إشكاليات الملكية والإصلاح الزراعي - محافظة الحسكة نموذجاً
الحسكة- مراسل قاسيون
يدور منذ سنوات جدل قديم-متجدد حول الإشكاليات التي رافقت تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي في سورية عموماً، وفي محافظة الحسكة على وجه الخصوص. ويمكن ملاحظة هذا الجدل في مسارين رئيسين:
الأول، الدعوة إلى إلغاء قوانين الإصلاح الزراعي باعتبارها من «تركة النظام السابق»، والقول إنها صادرت ملكيات خاصة بصورة غير مشروعة، من خلال قوانين تتعارض مع حق الملكية في الدين الحنيف.
والثاني، وهو الأكثر حضوراً في النقاش المتعلق بمحافظة الحسكة، اعتبار الإصلاح الزراعي نفسه أداةً للتغيير الديمغرافي واستهداف الكرد، وربطه مباشرة بمشروع إسكان عرب الغمر الذين غمرت مياه سد الفرات أراضيهم، في أراضٍ تعود (ملكيتها إلى ملاكين كرد).
تكمن المشكلة الأساسية هنا في الخلط بين قضيتين تاريخيتين مختلفتين، وإن تداخلتا لاحقاً في بعض النتائج، سواء كان هذا الخلط لغايات منفعية انتهازية من قبل البعض، أو من باب السذاجة وعدم الاطلاع من بعض آخر.
أولاً: الإصلاح الزراعي ليس مجرد نزع للملكية
إن اختزال الإصلاح الزراعي في كونه عملية نزع للملكية يطرح قبل أي شيء، سؤالاً أعمق: ما طبيعة الملكية الزراعية التي جرى إصلاحها أصلاً؟
إن جزءاً كبير من الملكيات الكبيرة - المقصودة في هذه المقالة - في الجزيرة السورية تشكل خلال العهدين العثماني والفرنسي، في سياق منح الأراضي والامتيازات لكبار العائلات والزعامات المحلية ليس كأفراد، بل باعتبارهم يمثلون جماعة بشرية هي عشيرة أو تحالف عشائري، أو موظفون في الإدارة العثمانية، أو الفرنسية. كل ذلك بهدف تثبيت النفوذ وتأمين الولاء وتوفير حوامل اجتماعية للسلطة. وكانت نسبة كبيرة من هذه الأراضي في الأصل أراض مشاع ومراع لقطعان العشائر، ثم تحولت بفعل التطورات السياسية والإدارية والاجتماعية إلى ملكيات حصرية بهدف تعزيز مكانة الشيخ أو الآغا أو الوجهاء وتأمين ولائهم، ولا يوجد سند قانوني حقيقي للملكية الفردية هنا سوى قانون الأمر الواقع الذي فرضه النفوذ العائلي وميزان القوة المستمد من مستوى العلاقة مع السلطات في حينه، ووجود استثناءات هنا لا يلغي هذه القاعدة العامة.
ومع انتقال الريف تدريجياً من نمط الإنتاج الرعوي وشبه الرعوي إلى الزراعة، ونشوء القرى، وانحسار الصراع على المراعي، ثم دخول الآلة الزراعية الحديثة في ميدان الإنتاج وزيادة ريع الأرض، كان من الطبيعي أن تتغير العلاقة بين هؤلاء الملاك والفلاحين تغيراً جذرياً. فلم يعد أبناء العشيرة مرتبطين بالأرض بوصفهم أفراداً في جماعة عشائرية، بل تحول كثير منهم إلى أجراء وفلاحين يعملون في أرض (يملكها) آخرون.
ثانياً: هل الإصلاح الزراعي فكرة عبد الناصر والبعث؟
ضمن السياق الآنف الذكر، تعمق الانقسام الاجتماعي والطبقي في الريف، وبدأت المطالبة بإعادة توزيع الأرض قبل ولادة الحركة القومية العربية بجناحيها الناصري والبعثي، وقبل أن يصبح الإصلاح الزراعي جزءاً من خطاب السلطة؛ إذ شهدت سورية في نهاية النصف الأول من القرن العشرين تشكل الحركة الفلاحية كقوة اجتماعية لها مصالحها ومطالبها المستقلة عن الانتماء العشائري والطائفي والديني.
وتشير الوثائق التاريخية على سبيل المثال لا الحصر: إلى أن أول جمعية فلاحية تأسست في دير عطية عام 1943 وأن أول مؤتمر فلاحي عام عقد في حلب عام 1951 من القرن الماضي - ومؤتمر فلاحي في صافيتا عام 1954، الذي حضره مندوبون عن نحو 150 قرية - ومؤتمر فلاحي في الجزيرة عام 1952 يمثل 2500 فلاح كل ذلك قبل الوصول إلى مرحلة التشريع الرسمي للإصلاح الزراعي أعوام 58 - 59 التي أصبحت لاحقاً محوراً أساسياً في إعادة توزيع الملكية الزراعية الذي جرى في سياق تطور سياسي عاصف أدى إلى ارتفاع وزن تنظيمات وأحزاب سياسية عبّرت بدرجات مختلفة عن مصالح الفلاحين، في حين كانت أحزاب أخرى تعبر عن مصالح الملاك والإقطاع.
وعليه، فإن الزعم بأن الإصلاح الزراعي كان مجرد «فكرة شريرة» ابتكرها عبد الناصر أو البعث، أو أنه مجرد (بقايا للاشتراكية)، هو زعمٌ يتجاهل السياق التاريخي الأوسع، والتفاعلات الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية في عموم سورية، عدا عن أن نظام الحكم في سوريا لم يصبح اشتراكياً على الإطلاق، ناهيك عن أن فكرة الإصلاح الزراعي بحد ذاتها ليست من مخرجات الفكر الاشتراكي؛ فالفكرة تبلورت تاريخياً في سياق الصراع بين البرجوازية الصاعدة والإقطاع بعد الثورات الأوربية.
وباختصار، كان الإصلاح الزراعي، قبل أن يكون قراراً سياسياً، نتيجةً لانقسام اجتماعي عميق داخل الريف. أما السلطات والقوى السياسية، فقد دخلت على خط هذا الصراع - مع أو ضد - كلٌّ منها وفق تركيبته الاجتماعية ومصالح الفئات التي يمثلها.
ثالثاً: خصائص العملية في محافظة الحسكة
ينطبق هذا السياق العام على محافظة الحسكة أيضاً؛ فقد شهدت الجزيرة هبّات واحتجاجات فلاحية ومواجهات مع كبار الملاكين قبل عبد الناصر وقبل وصول البعث إلى السلطة على سلم المشروع القومي، وفي عشرات القرى شاب العلاقة بين بعض الملاكين والفلاحين توترٌ وصل في حالات كثيرة إلى الطرد من القرى والإذلال وانتهاك الكرامة والاعتقال، وصولاً إلى القتل وكل ذلك تم بالتواطؤ مع السلطات أو بغض نظرها عنه؛ أي أن الصراع كان صراعاً اجتماعياً وطبقياً.
وكما أسلفنا، فإن أول معركة موثقة حول توزيع الأرض كانت عام 1943، وأول مؤتمر فلاحي في الحسكة عقد في النصف الأول من الخمسينيات، شارك فيه فلاحون من مختلف الانتماءات، وكان من قرارات المؤتمر: (توزيع أراضي كبار الملاكين/الإقطاعيين على الفلاحين، توزيع أراضي الدولة، إلغاء السخرة، الدفاع عن حقوق الفلاحين، إنشاء إطار تنظيمي للفلاحين).
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اتخذ خطاب توزيع الأرض طابعاً شعبياً عبر عنه الأدب الشفاهي من خلال قصص وأغاني شعبية أشهرها (أغنية زعيم سلو) التي ما زالت تردد في أعراس الحسكة، وتعتبر مقاربة نقدية حادة ضد السلطة المتواطئة مع الإقطاع، وتناول الأدب بمختلف فروعه موضوع الظلم الاجتماعي ووضع الفلاحين، ويأتي ديوان - ثورة آزادي - الصادر عام 1954 للشاعر الكبير جكرخوين كدعوة صريحة للفلاحين والعمال للانتفاض ضد المظالم، مع نقد صارخ لحالة الخنوع والاستسلام وتواطؤ بعض رجال الدين مع البكاوات والإقطاع.
الوقائع كما هي...
تشير الوقائع إلى أن كبار الملاكين الذين شملهم الإصلاح الزراعي كانوا كرداً وعرباً وسرياناً، ومن هنا فإن تقزيم تاريخ الإصلاح الزراعي والنظر إليه من خلال مشكلة المغمورين، يسقط منه طبقة كاملة من الحقيقة الاجتماعية والتاريخية... لماذا؟
أولاً: الصراع بين كبار الملاكين الكرد وفلاحيهم، سبقت تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي وسبقت استقدام الغمر، وهناك عشرات الوقائع والحوادث حول ممارسات بعض الإقطاعيين وأزلامهم ضد أبناء جلدتهم من الفلاحين الكرد.
ثانياً: قوانين الإصلاح الزراعي لم تشمل ملكيات الملاكين الكرد فقط، بل الملاكين العرب والسريان وغيرهم، وليس صحيحاً أن كل الأراضي التي منحت للغمر هي أراض لملاكين كرد بل هناك حالات غير قليلة تقول غير ذلك.
ثالثاً: توحد الفلاحون العرب والكرد والسريان في العديد من المواجهات ضد الإقطاع، وفي القرى التي حدثت فيها مواجهات بقيت الأرض بيد الفلاحين الكرد بمن فيهم قسم من المجردين من الجنسية ومكتومي القيد... هذه الوقائع مهما خالفت السردية المتداولة، فهي ضرورية لفهم التاريخ بعيداً عن الانتقائية القومية.
رابعاً: إن عملية الاستيلاء على قسم كبير من أراضي الملاكين وتحولها إلى (أملاك دولة) سبقت قدوم فلاحي الغمر بسنوات طويلة. والإصرار على خلط هذه الوقائع واستخدام بعضها بشكل انتقائي، هو ببساطة، دسٌ للسم في العسل.
ومن هنا تبدو محاولات بعض الورثة السياسيين أو الاجتماعيين للملكية القديمة إعادة تقديم قضية الإصلاح الزراعي باعتبارها مجرد قضية «أراضٍ كردية مغتصبة»، بحاجة إلى تدقيق شديد. فاستدعاء الانتماء القومي للملاك أو للفلاحين لا يغير من طبيعة الصراع الأصلي، وعلى ما يبدو هي أداة لمنح مطالب إلغاء قانون الإصلاح الزراعي زخماً جماهيرياً.
والأمر نفسه ينطبق على الوضع في عموم سورية، حيث يلجأ بعض ملاك الأراضي إلى الاستقواء بالدين أو الطائفة أو المكانة الاجتماعية لتبرير مطالبهم التاريخية، أو من خلال الخلط الملتبس بين ملابسات قوانين الاستملاك الظالمة في دمشق وقوانين الإصلاح الزراعي على مستوى البلاد.
إن تحويل قضية ملكية الأرض إلى قضية هوية، أياً كان شكل الهوية المستدعاة، قد يحجب جوهر المسألة: من كان يملك الأرض؟ وبتعب وعرق من تم استصلاحها، وكيف تشكلت تلك الملكية؟ ومن كان يعمل فيها؟ ومن استفاد منها؟
ثالثاً: التمييز القومي وقضية الإصلاح الزراعي.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في واقع الجزيرة.
إن الإصلاح الزراعي قضية مستقلة بذاتها، أما التشوهات العديدة التي رافقت توزيع قسم من الأراضي، ولا سيما قضية عرب الغمر، هي قضية أخرى ينبغي دراستها في سياق تشوهات نموذج الدولة الوطنية، ومنها الجموح القومي السلطوي والتمييز الذي مارسته سلطات سورية متعاقبة تجاه المواطنين الكرد.
ما جرى في بعض المراحل، ولا سيما في سياق سياسات السلطات المتعاقبة تجاه المسألة الكردية، تداخل فيه الإصلاح الزراعي مع ممارسات تمييزية أخرى، من بينها الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وغيره من سياسات ومشاريع ذات طابع تمييزي، في سياق مشروع سيئ الذكر محمد طلب هلال، الشوفيني التخريبي.
كان الموقف الأكثر عدلاً ومنطقية في حينه، وفق المنظور الديمقراطي والوطني، أن تُعطى الأولوية في توزيع الأراضي الزراعية لأبناء القرى الذين كانوا يعملون فيها ويعيشون فيها، بصرف النظر عن قوميتهم. وفي حال وجود ما يزيد عن حقوق هؤلاء لا بأس في إعادة توطين أي مواطن سوري تعرض للضرر، إذا تم ذلك وفق قواعد عادلة وشفافة تحفظ حقوق جميع السكان سواء كانوا مهجَّرين أم غير مهجَّرين. ولكن مع الأسف لم يسمح توازن القوى بتحويل هذا الموقف إلى واقع.
إن الخلط بين الإصلاح الزراعي ومشروع إسكان عرب الغمر خطأ تاريخي ومنهجي، سواء صدر عن خطاب قومي كردي يريد تحويل كل عملية الإصلاح الزراعي إلى عملية استهداف للكرد، أو عن خطاب قومي عربي يتجاهل أو يبرر الطابع التمييزي لسياسات السلطات المتعاقبة، ولكن بكل الأحوال لا ينبغي تحميل فلاحي الغمر المسؤولية، فالمسؤولية هي مسؤولية السلطة في حينه. الإصلاح الزراعي من حيث المبدأ لم يكن مشروعاً تمييزاً بالمعنى القومي بل شمل ملاكين من أغلب المناطق السورية.
ليس من الإنصاف اليوم تحويل كبار الملاكين الكرد إلى ضحايا قوميين لمجرد أن الدولة صادرت جزءاً من «أملاكهم» وليس من الإنصاف أيضاً تجاهل التشوهات التي رافقت تطبيق الإصلاح الزراعي، ولا إنكار المظالم التي تعرض لها قسم كبير من الفلاحين الكرد، التاريخ وحقائقه أكثر تعقيداً من ذلك.
فالإصلاح الزراعي كان في جوهره، استجابة لصراع اجتماعي وطبقي حول الأرض، وسياسات التمييز القومي كانت مساراً آخر، ومشكلة عرب الغمر قضية ثالثة نشأت في سياق محدد. وقد تداخلت هذه المسارات لاحقاً، لكنها لم تكن شيئاً واحداً منذ البداية.
ولهذا، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نقرأ الوقائع كما حدثت، لا كما يرغب هذا وذاك، وأن نؤكد على حقوق الفلاحين الكرد والعرب والسريان وغيرهم، وألا نحوِّل المظالم القومية إلى ذريعة لاستعادة امتيازات طبقية مضت وانتهى زمنها.

ما الحل؟
الإصلاح الزراعي على مستوى البلاد أدّى في حينه إلى دخول ملايين السوريين إلى ميدان العمل والإنتاج، ما أحدث تطوراً هائلاً للقوى المنتجة انعكس لاحقاً على وجود ملايين الكفاءات السورية التي رفدت سوق العمل بالمهندسين والأطباء والفنيين والحقوقيين... ولولا التراجع التدريجي للسلطة البائدة في دعم القطاع الزراعي لكان الريف السوري الآن في مرحلة نوعية أخرى باتجاه الاستثمارات الجماعية الكبرى وكانت رافداً تنموياً أساسياً للاقتصاد الوطني.
وعليه ينبغي ألا يتم استغلال القضية وتحويلها أداةً لتعميق التجاذب القومي، كما تسعى جهات عديدة على ما يبدو، بل السعي إلى حلها حلاً ديمقراطياً حقيقياً وعادلاً.
المطلوب اليوم، تشكيل لجنة قانونية مختصة تستمع إلى كل الفلاحين وتجمع الوقائع الميدانية، وتنصف المتضررين، وتحل المشكلة دون أية ممارسات تمييزية مسبقة ضد أي طرف كان، وعدم اعتبار المشكلة بين فلاح كردي وآخر عربي، بل المشكلة سياسية تتحمل مسؤوليتها السلطات المتعاقبة.
بقي أن نؤكد هنا أن الموقف من الإقطاع، هو موقف من بنية اقتصادية اجتماعية تاريخية وقيميّة - وهي تحديداً طبقة كبار الملاكين - وليس موقفاً من عائلات وأفراد بحد ذاتهم؛ فالمشكلة ليست مع أشخاص بل مع البنية ذاتها بغض النظر عن الأسماء.
خبر صحفي
استمراراً لاجتماعهم السابق، اجتمع في دمشق، اليوم الخميس، 1 تشرين الأول 2026، ممثلون عن كل من: حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري الموحد، الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، الحزب اليساري الكردي، وحزب الإرادة الشعبية.
تابع المجتمعون النقاشات حول القضايا الراهنة، وحول آفاق التعاون والعمل المشترك، وتم تبادل بعض الأوراق السياسية الأولية باتجاه إنضاجها في ورقة مشتركة تصدر عن المجتمعين في اجتماعاتهم اللاحقة. كما قرر المجتمعون استمرار اجتماعاتهم بشكل دوري ومنتظم.