(يمكن العودة للجزء الأول عبر الرابط المرفق)
فلسطين وإيران والإفلات الإمبراطوري من العقاب...
لا تتبدى ضراوة إمبريالية ترامب في أي مكان بوضوح أكثر مما تتبدى في غرب آسيا؛ إذ تكشف حالة كل من فلسطين وإيران عن وحدة القوة العسكرية والمالية والإقليمية والأيديولوجية؛ كما تفضح كذب الادعاء بأن الولايات المتحدة تدافع عن «نظام قائم على القواعد»؛ فالقواعد تُستحضر ضد الخصوم، وتُلقى جانباً لصالح الحلفاء؛ والسيادة تكون مطلقة حين تطالب بها واشنطن، وتكون مشروطة حين يطالب بها أولئك الذين يقاومونها.
ترجمة قاسيون
إن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس مجرد تحالف بين دولتين، بل إن إسرائيل تعمل كموقع عسكري واستخباري متقدم ضمن البنية الإمبراطورية في غرب آسيا؛ وهي المنطقة التي جعلتها موارد طاقتها وطرق تجارتها وموقعها الاستراتيجي الشغل الشاغل للقوة الأمريكية. تمدّ واشنطن إسرائيل بالسلاح والمال والحماية الدبلوماسية والاستخبارات، في حين تستعرض إسرائيل أشكال المراقبة، والعقاب الجماعي، والسيطرة على السكان، والتقنيات العسكرية التي تسري وتدور في أرجاء النظام الإمبراطوري الأوسع.
إن تعامل ترامب مع فلسطين ينقل مخيلته القائمة على منطق «المطور العقاري» إلى ميدان الحرب الاستعمارية. فهو لا يرى غزة كوطن يقطنه شعب له حقوق وتاريخ ومطالب سياسية، بل يراها كإقليم يمكن تهجير سكانه وإعادة تطوير شريطه الساحلي. هذه هي الفانتازيا الاستعمارية القديمة مُعبَّراً عنها بلغة العقارات: أزل السكان، ونظّف الأرض، وحوّل الخراب إلى فرصة استثمارية. ولا تكمن البشاعة في المقترح ذاته فحسب، بل في كونه يعطي شكلاً صريحاً لمنطق قائم بالفعل في تدمير المنازل، والمستشفيات، والجامعات، والأرشيفات، والأراضي الزراعية، والحياة المدنية.
إن الهجوم على فلسطين يتطلب أيضاً هجوماً على القانون الدولي. فعندما تحقق المؤسسات الدولية في السلوك الإسرائيلي أو الأمريكي، تفرض واشنطن عقوبات على المسؤولين، وتهدد المحاكم، وتستخدم حق النقض (الفيتو) ضد القرارات، وتوقف التعاون. فالسيادة الإمبراطورية تعني الحق في محاكمة الآخرين دون الخضوع للمحاكمة. وتصر الولايات المتحدة على الولاية القضائية العالمية لعقوباتها وعملياتها العسكرية، في حين تنفي هذه الولاية عن الهيئات التي قد تحاسب قادتها أو حلفاءها. إن ترامب لم يخلق هذا المعيار المزدوج، لكنه جعل منه مصدر فخر.
وتمثل إيران البنية ذاتها، ولكن على نطاق إقليمي أكبر. فلعدة عقود، حاولت العقوبات منع إيران من ممارسة سيادتها الاقتصادية والاستراتيجية. وكانت القيود الخانقة على صادرات النفط، والخدمات المصرفية، والشحن، والتكنولوجيا، والاستثمار، تهدف إلى إنهاك البلاد وعزلها عن الاقتصاد العالمي. وتتعامل سياسة «الضغط الأقصى» التي ينتهجها ترامب مع معاناة الإيرانيين العاديين باعتبارها أداة ضغط؛ إذ تفترض أن الألم الاقتصادي يمكن معايرته حتى تتخلى الدولة عن دورها الإقليمي المستقل، وتقبل بالشروط التي تحددها واشنطن وتل أبيب.
غير أن الإكراه المالي سرعان ما يتحول إلى إكراه عسكري. فالضربات، والاعتداءات والاغتيالات، والحصار، والتهديدات ضد المنشآت النووية، ومحاولات التحكم بالملاحة عبر مضيق هرمز، كلها تقع على خط متصل واحد. ويُعد المضيق أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، والسيطرة عليه تحمل عواقب تتجاوز حدود إيران بكثير. إن ادعاء الحق في حراسة المضيق وفرض النظام فيه بشكل أحادي، هو ادعاء للسلطة على شريان رئيسي للاقتصاد العالمي. ومجدداً، تقدم الولايات المتحدة هيمنتها الخاصة باعتبارها «حرية ملاحة»، وتقدم مقاومة دولة إقليمية لها باعتبارها «تهديداً للنظام الدولي».
غالباً ما تُوصف سياسات ترامب في غربي آسيا بأنها متقلبة لأن التهديدات والمفاوضات والضربات والصفقات المقترحة تتوالى بسرعة. ومع ذلك، فإن هذا التقلب الظاهري له هدف؛ إذ يحول عدم القدرة على التنبؤ إلى أداة للمفاوضات. يجب على الخصم أن يعتقد أن الرئيس قد يتجاوز الحدود المحددة، بينما يتعين على الحلفاء شراء الطمأنينة باستمرار. والظرف في غاية الخطورة، لأن الاستراتيجية التي تعتمد على الاستعراض اللاعقلاني يمكن أن تنتج عواقب لا يمكن لأي استعراض احتواؤها.
هذه هي الإمبريالية الفائقة (Hyper-imperialism) في أكثر أشكالها تركيزاً: محاولة كتلة عسكرية وسياسية واقتصادية تقودها الولايات المتحدة للتعويض عن تراجع سلطتها عبر تصعيد الإكراه. تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها حصة هائلة من الإنفاق العسكري العالمي، وشبكة ضخمة من القواعد العسكرية القائمة في الخارج، وسيطرة على التقنيات الاستراتيجية، والقدرة على شن حرب اقتصادية عابرة للحدود. ومع ذلك، فإنهم يعجزون عن تحقيق نتائج سياسية مستقرة. وما العراق، وأفغانستان، وليبيا، وفلسطين، والحملة الطويلة ضد إيران إلا أدلة تثبت القوة التدميرية للكتلة، وفي الوقت نفسه تكشف حدود قدرتها على إيجاد الشرعية؛ إذ إن بمقدورها تدمير المجتمعات بسهولة أكبر بكثير من قدرتها على إدارة العواقب الناجمة عن ذلك التدمير.
آسيا وعسكرة المنافسة الإنتاجية
يبقى الانشغال الرئيسي طويل الأجل للاستراتيجية الأمريكية متمثلاً في آسيا، لأن آسيا هي المنطقة الأكثر ديناميكية في الاقتصاد العالمي، والصين هي القوة التي كسرت الهرمية الإنتاجية القديمة بشكل حاسم. تواجه الولايات المتحدة مأزقاً: فهي لا تستطيع فصل نفسها اقتصادياً عن منطقة تقتات وتعتمد عليها شركاتها ومستهلكوها، ولكنها لا تستطيع قبول نظام اقتصادي آسيوي لا تمتلك فيه واشنطن السلطة النهائية. وكان جوابها هو عسكرة المنافسة الاقتصادية.
تشكل القواعد الأمريكية في اليابان، وكوريا الجنوبية، وغوام، والفلبين، وأستراليا قوساً يحيط بالصين. وتعمل تحالفات مثل: «أوكوس «(AUKUS)، و»الرباعي «(Quad)، والدوريات البحرية، والمناورات العسكرية، واتفاقيات القواعد الجديدة، وتسليح قضية تايوان، على توسيع البنية التحتية للمواجهة. وتعمل القيود على أشباه الموصلات واستثماراتها بالتوازي مع هذه البنية العسكرية. وهكذا تصبح المصانع، والمختبرات، وممرات الشحن، والأقمار الصناعية، ومنصات الدفع، والقواعد البحرية أجزاءً من استراتيجية واحدة.
يضيف ترامب ضغطاً براغماتياً إلى هذه البنية عبر ما يراه (فن الصفقة)؛ إذ يُطلب من اليابان وكوريا الجنوبية دفع المزيد مقابل وجود القوات الأمريكية، رغم أن هذه القوات تخدم المخطط الاستراتيجي لواشنطن. وتُعامل تايوان في الوقت نفسه كموقع استراتيجي، وزبون للأسلحة الأمريكية، وأصل لأشباه الموصلات تريد الولايات المتحدة نقل قدرته الإنتاجية إليها. ولا يُتوقع من الحلفاء مجرد التوافق الدبلوماسي، بل إعادة تنظيم اقتصاداتهم، وعلاقاتهم التكنولوجية، وسلاسل التوريد لديهم حول هدف احتواء الصين.
يكمن الخطر في أن الولايات المتحدة ستسعى للتعويض عسكرياً عما يعجز اقتصادها عن تحقيقه تجارياً. لا يمكن التراجع عن صعود الصين باستخدام حاملات الطائرات، ولا يمكن قصف أنظمتها البيئية الصناعية ومحوها دون إلحاق كارثة بالاقتصاد العالمي برمته. ومع ذلك، يظل الخيار العسكري مدمجاً في التخطيط الأمريكي لأن فقدان الصدارة يُعامل كتهديد أمني بدلاً من كونه دعوة للتعاون بين دول ذات سيادة.
يُطلب من شعوب آسيا أن تعيش داخل هذا التناقض. فاقتصاداتها تتكامل بشكل متزايد مع الصين، بينما تتعرض مؤسساتها الأمنية للضغط للتوافق مع الولايات المتحدة. ويحول الإنفاق العسكري الموارد بعيداً عن التنمية الاجتماعية، وتحول القواعد العسكرية المدن والجزر والشواطئ إلى أهداف محتملة. تتحدث واشنطن عن منطقة «حرة ومفتوحة»، لكن الحرية تُعرَّف بأنها استمرار حرية القوات الأمريكية في العمل على بعد آلاف الكيلومترات من أراضيها.
يزيد تعصب ترامب القومي وعنصريته من حدة الخطر. فالرقابة والمنافسة الاقتصادية تُصور كـ «سرقة حضارية»، وتصبح الصين التفسير الخارجي للتراجع الداخلي الأمريكي. هذه اللغة تهيئ السكان للتضحية من خلال تحويل التحول المعقد في الاقتصاد العالمي إلى قصة «أمة مضطهدة»! وهذه اللغة تخفي أيضاً دور الشركات الأمريكية في نقل الإنتاج، وتجعل العداء للصين يظهر كسياسة للطبقة العاملة، رغم أن المواجهة تهدد العمال في كل مكان.
المشروع الطبقي خلف «الترامبية»
تأتي القوة السياسية لترامب من قدرته على مخاطبة الدمار الاجتماعي الفعلي مع حماية علاقات الملكية التي أنتجته. لقد ولّد إلغاء التصنيع، والديون، والتوظيف غير الآمن، واللامساواة القائمة على العرق، وانهيار المؤسسات العامة خزاناً هائلاً من الغضب. ودافعت المؤسسة الديمقراطية عن العولمة التي أغنت شركات المال والتكنولوجيا، بينما قدمت للمجتمعات المتضررة إعادة تأهيل، وائتمانات استهلاكية، ومواعظ أخلاقية. دخل ترامب هذا المشهد ووعد بالاستعادة والإعادة.
لكن هذه الاستعادة مزيفة. فترامب لا يسعى إلى نقل السلطة إلى العمال، أو إعادة بناء المجتمع حول الصالح العام. يربط مشروعه أجزاء من رأس مال الوقود الأحفوري، والمال، ومصنعي الأسلحة، ومصالح العقارات، والأسهم الخاصة، واللوجستيات، ومليارديرات التكنولوجيا مع قاعدة جماهيرية مستمدة جزئياً من ضحايا النيوليبرالية (الليبرالية الجديدة). وتُدار هذه التناقضات عبر القومية؛ إذ يُعفى رأس المال من المسؤولية، بينما يُحدد المهاجرون، والصين، والموظفون العموميون، والجامعات، والأقليات، والحكومات الأجنبية كأعداء.
يفسر هذا التحالف الطبقي الشكل الخاص للسياسة الصناعية لترامب. فالإعادة الحقيقية لبناء القدرة الإنتاجية تتطلب تخطيطاً طويل الأجل، وبنوكاً عامة، وبنية تحتية حديثة، ومدارس وجامعات قوية، وأجوراً اجتماعية موسعة، وقوة للعمال، وشكلاً من أشكال السلطة العامة على الاستثمار. تحالف ترامب لن يتسامح مع مثل هذا البرنامج، ولذلك فهو يعتمد على التسهيلات الضريبية، وإلغاء القيود التنظيمية، والمشتريات العسكرية، والتعريفات الجمركية، الطاقة الرخيصة، والإعانات لرأس المال الخاص. تمتص الأموال العامة المخاطر، بينما يحتفظ أصحاب الأملاك والاستثمارات الخاصة بالسيطرة.
تحتل أوليغارشيا التكنولوجيا مكاناً خاصاً داخل هذا الترتيب. فقد أصبحت المنصات الرقمية، وأنظمة السحاب، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، والكابلات البحرية، بنية تحتية أساسية للحياة الاقتصادية والسياسية. والشركات التي تسيطر عليها تمارس سلطة شبه سيادية؛ إذ يمكنها تحديد الوصول إلى المعلومات، والاتصالات، وقنوات الدفع، والقدرة الحسابية. وعلاقتها مع الدولة ليست مجرد علاقة عداء أو تبعية، فهي تتطلب أبحاثاً عامة، وطاقة، وعقوداً، وحماية عسكرية، بينما تعتمد الدولة بشكل متزايد على تقنياتها للمراقبة، والحرب، والإدارة.
بالنسبة للجنوب العالمي، يخلق هذا التركيز أفقاً جديداً من التبعية. قد تمتلك الدولة استقلالاً رسمياً، بينما تظل بياناتها العامة، واتصالاتها، وبنيتها التحتية السحابية، ومدفوعاتها الرقمية خاضعة للسيطرة في الخارج. يمكن للرقمنة أن تحسن التخطيط، والصحة، والتعليم، والإنتاج، ولكن فقط إذا تم التصدي لمسائل الملكية والسيادة: من يملك البيانات؟ من يبني الأنظمة؟ من يضع المعايير؟ من يستولي على القيمة؟ يعطي تحالف ترامب مع رأس المال التكنولوجي هذه الأسئلة طابعاً جيوسياسياً مكشوفاً، حيث يصبح الوصول إلى أنصاف النواقل، والمنصات، والذكاء الاصطناعي مشروطاً بالتوافق الاستراتيجي.
في الداخل، تنضم التقنيات ذاتها إلى دولة إكراه معززة. فعسكرة الحدود، والترحيل، والمراقبة، والهجمات على المعارضة، وتجريم التضامن، ليست منفصلة عن السياسة الخارجية. ترجع الإمبراطورية إلى أراضيها من خلال المؤسسات والعادات التي طورتها في الخارج. والدولة التي اعتادت التعامل مع مجتمع بأكمله كتهديد أمني، ستطبق في النهاية الأساليب ذاتها على العمال، والمهاجرين، والطلاب، والخصوم السياسيين داخل حدودها.
لذلك لا يمكن هزيمة الترامبية من خلال إعادة ترميم النظام النيوليبرالي الذي أنتجها. إن الدفاع عن اللغة القديمة للتحالفات والقواعد، دون تحويل في السلطة الطبقية، يمهد الطريق مجدداً لترامب آخر. يجب أن تبدأ الإجابة من الجراح الاجتماعية التي يستغلها حراكه، مع رفض العنصرية، والعسكرة، والشوفينية التي يعيد توجيهها من خلالها.
حدود الترميم الإمبراطوري
إن إمبريالية ترامب خطيرة، تحديداً لأنها تجمع بين قوة استثنائية وطموحات مستحيلة. تستطيع الولايات المتحدة فرض معاناة هائلة، وتعطيل التجارة، والاستيلاء على الأصول، واستبعاد الشركات من التكنولوجيا، وإجبار الدول الضعيفة على تقديم تنازلات. لكن الإكراه لا يمكنه إعادة توزيع القدرة الإنتاجية إلى ما لا نهاية، ولا يمكنه حل التناقضات الداخلية للرأسمالية الأمريكية.
يظل الدولار مهيمناً، لكن التوسع في استخدام العقوبات يشجع الدول على البحث عن ترتيبات دفع بديلة. وتظل التكنولوجيا الأمريكية قوية، لكن ضوابط التصدير تسرع الاستثمار في القدرات المستقلة. يمكن للتحالفات العسكرية تطويق الصين، لكنها لا تستطيع محو العلاقات الاقتصادية التي تربط آسيا ببعضها. والتعريفات الجمركية يمكنها تغيير الأسعار والممرات، لكنها لا تستطيع استحضار الأنظمة البيئية الصناعية إلى الوجود. كل استخدام للقوة الإكراهية يظهر القوة الأمريكية بينما يخلق حوافز للهروب منها.
لا يوجد مرور أوتوماتيكي من الأفول الأمريكي إلى عالم عادل. فالمراكز الجديدة للإنتاج قد تعيد إنتاج علاقات الاستغلال. وقد تسعى حكومات الجنوب العالمي إلى مساحة للمناورة دون تحويل حقيقي لحياة العمال والفلاحين. وقد تظل المؤسسات الإقليمية حذرة، أو غير متكافئة، أو مقتصرة على المصالح القومية. إن إعادة توزيع القوة بين الدول ليست هي ذاتها الانعتاق الاجتماعي.
ومع ذلك، برزت إمكانيات جديدة. فالتجارة بين دول الجنوب، والتعاون في البنية التحتية، وبنوك التنمية، وترتيبات العملات المحلية، والتكنولوجيا العامة، وشبكات الإنتاج الإقليمية، يمكنها تقليل التبعية للمؤسسات التي تسيطر عليها الكتلة الإمبراطورية القديمة. ولا تكمن أهميتها في استبدال مهيمن بآخر، بل في توسيع المساحة التي يمكن للشعوب من خلالها السعي لتحقيق تنمية سيادية. وستظل هذه الإمكانية محدودة ما لم تدفعها النضالات الشعبية. فالسيادة لا يمكن أن تعني فقط حق النخبة القومية في التفاوض على موقع أفضل داخل الرأسمالية العالمية، بل يجب أن تعني قدرة الشعب على السيطرة على الموارد، وتخطيط الإنتاج، وبناء المؤسسات العامة، وضمان الغذاء والصحة، ومشاركة التكنولوجيا، وتحديد الأغراض التي يُستخدم من أجلها الفائض الاجتماعي. وإلا فإن مقاومة الهيمنة الأمريكية يمكن أن تتعايش مع الاستغلال الداخلي.

خاتمة: الإمبراطورية لا يمكن إصلاحها...
دونالد ترامب ليس انحرافاً، أو ظاهرة طارئة تطفو فوق تاريخ القوة الأمريكية، بل هو التعبير السياسي لنظام إمبراطوري يحتفظ بقدرات إكراه هائلة، بينما يفقد التفوق الإنتاجي والثقة الأيديولوجية التي كانت تؤمن قيادته ذات يوم.
إن الميزة الفريدة لإمبريالية ترامب ليست أنها تتخلى عن العالم، بل أنها تطالبه بـ «الإتاوة». فهي تطلب المال مقابل الحماية، والانصياع مقابل دخول الأسواق، والموارد مقابل العطف السياسي، والإفلات من العقاب على العنف الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها. وهي تحوّل المزايا الهيكلية المتبقية للولايات المتحدة إلى أدوات لتأخير الانتقال التاريخي الذي لا يمكنها منعه.
غير أن أساليب التأخير تعمق الأزمة. فالعقوبات تشجع على إيجاد بدائل لنظام الدولار، والرقابة التكنولوجية تحفز الأبحاث المستقلة، والتهديدات الإقليمية تكشف التبعية المخفية داخل التحالفات، والتطويق العسكري يجعل آسيا أكثر خطورة دون إعادة الصدارة الصناعية للولايات المتحدة. والهجوم على القانون الدولي يدمر شرعية المؤسسات التي ساعدت ذات يوم في تنظيم القبول بالقيادة الأمريكية. يستطيع ترامب استخدام الإكراه والعقاب والتدمير، لكنه لا يستطيع إعادة بناء العالم الذي جعل السيادة الأمريكية تبدو طبيعية.
يعتقد ترامب، أن التاريخ يمكن عكسه عبر رفع جدار من التعريفات الجمركية، أو الاستيلاء على قناة، أو شراء جزيرة، أو تهديد محكمة، أو إرسال مجموعة حاملات طائرات أخرى نحو شاطئ بعيد. لكن أزمة الإمبراطورية ليست خطأ تفاوضياً، بل هي نتيجة للتغيرات في الإنتاج، والسياسة، والتطلعات الشعبية التي لا يستطيع أي رئيس بمفرده إخضاعها. يكمن الخطر في أن إمبراطورية تعجز عن إصلاح نفسها ستسعى إلى كسر العالم. والمهام الملحة والمستعجلة هي: منع ذلك التدمير، والبناء -من رحم النضالات القائمة بالفعل- لعالم لا تستطيع أي إمبراطورية امتلاكه.