Skip to main content

يحتاج العالم فائض الصين التجاري ومدخراتها...

 |  قاسيون  |  اقتصاد

لا يعيش العالم اليوم مجرد صعود دولة جديدة، أو تراجع دولة قديمة. ما يحدث أوسع من ذلك بكثير. فمركز الثقل الاقتصادي العالمي يتحرك من جديد نحو آسيا، بعد قرنين تقريباً من الهيمنة الغربية، فيما تدخل الطاقة والتجارة والاستثمار مرحلة مختلفة جذرياً عما عرفه الاقتصاد العالمي منذ الثورة الصناعية.

جيفري ساكس


السردية الغربية الشائعة تصف الصين باعتبارها قوة «تصعد» بسرعة غير مسبوقة، لكن التاريخ يقدم صورة مختلفة. فخلال معظم القرون الماضية، كانت آسيا مركزاً أساسياً للاقتصاد العالمي، وكانت الصين والهند مجتمعتين تمثلان في فترات طويلة ما بين 40 و50 % من سكان العالم وناتجه.
الاستثناء التاريخي لم يكن قوة آسيا، بل ضعفها في القرنين التاسع عشر والعشرين.
مع الثورة الصناعية، وتوسع الإمبراطوريات الأوروبية، انتقل مركز الاقتصاد العالمي إلى شمال الأطلسي. توسعت بريطانيا في القرن التاسع عشر حتى أصبحت أكبر إمبراطورية في العالم، ثم خرجت أوروبا منهكة من حربين عالميتين، لتتولى الولايات المتحدة مركز القوة الاقتصادية والسياسية الرئيسية.
خلال تلك المرحلة، تراجعت حصة آسيا من الناتج العالمي بصورة حادة. وانخفضت من نحو 60 % في أوائل القرن التاسع عشر إلى نحو 20 % منتصف القرن العشرين. اليوم يسير الاتجاه في الطريق المعاكس.


آسيا تعود إلى موقعها القديم


تمثل آسيا نحو 60 % من سكان العالم، واقتربت حصتها من نصف الناتج العالمي. ومن المرجح أن تستمر هذه النسبة في الارتفاع خلال السنوات المقبلة.
الصين كانت المحرك الأكبر لهذه العودة خلال العقود الأخيرة، بينما بدأت الهند تحقق معدلات نمو أسرع، ما يعني أن الثقل الآسيوي لن يعتمد على اقتصاد واحد فقط...
هنا تقع المشكلة بالنسبة إلى واشنطن.
بُني جزء كبير من التفكير الاستراتيجي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية على افتراض: أن الولايات المتحدة ستبقى القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وأن قدرتها على تحديد قواعد النظام الدولي ستظل شبه ثابتة.
لكن الصين كسرت هذا الافتراض.
وفق معيار تعادل القوة الشرائية، أصبح حجم الاقتصاد الصيني أكبر من الاقتصاد الأمريكي. كما أصبحت الصين صاحبة الحجم الأكبر في عدد واسع من الصناعات، من التصنيع التقليدي... إلى السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية.
رد واشنطن كان محاولة إبطاء الصين.
ظهرت القيود التجارية والتكنولوجية، ثم توسعت إلى حرب رسوم جمركية، وسياسات تستهدف سلاسل التوريد والاستثمارات والتكنولوجيا المتقدمة.
لكن المشكلة، أن احتواء اقتصاد بحجم الصين يختلف جذرياً عن احتواء اقتصاد صغير يعتمد على السوق الأمريكية.
الصين، تمتلك سوقاً داخلية ضخمة، وقاعدة صناعية واسعة، وعلاقات تجارية مع معظم مناطق العالم، كما أصبحت مكونات صينية كثيرة ضرورية لسلاسل الإنتاج نفسها، التي تريد واشنطن تقليل الاعتماد عليها.
لهذا لم تعد المواجهة التجارية مسألة يستطيع فيها طرف فرض شروطه بسهولة.


المعركة التالية هي... الطاقة


إذا كانت الثورة الصناعية الأولى قد قامت على الفحم والبخار، ثم أصبح النفط أساس النظام الصناعي خلال القرن العشرين، فإن العقود المقبلة ستدور حول الكهرباء النظيفة، والبطاريات، والشبكات الذكية، والسيارات الكهربائية، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح.
وهنا تظهر إعادة توازن ثانية.
فالصين، لا تنافس فقط على حصة من الاقتصاد القائم، بل بنت موقعاً قيادياً داخل قطاعات يفترض أن تشكل جانباً كبيراً من الاقتصاد المستقبلي.
هي أكبر منتج للألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، وتملك سلاسل توريد واسعة في تقنيات الطاقة النظيفة. كما تستطيع الجمع بين الإنتاج الصناعي الضخم، وانخفاض التكلفة والبنية التحتية والتمويل.
وهذه النقطة الأخيرة قد تكون الأكثر أهمية.
فالانتقال العالمي نحو الطاقة النظيفة لا يحتاج إلى التكنولوجيا وحدها. يحتاج أيضاً إلى تريليونات الدولارات من الاستثمارات، خصوصاً في الدول النامية التي تحتاج إلى شبكات كهرباء، ومصانع وبنية تحتية ونقل حديث، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة المالية لتمويل هذه المشاريع وحدها.
وهنا يدخل الفائض التجاري الصيني إلى الصورة.


هل الفائض التجاري مشكلة فعلاً؟


تتعرض الصين باستمرار للانتقاد بسبب فائضها التجاري الكبير.
الحجة التقليدية، تقول: إن الصين تنتج أكثر مما تستهلك، وتبيع الفائض إلى الخارج، بينما تعاني دول، مثل: الولايات المتحدة من عجز تجاري واسع. ومن هنا تظهر مطالب، بأن تعيد بكين «موازنة» اقتصادها عبر زيادة الاستهلاك، وتقليل الادخار، وخفض فوائضها الخارجية.
لكن هذه القراءة تبدأ من التجارة وتنتهي عند التجارة، فيما توجد خلف الأرقام معادلة اقتصادية أعمق.
الفائض التجاري يرتبط بالفرق بين الادخار والاستثمار.
عندما تدخر دولة أكثر مما تستثمر داخل اقتصادها، يظهر الفائض على شكل أموال واستثمارات تتجه إلى الخارج. أما الدولة التي تنفق أكثر مما تدخر، فتحتاج إلى جذب الأموال من الخارج، ويظهر ذلك غالباً في صورة عجز تجاري.
الصين، دولة مرتفعة الادخار. الولايات المتحدة دولة منخفضة الادخار. لذلك ليس من الضروري أن يكون تقليص الفائض الصيني هدفاً بحد ذاته، بل يمكن أن يتحول إلى ميزة عالمية، إذا جرى استخدام الأموال الفائضة في تمويل استثمارات إنتاجية خارج الصين.
من تصدير السلع إلى تصدير القدرة على الإنتاج...
أكملت الصين جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية الأساسية. لديها شبكات قطارات ومدن وموانئ وطرق وقدرات كهربائية وصناعية على نطاق ضخم.
وهذا يعني، أن كل دولار إضافي من المدخرات لا يحتاج بالضرورة إلى الاستثمار داخل الصين. يمكن توجيه جزء أكبر منه إلى الخارج. وهنا قد تتغير طبيعة الدور الصيني في الاقتصاد العالمي.
بدلاً من أن تبيع الصين للدول الأفريقية مثلاً الألواح الشمسية فقط، تستطيع أن توفر التمويل اللازم لبناء محطات الطاقة نفسها. وبدلاً من تصدير السيارات الكهربائية فحسب، يمكنها تمويل مصانع التجميع وسلاسل توريد البطاريات والمكونات محلياً.
بهذا المعنى، لا يعود الفائض التجاري مجرد رقم في ميزان التجارة، بل يصبح أداة لتمويل البنية التحتية والصناعة في دول أخرى. هذه النقلة مهمة خصوصاً للدول النامية. فالعديد من هذه الاقتصادات تحتاج إلى الاستثمار، لكن تكلفة التمويل لديها مرتفعة، وأسواق رأس المال الغربية لا توفر دائماً الأموال طويلة الأجل بشروط تسمح ببناء مشاريع بنية تحتية كبيرة.
إذا استطاعت الصين الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والمعدات والإنتاج المحلي، فإنها ستتحول من مجرد أكبر مصنع في العالم إلى أحد أكبر ممولي إعادة بناء البنية الصناعية العالمية.


لماذا لا يكون الاستهلاك الأمريكي نموذجاً؟


يُطلب من الصين كثيراً أن تتحول إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الاستهلاك، على غرار الولايات المتحدة. لكن زيادة الاستهلاك ليست هدفاً اقتصادياً مستقلاً. الدول تحتاج إلى الاستهلاك، لكنها تحتاج أيضاً إلى الادخار. فمن دون المدخرات لا توجد أموال كافية لبناء السكك الحديدية، ومحطات الكهرباء، والمصانع، والمدارس والبنية التحتية الرقمية، ولا لتمويل التحوّل إلى الطاقة النظيفة.
الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة سيحتاج إلى استثمارات هائلة. ولهذا قد تكون قدرة الصين على الادخار ميزة أكثر منها اختلالاً.
السؤال الحقيقي، ليس مقدار الفائض التجاري، بل أين تذهب المدخرات الناتجة عنه؟ إذا بقيت الأموال في أصول مالية غير منتجة، ستكون فائدتها محدودة.
أما إذا تحولت إلى استثمارات في الطاقة والنقل والصناعة ورأس المال البشري، فإن الفائض نفسه يصبح جزءاً من عملية التنمية العالمية.


المشكلة ليست من سيكون «الأول»


ينتهي النقاش هنا إلى سؤال سياسي أكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة قبول عالم لم تعد فيه القوة الأولى الوحيدة؟
جزء كبير من الصراع مع الصين بدأ لأن واشنطن نظرت إلى نمو الاقتصاد الصيني بوصفه تهديداً استراتيجياً، لا بوصفه نتيجة طبيعية لتحول اقتصاد يضم أكثر من مليار نسمة إلى اقتصاد صناعي متقدم.
لكن المنافسة على المركز الأول قد تصبح أقل أهمية مع تغير المزاج داخل الولايات المتحدة نفسها. الناخب الذي يواجه أسعاراً مرتفعة للسكن والرعاية الصحية والطاقة، قد لا يهتم كثيراً بما إذا كان اقتصاد بلاده يحتل المرتبة الأولى، أو الثانية في جدول عالمي. وإذا تراجع هوس الهيمنة، يمكن أن تظهر مساحة مختلفة للعلاقات الدولية.
عندها لن يكون السؤال: كيف تمنع أمريكا الصين من النمو؟ ولا كيف تزيح الصين أمريكا؟ بل كيف تعمل اقتصادات كبرى داخل نظام متعدد الأقطاب، يحتاج إلى الاستثمار أكثر مما يحتاج إلى الحروب التجارية؟