Skip to main content

افتتاحية قاسيون 1292: التهديدات «الإسرائيلية» وتموضع سورية

 |  قاسيون  |  سياسة

تحتل مسألة التموضع الإقليمي والدولي لسورية موقعاً أساسياً ضمن جدول الأعمال، ليس المحلي فحسب، بل وأيضاً الإقليمي والدولي. وإنْ كان العدوان «الإسرائيلي» على مطار أبو الظهور يوم الثلاثاء الماضي، 18 آب 2026، قد دفع المسألة إلى السطح من باب التناقض «التركي/الإسرائيلي»، فإن أبعادها وجذورها تمتد أبعد بكثير من هذا التناقض، وتشمل ما يلي:

أولاً: التراجع الأمريكي بات واقعاً ملموساً يعبر عن نفسه بشكل متسارع، والمأزق الأمريكي و«الإسرائيلي» في الحرب على إيران، بات شاهداً على هذا التراجع، وعاملاً معززاً في تعميقه وتسريعه، وصولاً إلى الانكفاء الأمريكي الشامل عن منطقة غرب آسيا بأسرها، والذي بات أمراً محسوماً ضمن الأشهر والسنوات القليلة القادمة.

ثانيا: البديل الجنوني الذي تعمل عليه دوائر رأس المال المالي العالمي الأساسية، بجناحها الصهيوني خصوصاً، هو ما يسمى «إسرائيل العظمى»، والتي لا يمكن أن تقوم إلا على أنقاض كل الدول الأساسية في المنطقة، وضمناً: إيران، وتركيا، ومصر، والسعودية، ناهيك طبعاً عن فلسطين ولبنان وسورية والعراق.

ثالثا: على أساس هذه العوامل، بات التقارب بين الدول الأساسية ضمن المنطقة، وخاصة (تركيا، السعودية، مصر، باكستان، إيران)، حاجة موضوعية ووجودية لهذه الدول، وبات ابتعادها عن الأمريكي واقترابها من الصين وروسيا، أمراً ملموساً يزداد يوماً وراء يوم. ولا تُغير الأسطورة الساذجة المتعلقة بطائرات F35 شيئاً من هذه المعادلة (يصور الإعلام الغربي سعي السعودية وتركيا للحصول على هذا الطائرات، بأنه أمر شديد الأهمية يمكن للدولتين أن تقدما كل شيء في سبيله، بما في ذلك تطبيع سعودي مع «إسرائيل»، وإعادة تموضع كبرى لتركيا ضد روسيا والصين... ونقول: إنها أسطورة ساذجة، لأن الأمريكي قادر على تعطيل الطائرات التي يبيعها في حال استخدمت ضد «إسرائيل»- التي تشكل التهديد العلني الأساسي لهاتين الدولتين- ناهيك عن أن الأمريكي استخدمها فعلاً ضد إيران، واستخدم كل ترسانته، ولم يستطع فعل شيء، وأثبت أنه بات قوة من القرن العشرين تحارب في القرن الواحد والعشرين)... من هنا بالذات ولدت فكرة «اتفاق مكة»، والتي لقيت دعماً علنياً صينياً وروسياً، بوصفها اللبنة الأولى في بناء النظام الإقليمي الجديد، ما بعد الأمريكي، وعملياً ما بعد «الإسرائيلي» أيضاً بوصفه بلطجي المنطقة.

مع تصاعد التهديدات والاعتداءات «الإسرائيلية»، فإن البحث عن تموضع سورية الإقليمي والدولي، هو مسألة موضوعة على طاولة التنفيذ، ولا مفر من تحديد اتجاه واضح ضمنها. وهنا تبرز جملة من الآراء والاتجاهات:

أولاً: هنالك رأي يبدو «عقلانياً» و«براغماتياً»، يقول بالوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة جميعها، الإقليمية والدولية، لتجنيب سورية الأذى والشرور التي يمكن أن تترتب على أي اصطفاف واضح. مشكلة هذا الرأي، إذا تجاوزنا المسائل المبدئية، والتزمنا نظرة براغماتية بحتة، أنه رأي غير براغماتي، وغير عملي، وغير واقعي إطلاقاً؛ لأن «الإسرائيلي» لن يكف أذاه عن سورية أياً تكن السياسة التي تتبعها، بالضبط لأن مشروعه الصفري يتطلب إنهاء سورية نفسها كوحدة جغرافية سياسية.

ثانياً: هنالك رأي تطرحه بعض مراكز الأبحاث الأمريكية، «ينصح» السوريين بعدم الركون إلى تطمينات ترامب، (وهو رأي محق ضمن هذه الحدود)، ولكنه «ينصح» أيضاً بعدم الانخراط بأي تحالفات مع الدول الإقليمية الأساسية في المنطقة، أي مع أطراف «اتفاق مكة» بصيغته الراهنة، أو بشكله الموسع اللاحق. ما لا يقوله هذا الرأي بشكل واضح، هو أن «نصيحته» الفعلية هي الانبطاح لـ«إسرائيل»، والتنسيق مع الإمارات بحكم أن لها تجربة «مهمة» في هذا الانبطاح... وأقل ما يقال في هذا الرأي، هو أنه لن يجنب سورية الأذى، بل وسيضع وحدتها واستمرار وجودها في خطر كامل، لأنه سيضعها بعكس اتجاه التاريخ، وسيضعها مع الطرف الخاسر إقليمياً ودولياً.

ثالثاً :الرأي الذي نراه، هو أن التموضع الصحيح لسورية هو مع القوى الصاعدة دولياً، وعلى رأسها الصين، وإقليمياً، هو التعاون والتكامل وحل الأزمات والمشكلات مع الدول الإقليمية الأساسية في المنطقة، والتنسيق اللصيق معها، أي (تركيا، السعودية، مصر، إيران، باكستان)، لأن هذه الدول الخمس هي التي ستكون نواة النظام الإقليمي الجديد، المعبر عن النظام الدولي الجديد، ما بعد الأحادية الأمريكية.

الانخراط الجاد في عملية تعاون وتكامل مع هذه الدول هو آلية الردع الأساسية في وجه الكيان، والاستكمال الحقيقي للردع هو توحيد الشعب السوري حقاً وفعلاً، عبر نموذج اقتصادي جديد، وعبر مشاركة سياسية حقيقية، بابها الأساسي ما يزال حكومة وحدة وطنية ومؤتمراً وطنياً عاماً...