الوضع الناشئ في محافظة الحسكة، واستعادة خطاب الغالب والمغلوب، والخطاب التعبوي ذي الشحنات الطائفية أو القومية والمناطقية، يؤكد حقيقة مهمة: إن اتفاق الاندماج بين السلطة والإدارة الذاتية، رغم أهميته، يُطبَّق ببطء ويتعثر، ولا يرتقي حتى الآن إلى المستوى المطلوب، الأمر الذي يفتح الباب أمام تصعيد خطير يحاول البعض دفعه إلى مستوى (شارع مقابل شارع).
وقبل أن نطلق الأحكام على هذا الطرف أو ذاك، ونحمّله المسؤولية كاملة، سنحاول تقديم قراءة تحليلية للمشهد نراها ضرورية للوصول إلى استنتاجات غير ما هو سائد من اتهامات متبادلة، وتحديد ما هو مطلوب من كل من لا يزال يعتبر نفسه عاقلاً في هذا المشهد العبثي.
هذا الوضع الخطير لم يهبط من السماء، ولم يأتِ من فراغ، بل له مقدماته وأسبابه.
أولاً: الأسباب المباشرة
1 ـ التلكؤ في عملية الاندماج
بات من الواضح أن هناك قوى لدى الطرفين تعرقل عملية الاندماج، بغض النظر عما إذا كان ذلك ناتجاً عن عمل منظم يتخادم فيه المعرقلون، أو عن خطاب تعبوي ذي شحنات قومية وطائفية، يقوم على منطق الغلبة، وتوهم الانتصار الذي تبنّاه الطرفان خلال سنوات.
2 ـ الغموض الذي يكتنف بنود الاتفاق وتفاصيله
اقتصر الاتفاق، في جانب كبير منه، على مستوى النخب، بينما بقيت تفاصيله غامضة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع. وهذا الغموض يتيح لقوى التخريب هنا وهناك أن تفسر الاتفاق كما يحلو لها، وبما يخدم خطابها ويستفز جمهور الطرف الآخر.
3 ـ المحاصصة في التعيينات
كان من المفترض أن يكون أحد مخرجات الاتفاق تنظيم العلاقة بين الطرفين، لكن اعتماد مبدأ المحاصصة في بعض التعيينات أدى، مع كل تعيين جديد، إلى تعميق الاستقطاب، وكأن المحافظة غنيمة يتسابق عليها أنصار الطرفين، لا مساحة وطنية مشتركة يفترض أن يتقاسم أبناؤها المسؤولية عنها.
ثانياً: الأسباب العامة
لا شك أن ما يجري في الحسكة هو امتداد للأزمة السورية العامة، ومشكلة مشتقة منها. ومعالجة الجانب الجزئي لا يمكن أن تؤمّن حلاً حقيقياً ومستداماً طالما أن المشكلة العامة لم تُحل.
وإذا توقفنا عند ذرائع الطرفين في التصعيد، سنجد أنها صحيحة من حيث المبدأ، لكنها غالباً ما تُستخدم شماعةً لغايات أخرى، ولتغطية تكتيكات سياسية بائسة.
فاستعادة سلطة الدولة وتفعيل مؤسساتها، كما يقول أنصار السلطة، هي فعلاً ضرورة لم تعد تحتمل التأجيل. وفي المقابل، فإن ضمان حقوق الكرد هو أيضاً ضرورة وطنية، بل إحدى مقدمات الوضع الناشئ أصلاً.
لكن السؤال الآن: هل سيؤدي التصعيد الشعبوي المتبادل إلى تأمين هذه وتلك؟
ببساطة، يمكن الجزم: لا.
والدليل هو سنوات الأزمة السورية الطويلة، التي لم تُحل خلالها أي مشكلة حلاً حقيقياً، بل تراكمت المشكلات وتداخلت وتعقدت.
ثم ماذا نقصد باستعادة سلطة الدولة؟
هل المقصود استئثار طرف بالحكم والتفرد به، كما جرى على مستوى البلاد بعد سقوط السلطة البائدة؟ أم أن المقصود هو استعادة مؤسسات الدولة لدورها، وفرض سيادة القانون، وضمان المساواة بين المواطنين؟
وفي المقابل، ماذا نقصد بالحقوق الكردية؟
هل المقصود دفن سياسات التمييز القومي التي مارستها السلطة المدفونة - المأفونة السابقة، وتثبيت حقوق المواطنة الكاملة غير المنقوصة، والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للكرد ضمن إطار وطني ديمقراطي؟
أم أن المقصود هو المغالاة القومية التي تريد القول إن من حق الكرد - أو بالأحرى تيار محدد منهم - الاستئثار بقرار محافظة الحسكة، والتحكم بها؟
اتفاق الاندماج: تسوية أم انتصار؟
كان من المفترض أن يكون اتفاق الاندماج ضامناً لهذه وتلك. لكن الطريقة التي تم بها الاتفاق، والغموض الذي اكتنف بنوده منذ البداية، أدّيا إلى أن يفسر كل طرف الاتفاق كما يحلو له، وبما يرضي قاعدته الجماهيرية.
وكلما توهم طرف أنه انتصر، كان الطرف الآخر يجتر مرارة الهزيمة، ويبحث عن فرصة للرد.
وفي الحقيقة، فإن الاتفاق، في إطاره العام، ليس اتفاق غلبة وانتصار طرف على آخر، بقدر ما هو تسوية وتوافق قام على تنازلات متبادلة، فرضتها ظروف إقليمية ومحلية ناشئة، ناهيك عن تقاطعها مع الحاجات الوطنية قبل أي اعتبار.
ولهذا فإن تحويل الاتفاق إلى معركة لإثبات من انتصر ومن انهزم لن يقود إلّا إلى المزيد من الاحتقان، ودفع أبناء المحافظة إلى الوقوف شارعاً مقابل شارع، وربما إلى مواجهة لا رابح فيها، بل الجميع حكماً خاسرون ومعهم البلاد بأَسرها.
ويبقى أن نشير إلى أنّ هذا الموقف من الطرفين ليس وسطية بالمعنى الانتهازي، كما يفسره البعض، بل هو في جوهره انحياز حقيقي إلى السوريين،كل السوريين من دون النظر إليهم كجماعات وأقوام وطوائف متصارعة، بل كشعب سوري واحد، له مصالح مشتركة، رغم تنوعه القومي والديني والطائفي، وذلك على أساس ما نراه أولوياتٍ سورية ثابتة ويتحدد الموقف من كل القوى على أساس موقف هذه القوى من هذه الثوابت، وهو التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل من خلال حوار عام يشارك فيه كل السوريين.
المطلوب ليس انتصار طرف على آخر، بل منع الهزيمة المشتركة.
من يحاول استعادة وضع محافظة الحسكة وعموم سوريا إلى 2011 من جهة احتكار السلطة هو واهم، ومن يحاول الاستفراد بقرار محافظة الحسكة وفرض النموذج الذي يريد تحت ستار الحقوق الكردية هو أيضاً واهم.