Skip to main content

ما هو المعنى العميق لـ«نفي» الأستاذ عاطف هنيدي؟

 |  قاسيون  |  سياسة

انشغل الشارع السوري عموماً، وفي السويداء خصوصاً، خلال الأيام القليلة الماضية، بما جرى مع القامة الاجتماعية والوطنية المعروفة، أبو عمر عاطف هنيدي، والذي قامت مجموعة مما يسمى «الحرس الوطني» بمحاصرة منزله في قرية المجدل في ريف السويداء مساء يوم الخميس 3 أيلول الجاري، مرغمة إياه عملياً على مغادرته ومغادرة المحافظة ككل تحت تهديد السلاح، وذلك رداً على إصداره بياناً في صباح اليوم نفسه، عارض فيه كلام حكمت الهجري الذي قال فيه إن «الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل».

في بيانه قال عاطف هنيدي:


«طالعنا البعض منذ أيام بمجموعة من المغالطات التاريخية والدينية التي لا تأتلف مع حقائق التاريخ والجغرافيا ولا مع أصول مذهب التوحيد نشأةً وعقيدةً.
فالسردية التي حاول هذا البعضُ تسويقَها حول اشتراك الموحدين الدروز في العقيدة مع اليهود وبأنهم تاريخياً جزءٌ لا يتجزأ من دولة إسرائيل، إنما تعبّر عن هوىً شخصيٍّ ونزعةٍ ذاتيةٍ واضحة نحو تشبيك العلاقة مع دولة الكيان من دون أن يكون لهذه السردية أي سند أو أساس مكين لا في جوهر العقيدة التوحيدية ولا في التاريخ المجيد للعشيرة المعروفية كابراً عن كابر.
ولعل أخطر ما في هذا التوجه هو اختزال جماعة كاملة، فيها من النخب الفكرية والقامات الثقافية الكثير الكثير، في شخص رجلٍ واحدٍ يحتكر النطق باسمهم ويقرر لهم اسم دولتهم المتخيلة «باشان» ويحيك لهم تاريخاً هجيناً لا يشبههم ولا يشبه ما تنشؤوا عليه كجماعة من عقيدة، ولا ما آمنوا به من مبادئ ومنطلقاتٍ فكرية ببعديها الوطني والقومي.
إن أبناء جبل العرب لم يوكلوا إلى أحد النطق باسمهم أو التقرير عنهم في مسائل تتعلق بحاضرهم ومستقبلهم، كما أنهم لا يجهلون حقائق التاريخ والجغرافيا، لا سيَّما ما سطّره قادةٌ عظامٌ أمثال سلطان باشا الاطرش الذي رفض إغراءات الدويلة وأصرَّ على البعد الوطني والقومي لنضال أبناء الجبل.
إن السويداء التي زحفت بشيبها وشبابها عام 1959 لاستقبال المارد القومي العربي جمال عبد الناصر فوق ترابها الطاهر، لن تقبل أبداً أن يجري العبث بهويتها الوطنية والقومية وأن يجري ربطها بكيان له مشروعه الاستيطاني والذي يعرف كيف يدس سم مشروعه التوسعي في عسل الدويلة الهجينة التي تدغدغ أحلام بعض المصابين بهوس السلطة، أيّ سلطة، ولو على حساب حقائق التاريخ والجغرافيا.
عاطف هنيدي
المجدل... جبل العرب»


معنى عملية «النفي»


بيان الأستاذ عاطف هنيدي، ومن ثم طريقة رد حكمت الهجري عليه، تثبت الحقائق التالية:
أولاً: كل الكلام المنمق عن «الحريات» و«الديمقراطية» و«العلمانية» و«حقوق الإنسان» وإلخ، يتحول عند التجارب العملية إلى كلام فارغ لا علاقة له بالممارسة الواقعية؛ فالمشروع الذي يشتغل ضمنه الهجري ومن معه، هو مشروع قمعي وإقصائي وشمولي ولا يقبل أي رأي آخر، ولولا الوزن الكبير، الاجتماعي والمعنوي، لأبي عمر عاطف هنيدي، لكان احتمال تصفيته احتمالاً فعلياً، ولكن الهجري ومن معه يعرفون أنهم لا يستطيعون تحمل تبعات الإقدام على حماقة من هذا النوع، ولذا لجأوا إلى «النفي»، والذي ستكون له تبعاته أيضاً...
ثانياً: تثبت حادثة نفي الأستاذ عاطف، أن محاولة خلق عداء بين أهل السويداء والسوريين ككل، هي خلق لثنائية وهمية جديدة، لا تخدم السوريين، ولا تخدم أهل السويداء ضمناً، بل تخدم «الإسرائيلي» فقط، وعلى حساب دماء السوريين ككل.
ثالثاً: في الإطار نفسه، فإن ابن محافظة السويداء، له كامل الحق، كما غيره من السوريين، بإدانة المجازر التي جرت، وبتحميل السلطة في دمشق المسؤولية الأساسية عنها، والنضال من أجل المحاسبة والعدالة، وله الحق أيضاً بمعارضة السلطة القائمة، بل وحتى بالمطالبة بتغييرها... وهذا كله لا يتعارض مع الوطنية السورية بحالٍ من الأحوال...
رابعاً: فإن من يقرأ التحولات الدولية والإقليمية الجارية، يعلم أن المشروع «الإسرائيلي» والمشروع الغربي ككل، هو في حالة انحدار وانكفاء لا رجعة فيها، ولذا لن يكون مستغرباً أن تزداد حماقات من يربطون أنفسهم بهذه المشاريع...
خامساً: أهل السويداء كانوا دائماً، وسيبقون، جزءاً أساسياً ومؤسساً للوطنية السورية، وعلى رأسهم الرمز السوري الجامع، سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، والذي حين قام ضد الاستعمار، ووضع يده بيد بقية السوريين من كل المحافظات والأديان والأعراق، وقفت ضده زعامات دينية ومحلية في السويداء نفسها (كما وقفت بعض الزعامات الدينية والمحلية ضد كل أبطال الثورة في مناطقهم، من صالح العلي إلى يوسف العظمة إلى الشهبندر...)، والتاريخ اليوم، بعد مئة عام، يكسو رؤوس من وقفوا ضد سلطان بالعار، ويدفعهم إلى الهامش، بينما يملأ سلطانُ المتنَ، ويُرفَع فوق الرؤوس، ويدافِعُ بإرثه الحيّ في الناس عن المشروع الوطني، حتى وهو في قبره...