Skip to main content

قراءة في تصريحات نتنياهو وكاتس من على جبل الشيخ...

 |  مركز دراسات قاسيون  |  سياسة

يوم الأربعاء الماضي، 9 أيلول، قام نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال، ومعه وزير دفاعه، بتصريحات استعراضية واستفزازية من داخل الأراضي السورية المحتلة بعد 8/12/2024، من على قمةٍ من قمم جبل الشيخ...

مضمون التصريحات


في تصريحاته، قال نتنياهو «نحن نسيطر على كامل المنطقة من قمة جبل الشيخ إلى اليرموك، ومن هنا إلى البحر المتوسط؛ سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل»، وأضاف: «لن نسمح لأي جيش إرهابي بأن يرسّخ وجوده على حدودنا». وبما يخص إيران، قال: «من هذه القمم، لا يزال هناك عمل ينبغي القيام به؛ والمهمة الأساسية هي هزيمة النظام الإرهابي في إيران. نحن قريبون جداً من ذلك. ونعلم أن المحور بأكمله سينهار في نهاية المطاف».
أما كاتس، فقد كانت التصريحات التي أطلقها أكثر مباشرة بما يخص سورية، حيث قال: «نحن نوجّه رسالة قوية وواضحة جداً إلى رئيس سورية، الجالس على بُعد 35 كيلومتراً من هنا في قصره بدمشق: نحن هنا في جبل الشيخ، نحن في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا»، وأضاف: «...من أجل الدفاع في مواجهة التهديدات الصادرة عن أي عنصر جهادي على هذا الجانب من الحدود وداخل سورية نفسها».


طبقات القراءة


القراءة الأبسط لتصريحات نتنياهو-كاتس من على جبل الشيخ، يمكنها أن تتمحور حول أن «الإسرائيلي» بشكل عام، ونتنياهو وفريقه السياسي بشكل خاص، يقوم باستعراض سياسي للقوة والهيمنة، كجزء من التحضير للانتخابات التي قد تحسم مصيره في 27 تشرين الأول القادم، أي بعد نحو شهر ونصف... وهي قراءة لا تخلو من بعض الوجاهة بطبيعة الحال، ولكنها تبقى قاصرة ما لم توضع الأمور في سياقها الموضوعي المتعدد الطبقات، من الدولي إلى الإقليمي ثم المحلي، السوري من جهة، و«الإسرائيلي» من جهة أخرى.
سنقسم القراءة إلى الطبقات الآتية:
أولاً، السياق الدولي - أمريكا
ثانياً، السياق الدولي - أوروبا
ثالثاً، السياق الدولي - الجنوب الصاعد
رابعاً، السياق الإقليمي - حرب إيران
خامساً، السياق الإقليمي - اتفاق مكة
سادساً، السياق المحلي السوري


أولاً: السياق الدولي - أمريكا


الانقسام ضمن النخب المالية الغربية حول وظيفة «إسرائيل» ومستقبلها، لم يعد شأناً نظرياً بحتاً، بل بات صراعاً ملموساً يجد تعبيراته المعلنة الواضحة، أكثر فأكثر.
في الداخل الأمريكي، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي (3 تشرين الثاني)، ولأول مرة في التاريخ الأمريكي، وخاصة بعد الحرب مع إيران، أصبح الموقف من الصهيونية ومن آيباك (AIPAC)، عاملاً مهماً في الفرز الداخلي، بحيث بات الإعلان عن رفض أي تمويل من آيباك، ورقة رابحة يلجأ إليها عدد متزايد من المرشحين.
تفسر استطلاعات الرأي العام في الشارع الأمريكي، جانباً من الانقسام الحاصل؛ على سبيل المثال، أظهرت استطلاعات Pew Research Center  ومؤسسة Ipsos في شهر آب، أن نحو 58% إلى 61% من الأمريكيين يرفضون الحرب على إيران، ويعتبرون قرار التدخل العسكري خاطئاً... وربطاً بالدور «الإسرائيلي»، فقد كشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة IMEU Policy Project  أن 56% من الناخبين الأمريكيين يعتقدون أن الحرب ضد إيران تفيد «إسرائيل» أكثر مما تفيد الولايات المتحدة.
يضاف إلى ذلك ارتفاع نسبة تأييد الفلسطينيين والقضية الفلسطينية بشكل غير مسبوق تاريخياً ضمن الشارع الأمريكي؛ حيث أظهر استطلاع Gallup أن 53% من الشباب الأمريكيين (الفئة العمرية 18-34 عاماً) يعبرون عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 23% فقط يتعاطفون مع «الإسرائيليين».
وإذا كانت استطلاعات الرأي العام، والأوضاع الاقتصادية والمعاشية المباشرة للغالبية العظمى من الأمريكيين، تفسر الميل المتصاعد للموقف الناقد لـ«إسرائيل» داخل الولايات المتحدة، فإن التوازنات الدولية الكبرى، والتناقض بين المشاريع الكبرى للنخب المالية العالمية، تلعب دوراً أساسياً في تكريس هذا الميل.
جوهر المسألة يتلخص في أن الغرب ككل، والولايات المتحدة كمركز له، يعيش تراجعاً عاماً بالمعنى التاريخي، أساسه تراجع اقتصادي، ومن ثم تكنولوجي وعسكري وسياسي، بمقابل صعود مطَّرد لبلدان «الجنوب العالمي» وعلى رأسها الصين.
الاختلال الكبير في ميزان القوى بالمعنى الدولي ببعده الاقتصادي، لم يحصل بعد على ترجماته المناسبة بالمعنى المالي والسياسي، ولكنه يقترب من تحقيق هذه الترجمة، وهذا ما يدفع النخب الغربية إلى حركة نشطة لمحاولة منع هذه الترجمة.
الترجمة المقصودة، تتضمن فيما تتضمن، إنهاء المنظومة المالية الدولارية بوصفها المنظومة المسيطرة عالمياً، وإنهاء البترودولار بوصفه أحد الأسس المهمة لتلك المنظومة، وصولاً إلى إنهاء عمليات التبادل اللامتكافئ بالمعنى الاقتصادي على المستوى الكوني ككل، وتالياً صياغة منظومة علاقات دولية جديدة تنطلق من فكرة «الأمن الجماعي» بمقابل «الأمن المطلق»، و«الرخاء والتنمية الاقتصادية» بمقابل «الهيمنة الاقتصادية لشمال غني على حساب جنوب فقير».
في إطار الصراع بين النخب المالية الغربية، يظهر تياران أساسيان، الأول هو تيار «إسرائيل العظمى» (يسميه بعض الباحثين باسم التيار الفوق عولمي Ultra globalist) الذي يرى أن الولايات المتحدة، وأياً تكن نتيجة الصراع الدولي الجاري، لم تعد صالحة ولا قادرة على أن تكون مركزاً لرأس المال المالي العالمي، ولذا ينبغي التضحية بها والبحث عن مركز بديل، وهذا المركز هو بالذات «إسرائيل العظمى» التي ينبغي أن ترث الإمبراطورية من جهة، وأن توقف الصعود الصيني الروسي، وصعود الشرق عموماً، عبر التمركز في قلب «الحزام والطريق» و«الأوراسي» و«شمال جنوب».
التيار الثاني، ويسميه بعض الباحثين بالتيار العولمي التقليدي، والذي ما يزال مصراً على دور الولايات المتحدة، ويرى ضرورة انكفاء نسبي ومؤقت عن دورها العالمي الشامل، مع الحفاظ على هيمنتها في النصف الغربي، وعلى بعض نقاط التأثير الأساسية حول العالم، إلى حين استعادة القاعدة الصناعية في الداخل الأمريكي.
الصراع بين هذين التيارين يزداد شراسة يوماً وراء يوم، ويعبر عن نفسه ليس في الولايات المتحدة فقط، بل وأيضاً في أوروبا وفي «إسرائيل» نفسها، وبأشكال متعددة...


ثانياً: السياق الدولي- أوروبا


قبل يوم واحد من تصريحات نتنياهو من جبل الشيخ، أصدرت الحكومة البريطانية بياناً مشتركاً مع 11 دولة أخرى هي: (فرنسا، الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، أيرلندا، النرويج، بولندا، البرتغال، إسبانيا، السويد، وكندا). البيان أقر «فرض قيود وطنية على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي، أو دعم فرض قيود أوروبية جماعية بهذا الشأن» إضافة إلى مجموعة من المطالبات بوقف الاستيطان، ووقف اعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين، ووقف تقويض «حل الدولتين».
أهمية البيان المشترك ليست في إجراءاته العملية، لأنها ما تزال متواضعة جداً، ولن تشكل أي ضغط حقيقي على «إسرائيل»، ولكن أهميته الفعلية هي في رمزيته السياسية التي تشير إلى ما يمكن أن تتجه إليه الأمور خلال الأشهر والسنوات القادمة على صعيد العلاقة بين الدول الأوروبية و«إسرائيل».
أفضل من يفهم معنى هذا البيان هم «الإسرائيليون» أنفسهم، والذين جاءت ردة فعلهم غير متناسبة على الإطلاق مع الإجراءات المحدودة التي يتضمنها البيان، ولكنها في الوقت نفسه، ردة فعل مناسبة لما وراء البيان وما بعده.
ضمن ردة الفعل «الإسرائيلية» يمكن تسجيل الآتي:
1. إغلاق القنصلية البريطانية في القدس.
2. منع 12 شخصية سياسية بريطانية من دخول «إسرائيل».
3.  إخراج الممثلين البريطانيين من مركز تنسيق غزة/كريات غات.
4. إنهاء الدور البريطاني في تدريب قوات الأمن الفلسطينية.
5. حملة سياسية وإعلامية «إسرائيلية» ضد الحكومة البريطانية، مع اتهامها بالتدخل في الانتخابات «الإسرائيلية».
6. تصريحات شديدة اللهجة من الرئيس «الإسرائيلي» إسحاق هرتسوغ، ومن وزراء في حكومة نتنياهو بينهم سموترتش وبن غفير دعت لاتخاذ إجراءات انتقامية إضافية، مثل الاعتراف بجزر فوكلاند بوصفها جزراً أرجنتينية.
الانعدام التام في التناسب بين الفعل ورد الفعل، يسمح بالافتراض بأن الأبعاد الحقيقية والسياسية للإجراء البريطاني، وفق الفهم «الإسرائيلي»، أكبر بكثير من أبعاده الإجرائية الاقتصادية المؤقتة.


ثالثاً: السياق الدولي- الجنوب الصاعد


مع الاختلال المستمر في موازين القوى الدولية، تستشرف «إسرائيل» إمكانيات خسارة نقاط تمركز أساسية لها على المستوى الدولي، ليس في الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، بل وأيضاً في بعض بلدان «الجنوب العالمي» الأساسية؛ بالنسبة للصين، ورغم وجود علاقات اقتصادية، إلا أن التوتر ارتفع بشكل ملحوظ بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة... ولعل مواقف «إسرائيل» بما يخص تايوان خلال السنتين الأخيرتين، توضحان أن الرجاء قد تم قطعه في استمالة الصين لصالح «إسرائيل» في صراعات المنطقة. بالنسبة لروسيا، ورغم الوزن المتراكم للمنظمات الصهيونية واليهودية خلال العقود السابقة، فقد شكلت حرب أوكرانيا نقطة افتراق جدية، وأحد المؤشرات المهمة في هذا السياق، هو الملاحقة القانونية للوكالة اليهودية داخل روسيا التي نشطت العامين الماضيين بشكل كبير.
حتى الهند، التي تربطها بالكيان علاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية، باتت ترى في بريكس وفي علاقة أساسها التعاون مع الصين وروسيا، طريقاً إجبارياً لتطورها (خاصة بعد تجربتها العسكرية الخاسرة القصيرة ضد باكستان في حرب الأيام الأربعة من 7 إلى 10 أيار 2025)، وتعزز هذا الاتجاه بشكل إضافي بعد حرب إيران.
ما يعني بالمجمل، أن «إسرائيل»، وإن كانت ما تزال تسعى لبناء علاقات وتحالفات مع عدد من دول الجنوب العالمي، ضمناً الهند، إثيوبيا، اليونان، قبرص الأوروبية، الإمارات...إلخ، إلا أنها تعلم أن الاتجاه الموضوعي يفرض على هذه الدول نفسها التماشي مع التوازنات الجديدة، وبالتالي لا يمكن لـ«إسرائيل» التعويل على أي منها حتى النهاية.

 


رابعاً: السياق الإقليمي - حرب إيران


تلعب حرب إيران المستمرة بين أخذ ورد منذ حوالي 200 يوم، دور المحفز والمسرّع الأكثر أهمية لمجمل التفاعلات الدولية الراهنة، والتي ستقود في نهاية المطاف نحو نظام عالمي جديد.
ما يمكن تسجيله كسياق لتصريحات نتنياهو موضع القراءة، هو أن الحرب تمضي نحو تثبيت الخسارة الأمريكية - «الإسرائيلية»، ونحو تعميقها... ضمناً، فإن المصير التاريخي للقواعد الأمريكية في المنطقة ككل، قد حُسم من حيث المبدأ: سيتم إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في كامل منطقتنا خلال الشهور والسنوات القليلة القادمة... ناهيك عن مصير البترودولار الذي بات محسوماً هو الآخر.
ما يعني أن اعتلاء قمة من قمم جبل الشيخ السوري، والاستعراض المغرور للقوة، يأتي بالضبط من أدنى قاع وصلته القوة الغربية في منطقتنا خلال عقود طويلة، (وحتى قرون، إذا أخذنا السيطرة الغربية العالمية ككل ابتداء من صعود القرن السابع عشر).


خامساً: السياق الإقليمي - اتفاق مكة


في السياق الإقليمي، واشتقاقاً من السياق الدولي الذي تتراجع ضمنه السطوة والهيمنة الغربية، تظهر في منطقتنا بداءات منظومة إقليمية جديدة عبر «اتفاق مكة»، الذي يراد منه لعب دور أساسي في مسألتين أساسيتين:
أولاً: ملء الفراغ الأمريكي الذي سينجم عن الانسحاب العسكري من المنطقة.
ثانياً: تأمين كفة موازنة لإيران، هدفها التفاوض معها والحوار معها وصولاً إلى التوافق على صياغة مشتركة للمنظومة الإقليمية الجديدة، وقطعاً ليس الهدف هنا هو الحرب مع إيران، بل على العكس، فإن الهدف هو الوصول إلى اتفاق معها حول نظام أمن إقليمي جماعي يشمل تفاهمات حول المضائق وغيرها من الأمور العالقة...
«إسرائيل» تفهم جيداً غاية الاتفاق، وتفهم أن الصين وروسيا داعمان أساسيان له، وأن فكرة «الأمن الجماعي» في المنطقة، هي النقيض المباشر لمشروع «إسرائيل العظمى» ولمفاهيم «الأمن المطلق» و«الاستباقي» سواء لحلف الناتو أو لـ«إسرائيل» نفسها. وردة فعلها تجاه الاتفاق ككل، وتجاه كل من أطرافه على حدة، هي مؤشر واضح على هذا الفهم.


سادساً: السياق المحلي السوري


في السياق المحلي السوري، فإن أهم حدث خلال الأسابيع الأخيرة، هو استكمال عملية «الاندماج» بين قسد والحكومة في دمشق. ورغم كل ما يمكن أن يقال حول هذه العملية، وما يمكن أن يوجه من انتقادات محقة، إلا أن جوهرها الأهم هو أنها سارت خطوة مهمة بالعكس من الاتجاه التقسيمي، أي بالعكس من اتجاه العمل «الإسرائيلي» في سورية... ما يعني أن هدف تقسيم سورية بات أبعد منالاً بالنسبة للـ«إسرائيلي»، ولذا ليس مستغرباً أن يحاول نتنياهو تحقيق «تعويض» ما، بعد سنوات من الحديث عن «ممر داوود» وما شابهه من مشاريع.
وبالتوازي، يظهر التصعيد على الأرض عبر زيادة حدة الاعتداءات «الإسرائيلية» وشدتها ومساحتها ضمن الجنوب السوري، وعبر سلوك وتصريحات من يربطون أنفسهم بالمشروع «الإسرائيلي» ضمن سورية بأشكال علنية كما هو الحال مع حكمت الهجري، أو مستترة كما هو الحال مع من يعتبرون أن «الوصول إلى سلام مع إسرائيل هو القضية المركزية اليوم»!.