Skip to main content

الإمبراطورية تطالب بالإتاوة ترامب و«إمبريالية الانحدار» (1/2)

 |  قاسيون  |  سياسة

 دونالد ترامب ليس السبب وراء أزمة الإمبريالية الأمريكية، بل هو نتيجة من نتائجها، فَهم بعض أعراضها بحدس سمسار عقارات فظ، وقدّم للطبقة الحاكمة الأمريكية طريقة لإدارة تراجعها النسبي. لغته خشنة لأن الواقع الذي يصفه خشن؛ فالدول في نظره تتحول إلى أصول أو التزامات مالية؛ والحلفاء إلى عملاء لم يسددوا فواتيرهم؛ والممرات المائية أكشاك لجباية الرسوم؛ والمعادن جوائز مدفونة تحت أراضي شعوب أخرى؛ والتعريفات الجمركية أدوات للعقاب؛ والحماية العسكرية خدمة تستحق الدفع. يجرّد ترامب الإمبريالية من لباسها الدبلوماسي؛ فحيث كانت «الأممية الليبرالية» للرأسمالية تتحدث عن القيم المشتركة والنظام القائم على القواعد، جاء ترامب ليسأل: من يملك الميناء؟ ومن يسيطر على المعدن؟ ومن يدفع تكاليف القاعدة العسكرية؟ وما الإتاوة التي يمكن انتزاعها مقابل الوصول إلى السوق الأمريكية؟

فيرجاي بيرشاد

 ترجمة قاسيون


 يشهد العالم المعاصر تحوّلاً عميقاً. فالمؤسسات التي بُنيت بعد الحرب العالمية الثانية لا تزال قائمة إلى حدّ بعيد، لكن الأسس المادية التي تقوم عليها قد تغيّرت. وما تزال الولايات المتحدة تهيمن من حيث الشكل على التمويل العالمي، والقوة العسكرية، والمعايير التكنولوجية، وأنظمة الاتصالات، والمؤسسات الدولية، لكنها لم تعد تمتلك التفوق الإنتاجي الذي لا ينازعها فيه أحد، والذي كان يمنح سيطرتها في الماضي أساساً متيناً. لقد انتقل مركز الثقل الإنتاجي نحو آسيا. وأصبحت الصين أكبر قوة تصنيعية في العالم، فيما تستحوذ بلدان الجنوب العالمي على حصة متزايدة من التجارة والإنتاج والاستثمار والقدرات التكنولوجية. لقد أصبح الإنتاج موزعاً جغرافياً على نطاق أوسع، لكن القوة المالية والنقدية والعسكرية والمعلوماتية لا تزال متمركزة في الكتلة القديمة لشمال الأطلسي.
 هذا التناقض هو ما يحدّد الظرف التاريخي الراهن. فما تزال الولايات المتحدة تمتلك قوة إكراه استثنائية، في حين تراجعت قدرتها على قيادة الاقتصاد العالمي من خلال التفوق الإنتاجي. ولا تزال هي الجهة المصدرة للعملة الاحتياطية المهيمنة (الدولار)، ومركز أسواق رأس المال العالمية، ومقر الشركات التكنولوجية القوية، ومركز قيادة منظومة عسكرية تمتد على مستوى الكوكب. لكنها لا تستطيع ببساطة أن تتفوق على الصين في حجم الإنتاج، أو أن تقدم للجنوب العالمي مساراً تنموياً موثوقاً، أو أن تستعيد الاحتكار الصناعي الذي تمتعت به بعد عام 1945. وما يبدو سلسلة من الأزمات المنفصلة - الحروب الجمركية، والعقوبات، وضوابط التصدير، وأزمات الديون، والتطويق العسكري، والتهديدات الإقليمية، والحروب الإقليمية - يُفهم على نحو أفضل بوصفه عملية تاريخية واحدة: محاولة الحفاظ على تراتبية إمبريالية تتعرض أسسها الاقتصادية للضغط.
 إن إمبريالية ترامب هي محاولة لتحويل المزايا التي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بها - امتدادها العسكري، وقوة الدولار، وسوقها الاستهلاكية، واحتكاراتها التكنولوجية، وسيطرتها على جزء من البنية التحتية الاستراتيجية - إلى أدوات لفرض الإتاوة والسيطرة. وهي لا تمثل انسحاباً من الإمبراطورية. فشعار ترامب «أمريكا أولاً» يعني أن الولايات المتحدة ستواصل المطالبة بامتيازات عالمية، بينما تتخلى حتى عن التظاهر بتحمل التزامات كونية. ستفرض هيمنتها من دون وصاية، وتأمر من دون موافقة، وتطالب بالدفع مقابل النظام الذي جعلته هي نفسها أكثر خطورة على نحو متزايد. إن الترامبية ليست تراجع الإمبريالية الأمريكية عن العالم، بل تراجع الإمبريالية عن «لغة المسؤولية الدولية».


 من التفوق الإنتاجي إلى القوة القسرية


استند النظام الدولي الذي نشأ بعد عام 1945 إلى ثلاثة أركان مترابطة: التفوق الإنتاجي الأمريكي، ومركزية الدولار، والتفوق العسكري. خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية بمصانعها سليمة وقد توسعت كثيراً، في حين كانت أوروبا وأجزاء واسعة من آسيا مدمّرة. وشكّلت المصانع والمؤسسات العلمية والبنية التحتية والشركات الأمريكية القلب الإنتاجي للعالم الرأسمالي. ومن خلال مؤسسات بريتون وودز، وخطة مارشال، وحلف شمال الأطلسي، وشبكة آخذة في الاتساع من التحالفات العسكرية، حوّلت واشنطن هذه الميزة الاقتصادية إلى نظام مؤسسي. وأصبح الدولار العملة الرئيسية للاحتياطيات والتجارة، فيما ضمنت القوة المسلحة الأمريكية طرق التجارة، والموارد، والحكومات المطيعة، والظروف السياسية اللازمة لتراكم رأس المال.
 تغيّر هذا الترتيب بعد أزمات سبعينيات القرن العشرين. فقد أخذ رأس المال الأمريكي ينقل الإنتاج إلى الخارج بوتيرة متزايدة، أولاً إلى مواقع ذات أجور أقل، ثم إلى سلاسل إمداد عالمية معقدة، ولا سيما في شرق آسيا. وتعاظمت قوة التمويل مقارنة بالصناعة التحويلية. وأتاحت وول ستريت والدولار والبنية القانونية لأسواق رأس المال الأمريكية للولايات المتحدة الحفاظ على سلطتها العالمية، حتى مع انتقال القدرة الصناعية إلى أماكن أخرى. غادرت المصانع، لكن الفواتير وخطوط الائتمان وعقود التأمين ومطالبات الملكية الفكرية وأنظمة الدفع بقيت خاضعة لسلطة المؤسسات المتمركزة في نيويورك ولندن وواشنطن.
 وبدا هذا، لبعض الوقت، حلاً بارعاً لمشكلة الربحية. فقد استطاعت الشركات الأمريكية تحقيق الأرباح من الإنتاج منخفض التكلفة في الخارج، وتمكّن المستهلكون الأمريكيون من شراء سلع أرخص، واستطاعت الخزانة الأمريكية تمويل عجوزات هائلة لأن المدخرات العالمية واصلت التدفق إلى الأصول المقوّمة بالدولار. لكن العملية نفسها عززت مراكز إنتاجية جديدة. فلم تبقَ الصين محصورة في التجميع منخفض القيمة. فمن خلال التخطيط، والاستثمار العام، ونقل التكنولوجيا، وبناء البنية التحتية، والسيطرة على القمم القيادية للتمويل، انتقلت إلى الاتصالات، والسكك الحديدية فائقة السرعة، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، والآلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وبذلك أنشأت منظومات صناعية لا تستطيع التعريفات الجمركية وحدها إعادة إنتاجها.
 هذه هي المفارقة التاريخية للعولمة النيوليبرالية: فقد عزز تدويل الإنتاج في البداية قوة الشركات الأمريكية والقوة المالية الأمريكية، لكنه أوجد أيضاً الأساس المادي لتآكل احتكار شمال الأطلسي للإنتاج المتقدم. استطاعت الولايات المتحدة مواصلة تحصيل الريوع من خلال التمويل والتكنولوجيا والعلامات التجارية والملكية الفكرية، لكنها لم تعد قادرة على افتراض أن أكثر القوى الإنتاجية تطوراً ستظل خاضعة لسيطرتها. لذلك، لا يقتصر التحدي الصيني على امتلاك الصين ناتجاً محلياً إجمالياً كبيراً، بل يتمثل في أنها طوّرت القدرة على الإنتاج على نطاق واسع، والابتكار عبر قطاعات صناعية متعددة، وتقديم بنية تحتية وعلاقات تجارية لا تمر بالكامل عبر المراكز الإمبريالية القديمة.
 يدرك ترامب هذه الفجوة بطريقته الخاصة. فهو يستشعر، على نحو صحيح، أن الوعود القديمة للعولمة لم تعد تحظى بالشرعية لدى ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة. فقد عانت مناطق بأكملها من إغلاق المصانع، وتراجع قوة النقابات، وركود الأجور، وإدمان المواد الأفيونية، وانهيار الخدمات العامة، وإذلال التهميش الاجتماعي. لكن ترامب لا يوجّه الاتهام إلى الشركات التي نقلت الإنتاج، ولا إلى المموّلين الذين استفادوا من هذا التدمير. بل يحوّل اللوم إلى الصين والمهاجرين والحكومات الأجنبية والحلفاء الذين يقال إنهم يحتالون على الولايات المتحدة. إنه يأخذ أزمة أنتجها رأس المال ويحوّلها إلى استياء قومي. وهكذا تصبح الجروح الاجتماعية التي خلّفتها النيوليبرالية وقوداً عاطفياً لإمبريالية أكثر عدوانية.


 شعار «أمريكا أولاً» ليس شعاراً انعزالياً!


كثيراً ما يوصف ترامب بأنه انعزالي، لأنه يعادي المؤسسات المتعددة الأطراف، ويزدري التحالفات، ويشكك في الحروب التي لا يستطيع التعبير عن فوائدها بمصطلحات تجارية. وهذا الوصف مضلل. فالانعزالية تعني انكماش الطموحات العسكرية والسياسية الأمريكية. أما ترامب، فيسعى إلى مراجعة الشروط التي تُمارَس بموجبها هذه الطموحات. فهو لا يريد امتيازات أقل للولايات المتحدة، بل قيوداً أقل وتكاليف أدنى. ولا يعارض التحالفات بوصفها أدوات للقوة، بل يعارض التحالفات التي تبدو فيها الدول التابعة وكأنها تمتلك حقوقاً مستقلة عما تقدمه لواشنطن.
 قدّمت الليبرالية المصالح الوطنية الأمريكية على أنها مصالح كونية. وتحدثت باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والأسواق المفتوحة والقانون الدولي، حتى وهي تدعم الانقلابات والاحتلالات والعقوبات والديكتاتوريات. وكان الادعاء أن القيادة الأمريكية توفر المنافع العامة العالمية: الأمن، والنظام النقدي المستقر، والبحار الصالحة للملاحة، والمؤسسات القابلة للتنبؤ. كانت هذه اللغة أيديولوجية على الدوام، لكنها أتاحت للطبقات الحاكمة الحليفة تقديم خضوعها بوصفه مشاركة طوعية في «مجتمع دولي».
 يتخلى ترامب عن جانب كبير من هذه الوساطة. فهو يتعامل مع حلف شمال الأطلسي باعتباره عقداً للحماية، ومع أعضائه باعتبارهم زبائن متأخرين عن السداد. وينظر إلى القواعد العسكرية لا بوصفها بنية تحتية للدفاع المشترك، بل خدمات ينبغي للدول المضيفة أن تدفع ثمنها. ويعتبر المساعدات التنموية هدراً ما لم تشترِ طاعة فورية. ويرى أن الأمم المتحدة مفيدة فقط عندما تصادق على القرارات الأمريكية، وغير شرعية عندما تفرض قيوداً عليها. إن جوهر الهيمنة مستمر، لكن قواعد التعبير عنها تتغير، من القيادة إلى المعاملة التجارية.
 ولا تجعل هذه النزعة التعاقدية الإمبراطورية أقل عنفاً، بل تربط العنف بالاستغلال بصورة أكثر مباشرة. يصبح العالم ساحة للصفقات المدعومة بالتهديد بالحرمان من السوق الأمريكية، أو نظام الدولار، أو التكنولوجيا المتقدمة، أو التعاون الاستخباراتي، أو الحماية العسكرية. وقد يُكافأ الحليف الذي يدفع ويطيع، بينما يُعاقب الحليف الذي يعترض. وقد يُقصف الخصم أو يُفرض الحصار عليه أو تُفرض العقوبات ضده، لكن يمكن أيضاً عرض صفقة عليه إذا اعترف بأولوية الولايات المتحدة. وما يهم ليس الالتزام بعقيدة مستقرة، بل إظهار قدرة واشنطن علناً على فرض شروطها.
 تمنح استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 هذه الرؤية صيغة رسمية. فهي تهاجم النخب الأمريكية السابقة لأنها سمحت للصين بالاستفادة من الأسواق والاستثمارات الأمريكية، وتقدّم الإدارة الثانية لترامب بوصفها استعادة للقوة الوطنية. لكن هذه الاستعادة لا تستطيع إعادة الولايات المتحدة إلى عام 1945. فقد تغيّرت الخريطة الصناعية والسوق العالمية وميزان القوى الإنتاجية. لذلك، يحاول ترامب استخدام سلطة الدولة لفرض نتيجة لم يعد رأس المال الأمريكي قادراً على تحقيقها من خلال المنافسة التجارية العادية. وهكذا تصبح التعريفات الجمركية، وضوابط التصدير، وفحص الاستثمارات، والعقوبات، والضغط العسكري، والمطالبات الإقليمية بدائل عن التفوق الإنتاجي الواسع الذي فُقد.
 ظاهرة ترامب هي قطعٌ مع القديم واستمرار له في آن واحد؛ فالمواجهة الاستراتيجية مع الصين لم تبدأ معه، ولم تختفِ في عهد جو بايدن. لقد تجاوزت ضوابط التصدير والتحالفات العسكرية في آسيا والعقوبات والإعانات الصناعية، الانقسامات الحزبية. لكن ترامب يكثّف هذه الاتجاهات ويجرّدها من طلائها الليبرالي. ولا تكمن خصوصيته في اختراع الإمبريالية الأمريكية، بل في تحويل القلق المتراكم لديها إلى برنامج للإكراه العلني.


 التعريفات الجمركية وإمبريالية الإتاوة


تحتل التعريفات الجمركية موقعاً مركزياً في تصوّر ترامب السياسي، لأنها تبدو وكأنها تحل عدة مشكلات دفعة واحدة. فهي تعد بحماية الصناعة المحلية، ومعاقبة المنافسين الأجانب، وتوليد إيرادات حكومية، وإجبار الاستثمارات على التوجه إلى داخل الولايات المتحدة، وإظهار قدرة الرئيس على إخضاع البلدان الأخرى. ويقدّم ترامب العجز التجاري بوصفه دليلاً على أن الولايات المتحدة تعرضت للنهب، وكأن كل حاوية تصل إلى ميناء أمريكي هي إتاوة تُدفَع في الاتجاه الخاطئ. والتعرفة الجمركية هي أداته لعكس هذا التدفق.
 لكن التعرفات الجمركية في عهد ترامب ليست مجرد أدوات للحماية، بل أدوات للإكراه السياسي. إذ يُتعامل مع الوصول إلى السوق الأمريكية باعتباره امتيازاً يمكن تعليقه ما لم تغيّر دولة أخرى سياستها التجارية، أو ضوابط الهجرة لديها، أو اصطفافها الدبلوماسي، أو علاقتها بالصين، أو موقفها من نزاع إقليمي. وتنبع القوة من استمرار ضخامة الاستهلاك الأمريكي: فحتى مع تراجع الموقع الإنتاجي النسبي للبلاد، تظل وجهة هائلة للسلع ورؤوس الأموال. ويسعى ترامب إلى تحويل هذا التفاوت إلى سلاح.
 ولذلك، تنطوي السياسة على منطق إمبريالي واضح. ففي الحقبة الاستعمارية، أجبرت القوى الإمبريالية الأقاليم الخاضعة لها على فتح أسواقها، والتنازل عن مواردها، وقبول ترتيبات قانونية غير متكافئة. أما في الظروف المعاصرة، فكثيراً ما يصبح الحكم المباشر غير ضروري. إذ يمكن للتهديد بفرض التعريفات الجمركية، أو الاستبعاد من أنظمة الدفع، أو العقوبات الثانوية، أو الحرمان من التكنولوجيا، أن يجبر حكومات تتمتع رسمياً بالسيادة على الامتثال. وتتحول السياسة الاقتصادية إلى وسيلة لفرض الطاعة السياسية.

 


 ويكشف الهجوم على الصين أوسع تجليات هذه الاستراتيجية. فالهدف ليس مجرد تقليص العجز التجاري الثنائي، بل إبطاء التطور التكنولوجي الصيني، وتقييد الوصول إلى أشباه الموصلات والآلات المتقدمة، وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين، وإلزام الحلفاء بالمشاركة في منظومة احتواء. لم تعد واشنطن تثق بأن المنافسة السوقية وحدها كافية للحفاظ على تقدمها التكنولوجي. بل بات عليها الاعتماد على الحظر الإداري، وانضباط التحالفات، والسيطرة على نقاط الاختناق في إنتاج التكنولوجيا. واللغة المستخدمة هي الأمن القومي، لكن الهدف هو منع منظومة إنتاجية منافسة من تحقيق استقلال استراتيجي.
 إن حدود هذه السياسة كبيرة؛ فبوسع التعريفة الجمركية أن ترفع سعر سيارة كهربائية مستوردة، لكنها لا تستطيع بناء شبكات النقل والقوى العاملة المدرّبة ومجموعات الموردين وأنظمة البحث العام والتخطيط طويل الأجل التي جعلت إنتاج السيارة ممكناً، في لحظة واحدة. وقد تنقل المرحلة الأخيرة من التجميع من بلد إلى آخر، بينما تواصل المكونات الصينية المرور عبر سلسلة التوريد. كما يمكن أن تحقق أرباحاً استثنائية للشركات المحمية من دون أن تلزمها باستثمارات إنتاجية. وفوق ذلك كله، يمكن أن تفرض تكاليف أعلى على العمال الأمريكيين الذين لم ترتفع أجورهم بما يتناسب مع تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم والغذاء.
 لذلك، تقع السياسة الصناعية لترامب في تناقض. فهو يحتاج إلى الدولة لأن السوق لا يستطيع استعادة التفوق الإنتاجي الأمريكي، لكن القوى الطبقية التي تقف وراءه تقاوم التخطيط والملكية العامة وإعادة التوزيع والاستثمار الاجتماعي التي تتطلبها إعادة بناء صناعية حقيقية. إن ائتلافه يريد إعانات من دون رقابة عامة، وحماية من دون قوة عاملة منظمة، وإعادة التصنيع من دون تغيير في علاقات الملكية. والنتيجة سياسة صناعية ذات طابع عسكري، تتمحور حول الأسلحة والطاقة الأحفورية والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والمعادن الاستراتيجية، بدلاً من برنامج لتلبية الحاجات الاجتماعية.
 وتعمل العقوبات جنباً إلى جنب مع التعريفات الجمركية بوصفها شكلاً آخر من أشكال الإتاوة. فالدور المستمر للدولار في الاحتياطيات والمدفوعات والديون وتسعير السلع يمنح الولايات المتحدة ولاية تتجاوز حدودها بكثير. ويمكن معاقبة مصرف في بلد ما بسبب معالجته معاملة تشمل بلداً ثالثاً، حتى لو لم تكن هناك أي سلع أمريكية في المعاملة. ويمكن استبعاد دولة من أنظمة الدفع، ومصادرة أصولها الموجودة في الخارج، وعرقلة شحناتها، وحرمان سكانها من الأدوية والواردات الأساسية. وهكذا تتحول القوة المالية إلى قدرة على تحديد البلدان التي يُسمح لها بالمشاركة بصورة طبيعية في الاقتصاد العالمي.

 وتُظهر كوبا وفنزويلا وإيران وغيرها من الدول الخاضعة للعقوبات أن الحرب الاقتصادية ليست بديلاً عن العنف العسكري، بل عنف يُمارَس من خلال النقص، وتعطيل الإنتاج، وتدهور المستشفيات، والتضخم، والهجرة. ثم تُنسب المعاناة إلى الحكومة الخاضعة للعقوبات، بما يتيح لواشنطن تقديم آثار الإكراه على أنها دليل على فشل الدولة المستهدفة. ويكثّف ترامب هذه الممارسة بينما يتحدث عنها بوصفها «سياسة الضغط الأقصى»: وهو اعتراف بأن الغاية هي جعل الحياة الاجتماعية لا تُطاق إلى أن تُقدَّم تنازلات سياسية.
 يمكن تسمية هذا المزيج من التعريفات الجمركية والعقوبات ومدفوعات الحماية بـ«إمبريالية الإتاوة». يسعى ترامب إلى جعل الدول تدفع مقابل الأمن، ومقابل الوصول إلى الأسواق، ومقابل الإعفاء من العقاب، وأن تدفع أيضاً عبر التنازل عن الموارد أو الاستقلال السياسي. والطريقة قائمة على الصفقات، لكن العلاقة ليست صفقة بين متكافئين. فالاتفاق الذي يُعقد تحت ظل مجموعة حاملة طائرات، ونظام الدولار، وأكبر سوق استهلاكية في العالم، يظل فعلاً من أفعال الإكراه.