شهدت الأيام الماضية تطوراً مهماً في المسار الذي بدأ مع اتفاق 10 آذار 2025 بين السلطة السورية في دمشق وبين قوات سورية الديمقراطية.
يوم تم الإعلان عن اتفاق 10 آذار، أصدر حزب الإرادة الشعبية تصريحاً صحفياً عبر فيه عن موقفه من الاتفاق، ومما جاء فيه: «إننا في حزب الإرادة الشعبية وإذ ننظر بإيجابية عالية لهذا الاتفاق، ونرى فيه عملاً مهماً لقطع الطريق على نوايا ومخططات التقسيم «الإسرائيلية»، فإننا نؤكد على أن هذا العمل ينبغي أن يتم تعزيزه واستكماله عبر منع تكرار أي أحداثٍ ذات طابع طائفي، من نمط الأحداث المأساوية التي جرت في الساحل السوري خلال الأيام الماضية.
الاتفاق الموقع اليوم، يؤكد ما سبق أن قلناه مراراً، وهو أن الطريق الوحيد الصحيح للخروج بسورية من الكارثة ولنهوضها مجدداً، هو طريق الحوار بين السوريين، وليس طريق القتال والاقتتال والدمار الذي لم يجلب على سورية والسوريين إلا الكوارث.
واليوم، بعد مرور سنة ونصف تقريباً على اتفاق 10 آذار، بكل ما حملته هذه الفترة، فإن الحوار والتشارك يثبت مرة أخرى أنه ما يزال الطريق الوحيد الصحيح لحل الأزمات التي تعاني منها البلاد.
إن فهم الأبعاد الفعلية لهذا الاتفاق، يتطلب ليس فقط النظر داخل الحدود السورية، بل وإلى الإقليم بأكمله، والتطورات التي تجري فيه، لكي يتم وضع الأمور في سياقها الصحيح:
أولاً : الاتفاق هو خطوة لمنع تقسيم سورية، ولقطع الطريق على المشاريع «الإسرائيلية» في سورية، وضمناً ما كان يسمى «ممر داوود»، والمشروع الأكبر المسمى «إسرائيل العظمى».
ثانياً: هذه الخطوة ليست معزولة، وليست وحدها من تستطيع قطع الطريق على مشاريع «إسرائيل»؛ فهي تأتي في اتجاه موائم لاتجاه المصالحة الجارية في تركيا، على أساس مبادرة أوجلان-بهتشلي؛ ما يعني بالجوهر، قطع الطريق على الاستثمار السلبي في القضية الكردية بوصفها قضية محقة، بالضبط عبر الدفع نحو حلها حلاً حقيقياً قائماً على التعاون والأخوة بين شعوب المنطقة، وليس عبر اقتتالها وتناحرها.
ثالثاً : تأتي هذه الخطوة أيضاً في سياق أوسع موائم، هو سياق التراجع والانكفاء الأمريكي العام عن المنطقة مع الخسارة المدوية والواضحة في الحرب على إيران، بالتوازي مع البدء بترتيبات جديدة لمنظومة إقليمية جديدة، ما بعد أمريكية، يشكل «اتفاق مكة» بين (السعودية، تركيا، باكستان)، أحد نقاطها الأولى، والتي ستتسع لاحقاً لتضم مصر وإيران، وبدعم علني من الصين وروسيا.
ليس مستغرباً، والحال كذلك، أن يبحث «الإسرائيلي» عن آليات للرد والتعويض، من قبيل ما فعله كاتس في جبل الشيخ السوري، أو عبر قصف مطار أبو الظهور، أو عبر تصريحات حكمت الهجري، وخاصة الأخيرة. وينبغي أن نتوقع أن يشمل الرد ما هو أكثر وأخطر من ذلك، وضمناً بالمعنى الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
على أهمية الخطوة، فإن المخاطر الماثلة ما تزال كبيرة، ولا يمكن علاجها دون إغلاق الثغرات الداخلية عبر السير بشكل متواز وسريع في ثلاثة أمور:
أولاً: مسار المشاركة السياسية الحقيقية، عبر حكومة وحدة وطنية، ومؤتمر وطني عام.
ثانياً: نموذج اقتصادي جديد يقطع مع الفساد الكبير، ويقطع مع وصفات الليبرالية الجديدة، وتكون العدالة الاجتماعية العميقة والنمو الحقيقي العالي هي سَمتها.
ثالثاً: تموضع إقليمي ودولي صحيح على الجانب المنتصر من التاريخ، وبما يخدم وحدة البلاد وسيادتها وسيادة شعبها.