لم تعد الاحتجاجات الشعبية ضد الاستملاكات محصورة في منطقة أو اثنتين، بل أخذت مؤخراً بالاتساع جغرافياً، وبالانتقال من احتجاجات متفرقة إلى حالة أوسع من الاعتراض الشعبي المنظم. والأهم من اتساع رقعتها، هو أن المحتجين أنفسهم باتوا أكثر قدرة على تنظيم صفوفهم وتوحيد مطالبهم، حيث عادت قضايا الاستملاك، التي حاولت السلطات المتعاقبة التعامل معها بوصفها «ملفات قانونية» لتظهر على حقيقتها بوصفها قضية اقتصادية اجتماعية وسياسية تمس حقوق مئات الألوف من السوريين.
الاستملاك، من حيث المبدأ، هو حق تمنحه القوانين للدولة لنزع ملكية خاصة بهدف تنفيذ مشروع ذي نفع عام، مقابل تعويض أصحابها. لكن ما حدث في سورية هو أن هذه الاستملاكات تحولت إلى وسيلة تستطيع من خلالها الدولة انتزاع ملكيات المواطنين، بينما بقيت مشاريع كثيرة معلقة لسنوات طويلة، أو تغيرت أغراضها، ولم ير أصحاب العقارات المستملكة منها أي نفع عام يبرر حرمانهم منها.
في غالبية الحالات، لم تكن الأراضي والعقارات المستملكة في سورية ملكاً لكبار النافذين وأصحاب الثروات، بل كانت ملكيات لفلاحين وموظفين وأصحاب دخل محدود وعائلات راكمت ممتلكاتها عبر عقود من العمل. وبذلك، فإن جانباً كبيراً من سياسات الاستملاك تحول عملياً إلى إعادة توزيع للثروة من الفقراء إلى الأثرياء. ولهذا، كان الاستملاك أحد العوامل التي راكمت الاحتقان الاجتماعي في سورية، وأسهمت، إلى جانب النهب والإفقار والفساد والبطالة، في الانفجار الاجتماعي عام 2011.
إن استمرار التعامل مع الاستملاكات اليوم بالعقلية نفسها التي كانت سائدة في زمن الأسد أمر لا طاقة للسوريين على قبوله. حيث لا معنى للحديث عن «القطيعة مع الماضي»، بينما تبقى القرارات الجائرة نافذة، كما الحديث بجدية عن عدالة انتقالية حقيقية، بينما يبقى آلاف السوريين محرومين من حقوقهم وملكياتهم.
المطلوب اليوم، إعادة نظر شاملة في جميع قرارات الاستملاك قراراً قراراً، والنظر في مدى تحقق الغرض العام الذي جرى الاستملاك باسمه، وفي عدالة التعويضات التي دفعت، وفي مصير الأراضي والعقارات التي انتزعت من أصحابها. والأهم من ذلك، أن على الجهاز التنفيذي اليوم ألا يبني سلوكه على قوانين وممارسات سلطة الأسد لمجرد أنها ما تزال قائمة على الورق.
والسؤال البديهي هنا هو: لماذا الاستملاك أساساً، إذا كانت الدولة تحتاج إلى أرض لتنفيذ مشروع محدد؟ لماذا لا تشتري الأرض من أصحابها شراءً مباشراً وبأسعار عادلة تعكس قيمتها الحقيقية؟ أليس ذلك أكثر عدلاً وأقل تكلفة اجتماعياً وسياسياً من انتزاع الملكية وفتح باب نزاعات تمتد لعقود قادمة؟
معالجة الاستملاك يجب أن تكون جزءاً من حل أوسع، يشمل أيضاً حل مشكلة السكن حلاً حقيقياً، لا كما يحاول حيتان التطوير العقاري وأزلام السماسرة الكبار أن يقنعوا السوريين بأن تكلفة تصل إلى 1,200 دولار للمتر المربع الواحد هي أمر طبيعي في بلد يعيش أكثر من 95% من سكانه في الفقر.
تحمل الاحتجاجات ضد الاستملاكات اليوم معنى أوسع بكثير من مجرد الدفاع عن أرض أو منزل. فهي تعبير جديد عن حقيقة كررناها دائماً، وهي أن السوريين، حين يتعلق الأمر بلقمة عيشهم وأراضيهم وبيوتهم وحقوقهم، يجدون أنفسهم في الخندق نفسه، بغض النظر عن مناطقهم وقومياتهم وطوائفهم، هي تذكير بأن الشعب السوري ليس مجموعة من «أقليات» و«أكثرية» متصارعة على أساسات زائفة، بل أكثرية ساحقة منهوبة تواجه أقلية راكمت الثروة على حسابها.
التعامل الجدي مع قضية الاستملاكات يجب أن يبدأ بإعادة النظر الشاملة بها، وبإعادة الحقوق إلى أصحابها حيثما كان ذلك ممكناً، وبوضع تعويضات عادلة حيث لا يكون ذلك ممكناً، وببناء سياسة جديدة تماماً تجاه الأرض والسكن والملكية. أما الإصرار على إدارة البلاد بالقوانين الجائرة نفسها، وبالعقلية التنفيذية نفسها، وبالقرارات نفسها التي ساهمت في إنتاج الاحتقان والانفجار، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الماضي بصورة أبشع.