تواصل الحركة الشعبية الاحتجاجية في سورية تصاعدها أسبوعاً وراء أسبوع، ويوماً وراء يوم، وتحمل مجموعة من السمات الإيجابية الواضحة، وفي مقدمتها:
أولاً: أنها حركة سلمية تعلمت من دروس الماضي، ولذلك فهي ترفض العنف بكل أشكاله رفضاً حاسماً وقاطعاً.
ثانياً: أنها حركة ذات أساس طبقي واضح؛ فهي حركة تمثل آلام وآمال 90% من السوريين (الذين تحت)، أي المفقرين المنهوبين «المعترين»، في مواجهة الناهبين والحرامية، سواء منهم القديم الذي غير ثوبه أو المستجد الذي بدأ يتدرج في سلك النهب.
ثالثاً: ولأنها حركة «المعترين»، فهي بطبيعتها عابرة للقوميات والأديان والطوائف؛ فهي ترى بتجربتها الملموسة أن الناهبين أيضاً عابرون للقوميات والأديان والطوائف، وأن من مصلحة الناهبين أن يضرب الفقراء بعضهم بعضاً، لينشغلوا بذلك عمن ينهبهم جميعاً بكل مكوناتهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية.
رابعاً: من يحتك بحركة المحتجين بشكل مباشر، ينتبه إلى اليقظة العالية بين صفوفهم مقارنة بما كان عليه الوضع في 2011؛ في 2011 كان يمكن لأي شخص أن يقدم نفسه «ممثلاً» للناس، وأن ينصب نفسه «قائداً» عليهم، بمجرد أن يقول بضع شعارات على الإعلام، وكان الناس يقبلون تلك القيادة انطلاقاً من حسن النية، ومن ضعف الخبرة والتجربة السياسية في حينه. اليوم، الأمر مختلف تماماً؛ فالمحتجون يختارون بعناية شديدة من يتحدث باسمهم، ويمتلكون حساسية شديدة لأي تدخل من خارج صفوفهم، سواء كان التدخل من دول أو قوى أو أفراد، وهذا مؤشر على درجة وعي مهمة أنتجتها التجربة المريرة السابقة.
خامساً: السمة العامة في الشعارات المرفوعة أنها عقلانية وموزونة، دون قفز في الهواء، ومع تركيز واضح ومدروس على الشعار الاقتصادي المطلبي الذي يجمع «المعترين»... ما يعني أن التطور الطبيعي لانتظام الناس للدفاع عن مصالحها يجري بشكله الصحيح والتدريجي.
سادساً: تضع الحركة الشعبية يدها يوماً وراء يوم على الوحدة العضوية بين الفساد الكبير والخيانة الوطنية؛ فالفاسد الكبير (سواء القديم أو المستجد) هو بالضرورة نقطة ارتباط مع عدو خارجي، (وقد باتت هنالك أمثلة ملموسة على ذلك)... ما يعني أن المعركة ضد «الحرامية» هي في الوقت نفسه معركة وطنية، وهي أيضاً معركة ديمقراطية حول الحريات السياسية، أي قدرة الناس على تمثيل مصالحها وعلى تقرير مصيرها في القضايا الكبرى، بما في ذلك شكل الدولة والدستور وإلخ.
إن صعود الحركة الشعبية ليس خطاً مستقيماً، بل هو منحن متعرج، يصعد حيناً ويهبط حيناً، ولكن ميله العام هو الصعود المستمر، من حيث الكم والامتداد الجغرافي ودرجة الوعي والتنظيم، وأشكال الاحتجاج وأنواعها والإبداعات الجديدة التي تأتي بها.
وهي حركة شريفة تدافع عن مصالح الناس الاقتصادية المعيشية، وعن مصالح البلد وسيادته في آن معاً، ولذلك فإن من واجب كل القوى الوطنية النظيفة، أياً يكن موقعها الحالي من الطيف السياسي، وأياً تكن الطرابيش الأيديولوجية التي ترتديها، أن تقف إلى جانب حركة الناس، إلى جانب المنهوبين، وفي وجه الناهبين والحرامية، لأن حركة الناس هذه هي النقطة المضيئة التي يمكن البناء عليها لإعادة توحيد البلاد، وللخروج بها من الأزمة العميقة والشاملة التي تعيشها، نحو سورية جديدة حقاً وفعلاً؛ سورية العدل الاجتماعي، وكرامة الإنسان!