Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1296: القوة الكامنة للوطنية السورية!

 |  قاسيون  |  سياسة

تعرضت الهوية الوطنية السورية خلال سنوات الحرب- وقبلها خلال عقود الفساد والمتاجرة بالشعارات- لقدرٍ كبير من الإساءة والتشويه والتخريب.

 

وبالتوازي، عملت قوى خارجية، على رأسها «إسرائيل»، بكل الوسائل المتاحة، لضرب تلك الهوية وإنهائها.
ورغم أن عمر الدولة السورية بشكلها الحديث يمتد لما يزيد قليلاً عن مئة عام، إلا أن الهوية السورية بوصفها انتماءً لهذه الأرض ولثقافتها ولتاريخها، هي أكثر عمقاً وتجذراً، وهي عابرةٌ للسلطات المختلفة التي تعاقبت وستتعاقب على حكم البلاد.
الجيل الذي يمكن تسميته اصطلاحاً بالجيل المؤسس للدولة السورية الحديثة، ونقصد به قادة الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي: من يوسف العظمة إلى سلطان باشا الأطرش إلى صالح العلي وإبراهيم هنانو ورفاقهم، كانوا يمتازون بجملة من الميزات النوعية التي سمحت لهم بوضع أساس متين للدولة السورية، ما يزال قائماً حتى الآن رغم كل الضربات التي تلقاها.
فالآباء الأوائل، وإلى جانب أنهم تجاوزوا انتماءاتهم الفرعية الدينية والطائفية والقومية لمصلحة انتماء سوري شامل، كانوا يتحلون بقدرٍ عالٍ من الزهد؛ فمن بقي منهم حياً بعد الاستقلال، لم يسع وراء مالٍ ولا وراء مناصب، وهذه وتلك... كانت في متناول أيديهم وبأبسط السبل. ولم يسعوا أيضاً لجاهٍ أو سلطة، ولم يعتبروا نفسهم بداية التاريخ، بل اعترفوا بدور من سبقهم، واعتبروا أنفسهم استمراراً لمن سبقهم.
السلطات التي تعاقبت على البلاد بعد ذلك، كانت تعتبر دائماً أن التاريخ يبدأ من عندها، على طريقة بشار الأسد وسلطته بتسمية حافظ الأسد بـ«القائد المؤسس». والسلطات التي تعاقبت على البلاد، بعد الاستقلال، بمعظمها، كانت تنظر إلى الخارج وطلباته ورضاه، ولا تعير أدنى اهتمام للداخل.
كل ذلك، ومعه عملية التدمير الممنهجة للدور الاجتماعي لجهاز الدولة، وتوزيع الثروة الجائر، ومظاهر البطر والرفاهية لدى القلة الحاكمة (المنتمية لكل القوميات والأديان والطوائف)، بمقابل الفقر والعوز لدى الأكثرية المحكومة (المنتمية لكل القوميات والأديان والطوائف)، أساء للهوية الوطنية، وللانتماء الوطني، وكاد يقتلها بشكل كامل عبر أنهار الدماء وتكريس تقسيمات الأمر الواقع.
رغم أن حفلاً فنياً يجري في دمشق، هو مجرد حدث عابر لا يمكن البناء عليه بحالٍ من الأحوال، ورغم أن هنالك من يريد توظيفه سياسياً لخدمة السلطة، ومن يريد توظيفه ضدها أيضاً، إلا أن طريقة تفاعل السوريين مع حفل الفنانة أصالة، ينبغي فهمها كمؤشر على طاقة كامنة كبيرة، وعلى حنين لدى السوريين لانتماء جامع يوحد بينهم كإخوة متحابين متعاونين، وليس كأعداء متقاتلين متحاربين يكرهون بعضهم بعضاً.
تحرير هذه الطاقة الكامنة، وتحويلها إلى قوة بناء وازدهار، يتطلب اشتراكاً حقيقياً للسوريين في صناعة مستقبلهم، يتطلب وجود حلم سوري مشترك عابر للسلطات والحكومات... ونقطة البدء الأولى في صياغة الحلم هي مؤتمر وطني عام جامع وشامل، على مثال الجمعية التأسيسية لعام 1919، يعيد ترميم الهوية السورية وينقلها نحو مرحلة جديدة، ويضع الأساس للبناء الاقتصادي والسياسي لسورية جديدة حقاً وفعلاً، سورية بنظام جديد...بوصلته هي: العدل الاجتماعي، وكرامة الإنسان أولاً، وقبل كل شيء!

 

RSS   افتتاحية قاسيون   الاحتلال الصهيوني   سورية