Skip to main content

أرض الفلاح للمستثمر...وغذاء الفقراء للتصدير

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

لم يعد مصطلح «الزراعة التعاقدية» غريباً على أسماع السوريين. ففي غضون أشهر قليلة من عام 2026، تحول من مفردة متكررة في أدبيات المؤسسات الاقتصادية الدولية الخاضعة للهيمنة الغربية إلى بند ثابت في مذكرات التفاهم التي توقعها وزارة الزراعة مع شركات إقليمية. في حزيران الماضي، وعلى هامش معرض «فود إكسبو» في مدينة المعارض بدمشق، وقعت مجموعة «سلال» الإماراتية اتفاقيتين مع الوزارة تتضمنان برامج للزراعة التعاقدية ومراكز للفرز والتوضيب بغرض التصدير، إلى جانب الشراء المباشر من المزارعين. وبعد أسابيع، أعلنت شركة «بلدنا» القطرية (التابعة لعائلة الخياط الغنية عن التعريف) مشروعاً بقيمة 3.3 مليار دولار يمتد على 2400 كيلومتر مربع من أراضي حوض الفرات المؤجرة من الدولة في الرقة ودير الزور، وقالت إنها ستتعاقد مع مزارعين محليين في أنحاء البلاد لإنتاج القمح والقطن والسكر لحسابها. وفي الخلفية، تحضر مؤسسة التمويل الدولية، ذراع البنك الدولي للقطاع الخاص، بالإضافة إلى شركة «الظاهرة» الإماراتية، ومجموعة «المهيدب» السعودية في مشاريع الأبقار والألبان.

يقدم هذا كله للرأي العام بوصفه بشارة ودليلاً على دخول رؤوس الأموال وتقنيات الري الحديثة إلى البلاد، وفتح أسواق للتصدير، وفرص عمل لآلاف السوريين. وفي بلد خرج لتوه من أسوأ جفاف منذ ستة عقود، وأنتج في 2025 أقل من مليون طن من القمح بعدما كان ينتج أربعة ملايين قبل الحرب، يبدو أي وعد بالإنتاج مغرياً إلى حد يصعب معه طرح الأسئلة.
لكن هذه الأسئلة هي بالضبط ما يجب طرحه الآن، قبل أن تتحول مذكرات التفاهم إلى عقود، والعقود إلى أمر واقع. فالزراعة التعاقدية هي شكل محدد من أشكال تنظيم العلاقة بين رأس المال والأرض والعمل، ولهذا الشكل تاريخ طويل في دول «الجنوب العالمي»: من مزارع الأناناس التعاقدية في جزيرة مينداناو الفلبينية، إلى مشاريع «المزارعين الملحقين» في كينيا وغانا، وصولاً إلى انتفاضة الفلاحين الهنود عام 2020 ضد قوانين فتحت الباب واسعاً أمام الزراعة التعاقدية، والتي أجبرت الحكومة على إلغائها بعد عام كامل من الاعتصامات. وفي هذه التجارب جميعاً تتشابه النتائج، حيث تقرر الشركة ما الذي ستتم زراعته وطبيعة البذار والأسمدة التي ستستخدم، وتستطيع أن تفرض سعر شراء المحصول وشروط قبوله أو رفضه، بينما يتحمل الفلاح وحده مخاطر الطقس والآفات والديون.
الزراعة التعاقدية مع رأس المال الأجنبي، تحديداً في الشروط السورية الراهنة، هي الخطوة العملية الأولى لتحويل الفلاح السوري من منتج يملك قراره إلى حد ما، إلى أجير مقنَّع عند شركات عابرة للحدود، يعمل في أرضه لكنه لا يملك ما ينتجه. وهي في الوقت نفسه تهديد مباشر للأمن الغذائي، لأنها تخضع ما يزرع داخل البلاد لمنطق الأسواق الخارجية لا للضرورات الداخلية.


جوهر «التعاقد»: عقد بين غير متكافئين


تقوم الزراعة التعاقدية، في صيغتها النموذجية، على اتفاق يبرم قبل الموسم بين شركة زراعية أو غذائية وبين مزارع أو مجموعة مزارعين. تلتزم الشركة بتأمين مستلزمات الإنتاج، من بذار وأسمدة ومبيدات وإشراف فني، وغالباً ما تقدمها على شكل سلفة يتم خصمها لاحقاً من ثمن المحصول. ويلتزم المزارع في المقابل بزراعة صنف محدد، وفق مواصفات محددة، وتسليم الكمية المتفق عليها للشركة وحدها، بسعر ثابت أو وفق معادلة تسعير تضعها الشركة نفسها.
على الورق، يبدو هذا الشكل عادلاً. ويجادل مؤيدوه بأن الفلاح سيحصل على سوق مضمونة وتقنيات حديثة وتمويل لم يكن متاحاً له سابقاً، وإن الشركة تحصل في المقابل على إمدادات منتظمة بجودة معروفة، وإن الطرفين يتقاسمان المخاطر. لكن هذه الصورة زائفة وتخفي السؤال الجوهري حول من يملك القوة داخل هذا العقد.
لا يحتاج الجواب إلى كثير من التأمل. فلدينا من جهة، شركة برأس مال ملياري غالباً، وفريق قانوني، وقدرة على الوصول إلى الممولين الدوليين، وقدرة على الانتظار، وخيارات بديلة لا تنتهي: فإن لم يرضخ مزارعو دير الزور، هناك مزارعو الساحل، وإن لم يرضخ السوريون، هناك السودانيون والمصريون... إلخ. وعلى الطرف الآخر، لدينا فلاح يملك بضعة دونمات، أنهكته أربع عشرة عاماً من الحرب ومواسم الجفاف، وهو مثقل بالديون، بلا مصرف يقرضه ولا نقابة حقيقية تفاوض باسمه. وعليه، فإن العقد بين هذين الطرفين لا يمكن أن يكون اتفاقاً بين متعاقدين حرين، إنما هو في الجوهر صيغة قانونية «مهذبة» لعلاقة إخضاع.
تظهر هذه العلاقة في كل مفصل من مفاصل العقد. فالشركة الخاصة هي التي تحدد المواصفات، وتفحص المحصول عند التسليم، وتقرر إن كان «مطابقاً» أم لا. وقد أثبتت التجارب في أكثر من بلد أن معايير الجودة تتحول بسهولة إلى أداة لتعديل السعر من طرف واحد: فحين ترتفع الأسعار العالمية تتساهل الشركة، وحين تنخفض أو يفيض العرض تكتشف الشركة «فجأة» أن نسبة الرطوبة عالية مثلاً، أو أن الحبة صغيرة، أو اللون غير مناسب، فتخفض السعر أو ترفض المحصول كله. ويبقى الفلاح أمام محصول لا يستطيع أن يبيعه لغير الشركة ذاتها لأنه زرعه وفقاً لمواصفاتها هي.
ثم إن الشركة تصبح عملياً المشتري الوحيد في المناطق التي تعمل فيها. واحتكار الشراء ليس عرضاً جانبياً لمنطق «الزراعة التعاقدية» إنما هو شرطها الأساسي عملياً، حيث تمنع العقود المزارعين من البيع لطرف ثالث. وكلما توسعت الشركة في منطقة ما تراجعت طرداً شبكات التسويق المحلية الموجودة، من تجار صغار وأسواق هال ومعاصر ومطاحن محلية، حتى يصبح الخروج من العقد بالنسبة للفلاح مستحيل عملياً حتى لو كان ممكناً قانونياً.
وهنا يكمن جوهر المسألة من منظور طبقي. فالزراعة التعاقدية تتيح لرأس المال أن يسيطر على العملية الإنتاجية كاملة دون أن يتحمل أعباء ملكية الأرض أو أجور العمل أو التأمينات الاجتماعية. فيبقى الفلاح مالكاً اسمياً لأرضه، لكنه يفقد السيطرة الفعلية عليها. يعمل هو وأفراد أسرته دون أجر، ويتحمل وحده كلفة الأرض ومخاطر الطقس والآفات، ثم يتسلم في نهاية الموسم ما يتبقى بعد خصم السلف، وهو في جوهره أجر، لكنه أجر بلا حد أدنى ولا ضمانات ولا حق في التنظيم النقابي.
بطبيعة الحال، لا يتم بناء هذه العلاقة «ضربة وحدة». فالعقود الأولى عادة ما تكون سخية، وتقدم أسعار تشجيعية، وبذار مدعومة، ومهندسون يزورون الحقول كل فترة. وهذه ما يمكن أن نسميه مرحلة التمكين للشركة الخاصة. وحين يتخلى الفلاح عن محاصيله التقليدية وعن تقاليد الزراعة التي ورثها عن آبائه وأجداده، ويعتاد على النمط الجديد، ويتراكم عليه دين المستلزمات، وتختفي البدائل التسويقية من حوله، تبدأ مرحلة ثانية تصبح فيها الشروط مجحفة أكثر. وعندها لا يملك الفلاح إلا أن يقبل، أو أن يبيع أرضه أو يؤجرها للشركة نفسها، فيكتمل مسار التحول من فلاح مستقل إلى عامل زراعي مأجور بالمعنى الكامل للكلمة.
ويزيد السياق السوري من خطورة هذا المسار. فالجمعيات الفلاحية التي كانت، على علاتها وخرابها وفسادها في زمن السلطة السابقة، تؤمن للفلاح حداً أدنى من المستلزمات والتسويق والقروض، انهارت عملياً. والمصرف الزراعي التعاوني عاجز عن تأمين التمويل بالحجم الذي يحتاجه الفلاحون، والقضاء مثقل وبطيء، والليرة لا تحتفظ بقيمتها إطلاقاً، ما يرجح أن يجري تسعير السلف والديون بالدولار بينما يدفع ثمن المحصول بما تقرره الشركة. وفوق ذلك كله، لا يعرف الرأي العام شيئاً تقريباً عن بنود هذه الاتفاقيات فنصوصها لا تنشر ولا تعرض على أي هيئة تمثيلية، ولا يسأل الفلاحون أنفسهم عن رأيهم فيها.
بعبارة أخرى، يدخل الفلاح السوري هذه العقود عارياً من كل أدوات الحماية الاجتماعية، في لحظة هي الأضعف في تاريخه الحديث. وما يقدم له بوصفه «شراكة» هو في الحقيقة دعوة إلى التخلي عن آخر ما تبقى له من استقلال.


الأمن الغذائي: للسوريين أم للشركات الخاصة العابرة للحدود؟


حين نسأل الحكومة عن مبرر الانفتاح على الشركات الأجنبية في الزراعة، يأتي الجواب جاهزاً، وهو الأمن الغذائي. لكن هذا المفهوم يتعرض في الخطاب الرسمي لعملية إفراغ منهجية من مضمونه، وهناك من يعتقد أنه إذا أنتجت الأرض السورية أكثر فهذا يعني تلقائياً أننا آمنون غذائياً، وهو فهم شديد السطحية. حيث أن الأمن الغذائي في جوهره هو أن يأكل السوريون ما يكفيهم بأسعار في متناولهم ومن إنتاجٍ يملكون قراره بأيديهم. وبين الأمرين مسافة شاسعة يعرفها التاريخ جيداً: ففي أربعينيات القرن التاسع عشر كانت إيرلندا تصدر الحبوب واللحوم إلى إنكلترا فيما يموت نحو مليون من سكانها جوعاً، وفي العقد الماضي كانت أراض في إثيوبيا مؤجرة لمستثمرين إماراتيين تنتج للتصدير، بينما يعتمد ملايين الإثيوبيين على المساعدات الغذائية.
الزراعة التعاقدية مع رأس المال الأجنبي تفصل بحكم تعريفها بين الإنتاج والاستهلاك المحلي. فالشركة غير مهتمة بحاجة السوريين وضروراتهم، ولا يهمها إلا أن تحقق أعلى هامش ربح ممكن. ولا تخفي الاتفاقيات الموقعة هذا التوجه: فاتفاقية «سلال» تنص على إنشاء مراكز للفرز والتدريج والتوضيب لدعم التصدير، وأولى ثمار التعاون المعلنة كانت صفقة لتصدير ثلاثة آلاف طن من البطاطا كدفعة أولى. أما مشروع «بلدنا» فيضع القطن والسكر إلى جانب القمح، أي محاصيل صناعية تذهب إلى سلاسل التصنيع والتصدير التي تملكها الشركة، لا إلى رغيف الفقراء.
ولهذا التوجه أبعاد إقليمية لا يمكن تجاهلها. فمنذ أزمة الغذاء العالمية عام 2008، تبنت دول الخليج استراتيجية واضحة لتأمين غذائها عبر الاستحواذ على أراضٍ زراعية أو استئجارها في دول أخرى، من السودان إلى إثيوبيا وباكستان. والسؤال هنا هو أنه حين يجري دمج الأرض السورية في استراتيجيات الأمن الغذائي لدول أخرى، فأمن من ستتم حمايته حين تأتي سنة جفاف جديدة مثلاً، ويصبح على الشركة أن تختار بين الوفاء بعقود التوريد الخارجية وبين السوق السورية؟
المسألة أخطر حين نتحدث عن الماء، فسورية بلد شحيح المياه يعاني من تراجع تدفقات الفرات، ومن استنزاف حاد للمياه الجوفية في الجزيرة، وهو استنزاف كان أحد أسباب انهيار الزراعة في سنوات الجفاف التي سبقت 2011. ومع ذلك يعلن مشروع «بلدنا» أنه سيعتمد على مياه الفرات والمياه الجوفية في مشروع يمتد على 2,400 كيلومتر مربع، ولزراعة القطن والسكر، وهما من أكثر المحاصيل استهلاكاً للماء. وحين سنصدر القطن أو العلف سنصدر معه ضمنياً كميات هائلة من المياه التي استهلكها المحصول. 
ثم هناك البذار. ومن الجدير بالذكر هنا أن سورية كانت قد طورت على مدى عقود منظومة وطنية للبحوث الزراعية وإكثار البذار، وحافظ فلاحوها على أصناف محلية من القمح متأقلمة مع الجفاف والحرارة، كالقمح الحوراني. وقد تعرضت هذه المنظومة لضربات قاسية خلال الحرب، وانتقل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) من حلب إلى خارج البلاد. والزراعة التعاقدية تأتي عادة ببذارها الخاصة، وهي أصناف هجينة أو محسنة مسجلة باسم الشركات، لا يستطيع الفلاح إعادة زراعتها من محصوله، فيضطر إلى شرائها كل موسم. وهكذا تنتقل السيطرة على أول حلقة في سلسلة الغذاء من يد الفلاح والدولة إلى يد الشركة، وتتآكل الأصناف المحلية التي هي جزء من الثروة الوطنية.
أما القمح، الذي يحتفي الإعلام الرسمي بعودة إنتاجه إلى ما بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين طن في 2026 بعد أن انهار إلى أقل من مليون طن في 2025، فوضعه في ظل هذا النموذج هش. فإذا عرضت الشركات على المزارعين عقوداً لمحاصيل أعلى ربحاً ستتقلص مساحات القمح. وإذا تعاقدت على القمح نفسه، فإن جزءاً من المحصول سيخرج من دائرة المؤسسة السورية للحبوب، أي من المخزون الاستراتيجي الذي يصنع منه الخبز المدعوم، ليدخل في حسابات شركة خاصة ستكون قادرة على بيعه للدولة بسعر السوق، أو تصدره إن كان ذلك أربح.
وأخيراً، الأرض. فالأراضي التي ستقيم عليها «بلدنا» مشروعها الأكبر في الرقة ودير الزور هي أراض مستأجرة من الدولة، أي أن أملاكاً عامة في الجزيرة، كان يمكن أن توزع على الفلاحين المعدمين والعمال الزراعيين أو أن تستثمر في مزارع عامة وتعاونية، سوف تسلم لشركة أجنبية لسنوات طويلة. أما «آلاف فرص العمل» الموعودة فهي في أغلبها وظائف موسمية هشة لأبناء المنطقة نفسها، يعملون أجراء في أرض كان من الممكن أن تكون لهم. وحين يضاف إلى ذلك مسار الاستدانة الذي ينتهي غالباً ببيع الفلاح الصغير أرضه أو تأجيرها، تتضح الصورة من حيث أننا أمام إعادة تركيز للملكية الزراعية في سورية، بعد أكثر من ستة عقود على الإصلاح الزراعي، لكن هذه المرة لمصلحة رأس المال العابر للحدود.


البدائل موجودة لكنها تحتاج قراراً سياسياً


نقد نموذج الزراعة التعاقدية مع رأس المال الأجنبي لا يعني بحال من الأحوال الدفاع عن الوضع القائم، ولا الحنين إلى الزراعة في زمن الأسد بما فيها من فساد هائل وبيروقراطية، وقد دفع الفلاح السوري ثمن ذلك النموذج أيضاً، ولا سيما حين بدأت السلطة السابقة في منتصف العقد الأول من الألفية تفكيك الدعم الزراعي باسم «اقتصاد السوق الاجتماعي»، فرفعت أسعار المازوت والأسمدة، وتركت مئات آلاف الأسر في الجزيرة تواجه الجفاف وحدها، فنزحت إلى أحزمة الفقر حول المدن. والمفارقة أن ما يُطرح اليوم هو استكمال لذلك المسار النيوليبرالي ذاته، بأدوات أكثر خطورة.
البديل يبدأ من قلب الأولويات، حيث يجب أن تخدم الزراعة السورية موائد السوريين أولاً وقبل أي اعتبار آخر. ولهذا لا بد من خطة وطنية بديلة تتضمن أهدافاً كمية ملزمة للاكتفاء من القمح والشعير والبقوليات والزيوت والأعلاف اللازمة للثروة الحيوانية المحلية، وألا يسمح بتصدير أي محصول استراتيجي إلا بعد تأمين الحاجة المحلية ومخزون احتياطي يكفي لمدة محددة تشكل بديلاً في أوقات الجفاف.
وبهذا المعنى ينبغي تثبيت دور الدولة كمشتري وضامن، ولهذا ينبغي أن تعلن الدولة قبل موسم الزراعة أسعار شراء تأشيرية مجزية للمحاصيل الاستراتيجية، تغطي التكاليف وتضمن هامشاً لائقاً للفلاح، وأن تسدد قيمتها بسرعة وبقيمة لا تأكلها تقلبات العملة، وأن توسع هذا النظام ليشمل العدس والحمص والشوندر السكري المخصص للصناعة الوطنية. هذه هي «الزراعة التعاقدية» الوحيدة المقبولة: عقد بين الفلاح ودولته، غايته إطعام السوريين لا تكديس الأرباح في جيوب المستثمرين الخارجيين.
وعلى هذه الأرضية ينبغي إعادة بناء الحركة التعاونية الزراعية على أسس ديمقراطية، حيث ينبغي أن تكون هناك جمعيات ينتخب الفلاحون قياداتها بحرية، وهي التي تملك الآلات والمستودعات ووحدات التصنيع الأولي، وتتفاوض بشكلٍ جماعي على الأسعار والمستلزمات.
كما يجب الاهتمام بالمصرف الزراعي التعاوني بوصفه أداة تنمية وليس مؤسسة ربحية، وإعادة تأهيل المؤسسة العامة لإكثار البذار ومراكز البحوث الزراعية الوطنية، واستعادة نسخ الأصول الوراثية السورية المحفوظة في بنوك البذار خارج البلاد، ودعم الأصناف المحلية المقاومة للجفاف، ومنع احتكار الشركات للبذار المتداولة في السوق السورية. ويجب وضع خطة مائية وطنية تقدم المحاصيل الغذائية على المحاصيل التصديرية الشرهة للماء، وتدعم تقنيات الري الحديث في حقول الفلاحين الصغار والتعاونيات لا في المزارع الشاسعة للشركات، وتضع ضوابط صارمة على سحب المياه الجوفية.
وقبل أي شيء، يجب وقف تأجير أراضي أملاك الدولة لشركات أجنبية لعقود طويلة، وتخصيصها بدلاً من ذلك للفلاحين المعدمين والعمال الزراعيين والتعاونيات بعقود استثمار طويلة الأجل، مع حظر تملك المستثمرين الأجانب للأراضي الزراعية، وسقف للحيازة يمنع إعادة تركيزها في أيدي عدد محدود من الشركات. وأي عقد مع مستثمر يجب أن ينشر علناً، وأن يتضمن حداً أدنى ملزماً للأسعار، وأن يمنع الرفض التعسفي للمحاصيل، وأن يحظر تصدير المحاصيل الاستراتيجية ما دامت البلاد تعاني عجزاً فيها.
قد يقول قائل إن الدولة السورية الخارجة من الحرب لا تملك الموارد لتنفيذ خطة كهذه. والجواب أن المسألة مسألة أولويات قبل أن تكون مسألة موارد. فالدولة التي تجد الأرض والماء لتقدمهما للمستثمرين، قادرة على تقديمهما لفلاحيها. وما يمنح لاستقطاب المستثمرين من إعفاءات وتسهيلات وأراض ببدلات رمزية، يمكن أن يذهب إلى دعم الإنتاج الوطني.
وفي المحصلة، ما يطرح في سورية اليوم ليس خياراً بين نموذجين للإنتاج، بل خيار سياسي حول سؤال واحد: من يقرر ماذا يزرع السوريون ولمصلحة من؟ إما أن يبقى هذا القرار في يد الفلاحين ودولتهم ومؤسساتهم، وإما أن ينتقل تدريجياً، عقداً بعد عقد ومذكرة تفاهم بعد أخرى، إلى شركات خارجية.

الاقتصاد السوري