Skip to main content

طريق الاقتصاد السوري إلى الهاوية «بإدارة البنك الدولي»

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

في 18 تشرين الأول، وعلى هامش الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في العاصمة التايلاندية بانكوك، أعلنت وزارة الخارجية السورية اتفاقها مع مجموعة البنك الدولي على إنشاء «الصندوق الائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سورية»، المعروف اختصاراً بـ«ستارت START». الصندوق، بحسب البيان المشترك، متعدد المانحين، ويفترض أن يقدم التمويل الميسر وضمانات الاستثمار والدعم الفني وبناء القدرات، على أن يتولى البنك الدولي إدارته، وأن يعمل «ضمن إطار مؤسسي يخضع لسياسات البنك الدولي وإجراءاته». 

كما هي العادة، جرى تقديم الإعلان للرأي العام بوصفه إنجازاً، ووصفه وزير المالية محمد يسر برنية بأنه محطة مهمة في مسار التعافي. غير أن من يقرأ البيان بتمعن لا يعثر فيه على رقم واحد عن الحجم المتوقع الصندوق، ولا على جدول زمني لبدء عمله، ولا حتى على قائمة أولية بالمشاريع ذات الأولوية. ما نعثر عليه في المقابل هو إلحاح لافت على «تمويل وجذب الاستثمارات الخاصة» و«دعم القطاع الخاص» و«تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتحفيز تمويل الاستثمارات». هكذا، وفي بلد قدر البنك الدولي نفسه كلفة إعادة بناء أصوله المادية المدمرة بنحو 216 مليار دولار، يولد صندوق «الإعمار» الأول دون أي تفاصيل معلنة، لكن بهوية واضحة تماماً، هي هوية السوق.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً تقنياً بحتاً، فالصناديق الائتمانية متعددة المانحين أداة مألوفة في عالم المساعدات الدولية. لكن السؤال الجوهري هنا ليس تقنياً على الإطلاق، فمن يملك القرار في تحديد وجهة الأموال التي يزعم أنها ستعيد بناء سورية، ومن يرسم ملامح النموذج الاقتصادي الذي سيعيش في ظله السوريون لعقود قادمة؟ 
عملياً، حين تسلم إدارة الصندوق لمؤسسة سيئة الصيت مقرها واشنطن، وتخضع آلياته لسياساتها وإجراءاتها، تتحول عبارة «بما يتسق مع الأولويات المحددة من الدولة السورية» إلى ديباجة دبلوماسية لا ضمانة سيادية. فإعادة الإعمار هي لحظة إعادة توزيع كبرى للثروة في البلاد، وستقرر شكل الاقتصاد الوطني لعقود قادمة.


سيادة معلقة على «سياسات وإجراءات» الآخرين


يحمل البيان المشترك تناقضاً داخلياً فجاً. فهو يقول من جهة إن الصندوق سيعمل «بما يتسق مع الأولويات المحددة من الدولة السورية»، ويقول من جهة أخرى إنه سيعمل ضمن إطار يخضع لسياسات البنك الدولي وإجراءاته. والسؤال البديهي هنا، ماذا يحدث حين تتعارض «الأولويات السورية» مع «سياسات البنك»؟ يدرك أي مبتدأ في السياسة والاقتصاد أن الجواب معروف سلفاً، حيث أن الجهة التي تمسك المال وتديره هي التي تكتب القواعد، وهي «المعلم» الذي يحدد آلية اختيار المشاريع وشروط التمويل وقواعد المناقصات وأطر قياس النتائج. 
التحكم بقواعد المشتريات وحدها كفيلة بإعادة رسم خريطة المستفيدين من الإعمار، فالمناقصات الدولية المفتوحة التي يعتمدها البنك في العقود الكبيرة تميل بطبيعتها لمصلحة الشركات الكبرى العابرة للحدود ومكاتب الاستشارات الدولية، لا لمصلحة المؤسسات العامة الوطنية أو المقاولين المحليين الصغار.
وفقاً للمعلومات المتداولة إعلامياً، فإن ترتيبات الحوكمة الخاصة بالصندوق ما زالت قيد الإعداد. أي أننا نقف أمام اتفاق دون أن يعرف أحد حتى الآن من سيجلس في لجنته التوجيهية وما وزن الطرف السوري فيها.
جدير بالذكر أن أولى التعهدات المعلنة للصندوق جاءت من النرويج بنحو 90 مليون كرونة ومن هولندا بنحو 15 مليون يورو (ما مجموعه نحو 26 مليون دولار)، بما يعادل جزءاً من عشرة آلاف من كلفة الإعمار التي قدرها البنك نفسه. وبينما نشهد انخفاضاً عالمياً في إنفاق الدول على مثل هذه الصناديق نتيجة الأزمات الداخلية لكل منها، يبقى المال الحقيقي المطلوب، أي مئات المليارات، رهناً بما يقرره المستثمرون الخاصون، وهو بالضبط ما يدفع إليه البيان حين يتحدث عن «ضمانات الاستثمار». وهنا جوهر المسألة: ضمانات الاستثمار تعني عملياً أن يستخدم المال العام، سواء أكان سورياً أم من المانحين، لتأمين أرباح رأس المال الخاص ضد المخاطر، ما يعني أن شعار «الأرباح خاصة، والمخاطر عامة» قد رسخ نفسه مجدداً في البلاد.
ولا تأتي الإدارة بالمجان. ففي تجربة بنغلادش مع «صندوق الصمود في وجه التغير المناخي BCCRF» الذي أداره البنك الدولي، أعلن البنك نفسه أن مجموع ما يتقاضاه لقاء إدارة الصندوق والمشاريع بلغ 3.4% من الموارد.
يقال لنا عادة لتبرير هذا الخيار المجحف بحق شعوب «دول الجنوب» إن المانحين لا يثقون بالمؤسسات الوطنية، وإن البنك يوفر «ضمانات ائتمانية» ومعايير شفافية، لكن التجربة العالمية تكذب الادعاء بأن البنك الدولي هو الخيار الوحيد، فثمة صناديق متعددة المانحين أديرت وطنياً بنجاح وتحت رقابة شعبية.
في البرازيل، أحدثت الحكومة الوطنية «صندوق الأمازون» عام 2008، وتديره مؤسسة عامة وطنية هي «بنك التنمية الاقتصادية والاجتماعية BNDES»، وهو من يتولى جمع الموارد وإبرام العقود ومتابعة المشاريع والإفصاح عن نتائجها. وقد تلقى الصندوق مساهمات ضخمة من النرويج وألمانيا وغيرها. واللافت أن لجنته التوجيهية ضمت ممثلين عن الفلاحين والسكان الأصليين والحركات الاجتماعية في البلاد، وحين حاولت حكومة بولسونارو عام 2019 تقليص هذا التمثيل، دافع المانحون أنفسهم عن البنية الوطنية للصندوق وأعلنوا رضاهم عن إدارة البنك البرازيلي له.

وفي إندونيسيا، أنشئ «الصندوق الائتماني الإندونيسي للتغير المناخي ICCTF» عام 2009 تحت مظلة وزارة التخطيط الوطني، وأداره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤقتاً، قبل أن يتحول عام 2015 إلى صندوق تديره جهة وطنية بالكامل، مع تعيين بنك «مانديري» المملوك للدولة مديراً وطنياً له. وقبل ذلك، تمت إدارة صندوق لإعادة إعمار بعض المناطق المتضررة من تسونامي عام 2004 من خلال هيئة وطنية للتأهيل وإعادة الإعمار جمعت منح المانحين وأدارتها.
أما بنغلادش، فقدمت درساً أكثر جذرية. حيث أصر المانحون على أن يدير البنك الدولي صندوق المناخ متعدد المانحين، رغم اعتراضات شعبية طالبت بتحويل الأموال مباشرة إلى الدولة. فأنشأت الحكومة صندوقها الوطني الممول محلياً، وخصصت له ما يعادل نحو 400 مليون دولار، ثم رفضت لاحقاً تمرير 13 مليون جنيه إسترليني من المساعدات البريطانية عبر البنك الدولي، لينتهي الأمر بإغلاق الصندوق الذي يديره البنك الدولي.
موضوع المساءلة هنا شديد الأهمية، فالمؤسسة الوطنية العامة، مهما كانت عيوبها، يمكن نظرياً استدعاء مسؤوليها، وإخضاع حساباتها لجهاز رقابة مالية، وفتح ملفاتها أمام الصحافة والقضاء. أما البنك الدولي فهو غير مسؤول أمام الشعب السوري، بل أمام مجلس محافظيه ومديريه التنفيذيين، حيث تتوزع الأصوات بحسب الحصص المالية، وحيث تملك الولايات المتحدة وحدها الكتلة التصويتية الأكبر. وآليات التظلم التي يتيحها البنك، كـ«هيئة التفتيش» ومعايير «إشراك أصحاب المصلحة»، تقتصر على المشاريع الممولة من الصندوق، ولا تمنح المجتمع السوري أي سلطة على التوجهات الكبرى.


سجل لا ينسى... حين «ساعدت» المؤسستان دول الجنوب


لم يولد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مؤسستين محايدتين. فمنذ مؤتمر بريتون وودز عام 1944، بنيت آلية التصويت فيهما على أساس الحصص المالية لا على أساس عدد الدول أو سكانها، ما منح الدول الكبرى، والولايات المتحدة تحديداً، اليد العليا في قراراتهما. وعلى هذا الأساس صيغت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، الوصفة التي عرفت لاحقاً بـ«توافق واشنطن»، والتي تقوم على خفض الإنفاق العام، وإلغاء الدعم، وتحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال، وخصخصة المؤسسات العامة، وتعويم العملات، وتقديم القطاع الخاص بوصفه محرك التنمية.
مع انفجار أزمة الديون في أمريكا الجنوبية عام 1982، فرضت المؤسسات الدولية «برامج التكيف الهيكلي» شرطاً للحصول على القروض وإعادة جدولة القروض القديمة. وكانت النتيجة ما بات يعرف في أدبيات التنمية بـ«العقد الضائع»، حيث تراجعت مداخيل الفرد أو ركدت في معظم دول القارة، وانهارت الأجور الحقيقية، واتسعت أحزمة الفقر حول المدن. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، فرضت البرامج ذاتها رسوماً على الخدمات الصحية والتعليمية تحت مسمى «استرداد الكلفة»، فخرج ملايين الأطفال من المدارس وابتعد الفقراء عن المستشفيات، إلى أن اضطر البنك الدولي نفسه لاحقاً إلى التراجع عن الدفاع عن تلك الرسوم. وفي دول كثيرة، أفضى تحرير التجارة السريع إلى تفكيك صناعات وطنية ناشئة لم تقوى على المنافسة.
وفي منطقتنا، ارتبطت هذه الوصفات بانتفاضات الخبز. ففي كانون الثاني 1977، خرج المصريون إلى الشوارع حين رفعت حكومة السادات أسعار السلع الأساسية في سياق مفاوضاتها مع صندوق النقد، فاضطرت إلى التراجع. وتكرر المشهد في المغرب عام 1981، وفي تونس شتاء 1983، وفي الأردن في 1989 حين اندلعت هبة معان إثر رفع الأسعار ضمن برنامج متفق عليه مع الصندوق.
وتبقى الأزمة الآسيوية عام 1997 المثال الأكثر فضحاً. فقد فرض صندوق النقد على إندونيسيا تقشفاً مالياً ورفعاً حاداً لأسعار الفائدة وإغلاقاً متسرعاً للمصارف، فتحولت الأزمة المالية إلى كارثة اجتماعية. وفي أيار 1998، جاء رفع أسعار الوقود ضمن التزامات البرنامج ليشعل احتجاجات واسعة انتهت بسقوط الرئيس حاجي سوهارتو. في المقابل، رفضت ماليزيا وصفة الصندوق وفرضت قيوداً على حركة رؤوس الأموال، فخرجت من الأزمة بخسائر أقل.

وفي بوليفيا، تحولت خصخصة المياه إلى رمز عالمي للنيوليبرالية المتوحشة التي تتبناها المؤسسات الدولية. فقد جرى، تحت ضغط من البنك الدولي الذي ربط تمويلاته بشروط مجحفة، منح امتياز مياه مدينة كوتشابامبا عام 1999 لتحالف شركات تقوده شركة تابعة لعملاق المقاولات الأمريكي «بكتل Bechtel»، فارتفعت الفواتير بشكل حاد، حتى صار الفقراء يدفعون جزءاً أساسياً من دخلهم ثمناً للماء. وفي نيسان 2000، اندلعت «حرب المياه»، وأجبرت الانتفاضة الشعبية الحكومة على إلغاء العقد. ولم تنته القصة هنا، إذ رفعت الشركة دعوى تحكيم ضد بوليفيا أمام «المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار»، وهو هيئة تابعة لمجموعة البنك الدولي نفسها، أي أن المؤسسة التي دفعت نحو الخصخصة هي ذاتها التي تتحكم بمحاسبة الدول التي تتراجع عنها!
ثم جاءت الأرجنتين، «التلميذة النجيبة» للصندوق في التسعينيات، والتي طبقت الخصخصة الشاملة وربطت عملتها بالدولار، لتنهار في كانون الأول 2001 في واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية الاجتماعية في تاريخ القارة. 
وفي مصر، وقعت الحكومة عام 2016 اتفاقاً مع صندوق النقد بقيمة 12 مليار دولار، تضمن تعويم الجنيه الذي فقد نحو نصف قيمته، وخفض دعم الطاقة، وفرض ضريبة القيمة المضافة. وبعد عامين فقط، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن نسبة الفقر بلغت 32.5% في 2017-2018، مقارنة بـ27.8% في 2015. ثم عادت القاهرة إلى الصندوق مرة تلو الأخرى، ما أوقعها في حلقة مديونية لا تنتهي.
وفي أوروبا نفسها، لم تسلم اليونان من الوصفة حين فرضت عليها «الترويكا»، التي كان صندوق النقد ضلعاً فيها، تقشفاً قاسياً منذ 2010، فانكمش اقتصادها بنحو ربع حجمه، وتجاوزت البطالة فيها 27%، قبل أن يقر الصندوق في تقييم داخلي لاحق بأنه قلل من تقدير الأثر الانكماشي للتقشف. لكن الاعتراف لم يغير جوهر المقاربة، بل غير لغتها فقط. فمنذ عام 2017، تبنى البنك الدولي ما يسميه «تعظيم التمويل من أجل التنمية» أو «مقاربة الشلال»، ومفادها أن الأولوية في أي مشروع تنموي هي البحث عن تمويل خاص، وألا يلجأ إلى التمويل العام إلا حين يتعذر ذلك، مع استخدام المال العام لـ«تخفيف المخاطر» عن المستثمرين. 
ولمن يتساءل عن مصدر الإلحاح على «القطاع الخاص» و«ضمانات الاستثمار» في بيان صندوق «ستارت» في سورية، فالسبب هو أن لغة البيان ليست سورية، بل هي لغة البنك الدولي بحرفيتها. وما يبقى ثابتاً في هذه التجارب كلها أن الوصفة نفسها تقدم لكل الدول، بصرف النظر عن تاريخها وبنيتها وحاجات شعبها، وأن كلفتها تقع دائماً على الطبقة الفقيرة بينما تتركز المكاسب في أيدي قلة محلية مرتبطة برأس المال العالمي.


من «التعاون الفني» إلى مقعد القيادة... وتجربتنا الخاصة


لم يهبط صندوق «ستارت» من السماء. إنه الحلقة الأحدث في سلسلة خطوات صغيرة بدت كل واحدة منها، منفردة، بريئة وتقنية. ففي تشرين الأول 2025، شارك أول وفد سوري في الاجتماعات السنوية للمؤسستين في واشنطن، وأعلن وزير المالية بعدها الاتفاق على ست بعثات فنية من البنك الدولي في قطاعات الطاقة والمياه والتعليم والصحة والنقل وإدارة المالية العامة، وعلى افتتاح مكتب للبنك في دمشق وتعيين ممثل مقيم لصندوق النقد. وفي الشهر نفسه، وصلت بعثة من إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد لتقديم «المساعدة الفنية» في إعداد موازنة الدولة.
ثم تسارعت الوتيرة. ففي تشرين الثاني 2025، أعلن صندوق النقد عن «برنامج مكثف» للانخراط والمساعدة الفنية يشمل صياغة قوانين جديدة للقطاع المالي، ووضع تشريعات ضريبية جديدة، واستراتيجية للتعامل مع الديون. وفي الشهر نفسه، زار وفد من البنك الدولي برئاسة نائب رئيسه لمنطقة الشرق الأوسط عثمان ديون دمشق، وأعلن البنك أن مقاربته في سورية تشمل مساعدة الحكومة على إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين وتعزيز استثمارات القطاع الخاص. أي أن «ستارت» كان على جدول أعمال البنك قبل عام كامل من إعلانه. وفي شباط 2026، أعلن الصندوق دعم «خطة التحول الاستراتيجي 2026-2030» لوزارة المالية، وفي تموز أشار إلى أن السلطات طلبت استئناف مشاورات المادة الرابعة المتوقفة منذ عام 2009 (مشاورات المادة الرابعة هي المراجعات السنوية التي يجريها الصندوق لتقييم سياسات الدول الأعضاء، وتعمل عملياً كأداة رقابية وسياسية تخدم مصالح دول المركز).
هكذا يعمل «التعاون الفني»، فمن يكتب قانون الضريبة، ويصوغ الموازنة، ويضع استراتيجية الدين، ويحدد أولويات الإنفاق، هو في الحقيقة من يرسم ملامح الاقتصاد ووجهته غصباً عن إرادة السوريين. واليوم، وصلنا إلى المرحلة التي يجلس فيها البنك في مقعد القيادة لإطار الإعمار نفسه، ما يمنحه دوراً حاسماً في تحديد توجهات الاقتصاد الوطني، وفي مقدمها التركيز المبالغ فيه على القطاع الخاص، ويصادر حق السوريين في أن يقرروا هم طبيعة النموذج الاقتصادي لبلادهم بعد عقود من الاستبداد والحرب.
الأخطر أن سورية جربت هذه الوصفة سابقاً. فقبل 2011، ورغم أن دمشق لم توقع أي برنامج قروض مع صندوق النقد، لكن سلطة الأسد طبقت جوهر وصفته طوعاً وبصمت تحت شعار «اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي تبنته الخطة الخمسية العاشرة (2006-2010)، بما في ذلك تحرير التجارة وفتح القطاع المصرفي وتراجع دور الدولة الاستثماري. وفي أيار 2008، رفع السلطة سعر ليتر المازوت من 7 ليرات إلى 25 ليرة دفعة واحدة. وقد سجل صندوق النقد في بيان ختام مشاورات المادة الرابعة لذلك العام أن السلطات أطلقت برنامجاً للتخلص التدريجي من دعم المشتقات النفطية، وأن سعر المازوت ارتفع بنسبة 240%. ورغم أن السوريين يذكرون جيداً ما حدث للأسر من تراجع حاد في قدرتها على تحمل تكاليف المعيشة، خلص المجلس التنفيذي لصندوق النقد في كانون الثاني 2009 إلى أن أداء الاقتصاد السوري الكلي كان «قوياً». وفي مشاورات 2009، حث الصندوق دمشق على تسريع هذا الاتجاه ومواصلة «ترشيد» منظومة الدعم، والمضي في تحرير التجارة، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة. وقد شاهد جميعها النتيجة في انفجار عام 2011.
الفارق الوحيد بين الأمس واليوم أن الوصفة كانت تطبق سورياً، فيما تأتي اليوم بإدارة مباشرة من واشنطن وبمؤسسات معلنة. أي أننا لا نكرر التجربة فحسب، بل نكررها في نسخة أشد إحكاماً، ودون أن نسأل أنفسنا عما أوصلتنا إليه في المرة الأولى في عهد بشار الأسد.
صندوق الإعمار يجب أن يكون سورياً في إدارته وقراره، تحت رقابة شعبية صارمة، وبعقود منشورة أمام السوريين، وبتمثيل حقيقي لنقابات منتخبة ولمجالس محلية منتخبة، وأن تكون أولوياته إعادة بناء الخدمات العامة، وصون حقوق السوريين، وإحياء القطاعات الإنتاجية العامة، وتمويل الإعمار بضرائب تصاعدية لا بضرائب استهلاك تثقل كاهل الفقراء. أما تسليم المفتاح لواشنطن، فليس سوى إعادة إنتاج للطريق الذي أوصلنا، قبل خمسة عشر عاماً، إلى الهاوية.

الاقتصاد السوري