وتلك ليس أمراً تصادفياً، فالسلوك الأردني لا يخرج في نهاية المطاف عن فحوى تصريحات براك، ولا يخرج عن السياسات الأمريكية العامة في منطقتنا وتجاه بلدنا.

المعنى الفعلي للتوازي بين هذه الأحداث، هو أن البلاد يجري دفعها باتجاه انفجار جديد، من باب الاقتصاد ومعيشة الناس من جهة، ومن باب الإرهاب ومحاربته من جهة ثانية، وبما يصب في مصلحة الصهيوني والأمريكي في نهاية المطاف. الخطر محدق وكبير وحقيقي، وينبغي على القوى الوطنية السورية النظيفة والشريفة بمختلف مواقعها، سواء داخل جهاز الدولة أو خارجه، أن تتجه نحو رص صفوفها، والمدخل العملي الوحيد المتاح هو توحيد الشعب السوري عبر حكومة وحدة وطنية حقيقية تقود تغييراً شاملاً ينظمه ويحدده مؤتمر وطني عام شامل وكامل الصلاحيات، يتفق السوريون ضمنه على شكل دولتهم ونظامها، وعلى عقدها الاجتماعي الجديد، وعلى توجهها الاقتصادي والسياسي، بما يضمن تحقيق العدل الاجتماعي والمواطنة المتساوية لكل السوريين، ويصون كرامتهم وكرامة بلادهم...

افتتاحية قاسيون    الأردن   الولايات المتحدة الأمريكية    RSS