Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1295: رفع المحروقات: وقود جديد للانفجار الاجتماعي

 |  قاسيون  |  سياسة

لم تمض ساعات على رفع الحكومة أسعار المحروقات بنسب وصلت إلى نحو 40%، حتى بدأت آثار القرار بالظهور مباشرة في الأسواق، من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، إلى الاحتجاجات وقطع الطرقات في عدد من المناطق. وسوغت الحكومة قرارها بارتفاع أسعار النفط والطاقة عالمياً نتيجة الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، وبحاجة سورية إلى تمويل استيراد نحو ثلثي حاجتها من النفط.

وفقاً للبيانات المتوفرة خلال الفترة ذاتها التي اتخذت فيها الحكومة هذا القرار، لم يتجاوز متوسط ارتفاع أسعار النفط العالمية نحو 9%، وبينما حافظت دول الجوار، تركيا والعراق والأردن، على أسعار المحروقات دون تغيير، في حين كان الارتفاع في لبنان محدوداً لا يتجاوز في المتوسط نسبة 2.8%.فكيف يمكن أن تكون النتيجة في سورية زيادة تصل إلى 40%؟ وأين هو المنطق الاقتصادي الذي يبرر تحميل المستهلك السوري زيادة تفوق بكثير الارتفاع العالمي الذي يجري التذرع به لتمرير القرار؟
المشكلة الأساسية هنا هي في اعتبار ارتفاع السعر العالمي سبباً كافياً لرفع السعر المحلي. وهذا منطق لا يأخذ في الحسبان لا قدرة السوريين على تحمل الزيادة، ولا آثارها على الإنتاج، ولا تداعياتها على الاستقرار الاجتماعي، فالمحروقات ليست سلعة عادية يمكن التعامل معها بمنطق سعر السوق وحده، بل هي مدخل أساسي لكل عملية إنتاج ونقل وتوزيع، وأي زيادة فيها تنتقل سريعاً إلى الاقتصاد كله.
وهكذا تبدأ حلقة جديدة من التضخم، حيث ترتفع أسعار المحروقات، فترتفع معها كلفة النقل والإنتاج والخدمات، ثم ترتفع أسعار السلع، فتتراجع القدرة الشرائية للأجور، ويصبح رفع الأجور ضرورة، ثم تدخل كلفة الأجور الجديدة في أسعار السلع والخدمات، لتعود الأسعار إلى الارتفاع من جديد.

وفي النهاية، يجد صاحب الدخل الثابت نفسه أمام دخل يتقلص باستمرار من حيث قيمته الفعلية، حتى لو ارتفع راتبه بالليرة من الناحية الاسمية.
أما التبرير الحكومي بأن هذا السعر ليس ثابتاً، وأن الأسعار ستصعد وتهبط تبعاً لتقلبات الأسواق العالمية، فهو أسوأ من القرار ذاته، لأنه يطرح سؤالاً بديهياً:

لماذا يجب أن يكون سعر المحروقات المنتجة أو المكررة محلياً مرتبطاً ببورصات النفط العالمية بالضرورة؟

أليس من الطبيعي أن تباع الكميات المخصصة للتصدير وفق الأسعار العالمية، بينما تسعر الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي وفق تكاليف الإنتاج المحلية وقدرة الاقتصاد والمجتمع على تحملها؟
السعر العالمي ليس قانوناً اقتصادياً مقدساً يجب أن يفرض على كل بلد بالصيغة ذاتها. الدول تضع سياساتها في مجال الطاقة وفق مصالحها وقدرتها الإنتاجية وأوضاعها الاجتماعية، وقد تتحمل الدولة في بعض الحالات جزءاً من الكلفة لحماية قطاعاتها الإنتاجية والمستهلكين. وإذا كانت الدولة ستتحمل فرقاً بين كلفة الإنتاج، أو الاستيراد، وبين السعر الذي يدفعه المستهلك بهدف حماية الإنتاج، فلا ينبغي التعامل مع ذلك بوصفه «خسارة» للدولة، وإنما بوصفه إنفاق ضروري للاستثمار في الإنتاج، والحفاظ على القدرة الشرائية، ومنع التضخم، وحماية الدورة الاقتصادية.
سياسة الركض خلف التكيف مع الأسعار العالمية محكومة بالفشل مسبقاً، وهي خيار سياسي ستكون له نتائج مباشرة على توزيع الثروة. وكلما جرى تحميل هذه الزيادات للطبقة الأفقر في البلاد، وهي الأكثرية الساحقة من السوريين، ازدادت الثروات المكدسة في جيوب أصحاب أرباح ممن يستطيعون تحميل أي ارتفاع إلى فقراء السوريين وحدهم، الذين سيدفعون الثمن من أجورهم ومستوى معيشتهم.
كانت قضية المحروقات ولا تزال قضية أكبر من حدود الحسابات المالية المباشرة، وهي مسألة أمن وطني واستقرار اجتماعي، لا يمكن أن تدار بمنطق البورصة وتقلباتها، ولا بمنطق تحميل المجتمع نتائج كل تغيّر في الأسواق العالمية. فإذا كانت الدولة تريد حماية الاقتصاد والإنتاج، عليها أن تنظر إلى المحروقات كجزء من سياسة اقتصادية اجتماعية متكاملة، وإلا فإن البلاد ستكون مهددة بانفجار اجتماعي جديد لا يمكن لأحد التنبؤ بمآلاته.

 

RSS   ارتفاع الأسعار   افتتاحية قاسيون    المحروقات   سورية