Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1301: الحركة الشعبية السورية تتقدم... فمن يلاقيها؟

 |  قاسيون  |  سياسة

في افتتاحية العدد الماضي، وعلى خلفية تصاعد الاحتجاجات في فرنسا وبلجيكا وألبانيا وإيطاليا والبرتغال والولايات المتحدة، أشارت «قاسيون» إلى أن اتساع الحركة الاحتجاجية ليس ظاهرة عابرة تخص دول الغرب وحدها، إنما تعبير عن أزمة عميقة تعيشها المنظومة العالمية القائمة، وعن عودة الشعوب إلى الشارع دفاعاً عن حقوقها ومصالحها. وأكدت أن «الربيع العربي» لم ينتهِ، وأن موجة ثانية من الحراك الشعبي تقترب، وستكون، بالاستناد إلى تجارب الموجة الأولى ودروسها، أعلى وعياً وأكثر تنظيماً.

وإذا انتقلنا من المشهد العالمي - الذي تصاعد الحراك الشعبي فيه خلال الأسبوع الماضي - إلى سورية، فإن أبرز ما يمكن تسجيله خلال الأسبوع الماضي هو الحضور المتزايد للحركة الاحتجاجية، واتساع قضاياها وأشكالها، من المطالب المعيشية والخدمية إلى الاعتراض على قرارات تمس الحقوق والممتلكات، وصولاً إلى الاحتجاج على الفساد الفاضح والمتعاظم لبعض المسؤولين السوريين.

وليس قليلاً أن يتحول رفض الفساد إلى أحد المحركات الأساسية للغضب الشعبي، وأن يجري التعبير عنه علناً وبصوت أعلى من السابق. وفي القلب من هذا كله تقف المسألة المعيشية. فالليرة السورية تواصل تراجعها المتسارع، بينما تتزايد أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والسكن والطاقة والغذاء، ويجد أصحاب الأجور أنفسهم عاجزين يوماً بعد آخر عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وحين تجتمع قسوة المعيشة مع الشعور بالظلم والفساد وغياب الإنصاف، يصبح الاحتجاج تعبيراً طبيعياً عن مشكلات لم يعد ممكناً تأجيل حلها أو إخفاؤها خلف التصريحات والوعود الزائفة. لا يمكن فصل الاحتجاج على قرار إداري محلي هنا أو هناك، أو على ملف استملاك، أو على تراجع الخدمات، عن الصورة الاقتصادية الاجتماعية العامة في البلاد، فهذه المطالب، وإن بدت متفرقة، تتقاطع عند سؤال واحد: لمصلحة من تعمل مؤسسات الدولة، للـ90% من السوريين الذين يعيشون في الفقر، أم لأصحاب الربح الكبير؟ وعدا عن ارتفاع صوتها، اللافت في الحركة الشعبية السورية اليوم هو تطور قدرتها على تنظيم نفسها.

ففي كل موقع احتجاج تقريباً، تتشكل بصورة متزايدة أشكال محلية للتواصل والتنسيق، وتحديد المطالب، واختيار سبل التعبير عنها ومتابعتها. ويتعلم المحتجون من تجارب بعضهم بعضاً، ويكتسبون خبرة عملية في تحويل الاعتراض الفردي المشتت إلى فعل جماعي أوضح وأكثر تنظيماً.

وهذه عملية تراكمية، لا تتوقف عند حدود وقفة أو اعتصام أو مطلب جزئي، إنما تحمل إمكانية توسيع الوعي بالمصالح المشتركة بين السوريين، مهما اختلفت مناطقهم وانتماءاتهم الثانوية. وهذا التنظيم الذي نراه ينمو اليوم من الأسفل، والذي ينشأ من خبرة الناس اليومية ومن ثقتهم بقدرتهم على الدفاع المشترك عن حقوقهم، مرشح للتطور أكثر من أي وقتٍ مضى.

إن تصاعد التوتر الداخلي يجري في عالمٍ تتسع فيه الاحتجاجات والتناقضات، وتتحرك شعوبه دفاعاً عن مستويات معيشتها وحقوقها. وليس من الحكمة النظر إلى ذلك باعتباره أمراً يمكن تجاهله أو احتواؤه بالمسكنات، أو التعامل مع كل تحرك شعبي كما لو كان مشكلة محلية أو عبئاً ينبغي التخلص منه.

ولا بد من أن يفهم أصحاب القرار أن الحركة الشعبية ليست خطراً بحد ذاتها على البلاد، إنما الخطر الحقيقي يكمن في استمرار أسباب الغضب، وفي سد أبواب الاستجابة الجادة والفعلية له.

من هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق جميع الشرفاء، داخل جهاز الدولة وخارجه، في ملاقاة الحركة الشعبية والتفاعل الإيجابي معها، لا الوقوف في وجهها أو الاكتفاء بمراقبتها. والملاقاة المطلوبة تتطلب خطوات جريئة وجادة، تبدأ بالإصغاء الحقيقي إلى مطالب الناس، ومحاسبة المتورطين بالفساد، والتراجع عن القرارات المجحفة التي أرهقت السوريين وزادت فقرهم، وفتح الطريق أمام المشاركة الشعبية الفعلية في تقرير السياسات التي تمس حياة الناس.

السوريون الذين يرفعون أصواتهم اليوم يطالبون في العمق باستقرار اجتماعي حقيقي، وهو استقرار يقوم على العدل والحقوق والكرامة. وكلما ارتفع مستوى وعيهم وتنظيمهم، ازدادت ضرورة أن يرتفع، في المقابل، مستوى الاستجابة لمطالبهم.

وملاقاة الحركة الشعبية اليوم، بدلاً من مصادمتها أو التوهم بإمكانية الالتفاف عليها، هي الطريق الأكثر أماناً لحماية سورية ومستقبلها.

RSS   أوروبا   افتتاحية قاسيون   الاحتجاجات   سورية