في شهر آب الماضي، توقع وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، أن ينمو الاقتصاد السوري بنسبة 11.3% خلال عام 2026، بينما قدر البنك الدولي النمو المتوقع بما بين 8 و10%، وهو، إذا تحقق، أعلى معدل نمو في البلاد منذ عام 1996. تبدو هذه الأرقام مدعاة للتفاؤل. لكنها تطرح سؤالاً أكثر أهمية من حجم النمو ذاته، وهو من سيحصل على ثمار هذا النمو المفترض؟ فبين ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتحسن حياة السوريين مسافة لا تقطعها النسب المئوية وحدها، وإنما تحددها السياسات الاقتصادية ونمط توزيع الثروة وطبيعة القطاعات التي تستقطب الاستثمار، وقدرة المجتمع على إخضاع النشاط الاقتصادي لأولوياته، حيث يمكن للاقتصاد أن ينتج قيمة أكبر، فيما تظل أكثرية السوريين عاجزة عن شراء ضرورياتها. وعندئذ لا تكون المشكلة في أن النمو لم يحدث، بل في أنه حدث داخل بنية تجعل مكاسبه تتجمع في الأعلى فقط.
تزداد أهمية هذه المسألة في سورية لأن الفقر ليس ظاهرة هامشية يمكن احتواؤها ببرامج صغيرة على هامش السياسة الاقتصادية. وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP يعيش نحو 90% من السوريين في الفقر، وحين يبلغ الحرمان هذا الاتساع، ينبغي أن تكون معيشة الأغلبية من السكان معياراً لصياغة النموذج الاقتصادي كله، حيث لا يمكن اعتبار المجتمع متعافياً لمجرد تحسن أرقام النمو، بينما تستمر الأسر في الاستدانة لتغطية تكاليف المعيشة المتزايدة.
وتقدم تجارب الدول الخارجة من الحروب تحذيراً واضحاً من اختزال التعافي في رقم النمو، فقد تسجل الاقتصادات قفزات استثنائية نتيجة استئناف استخراج النفط، أو عودة مرافق متوقفة دون أن يؤسس تحسن رقم النمو لتحسن اجتماعي واسع ومستدام. ومن هنا، فإن العدالة الاجتماعية ينبغي أن تكون شرطاً لتوجيه مرحلة إعادة الإعمار منذ بدايتها.
ما الذي يقوله النمو؟ وما الذي يخفيه؟
يقيس نمو الناتج المحلي الإجمالي التغير في حجم الإنتاج بعد استبعاد أثر تغير الأسعار. وهذه معلومة أساسية لفهم اتجاه الاقتصاد، لكنها لا تجيب وحدها عن كيفية توزيع الدخل الناتج عنه. فقد تتوسع القيمة المضافة في قطاعات محددة، وتذهب الزيادة أساساً إلى أصحاب الأرباح، بينما تبقى أجور العاملين راكدة أو متراجعة من حيث قيمتها الحقيقية. وقد يتحسن متوسط الناتج للفرد، فيما لا تتحسن دخول أكثرية الناس، لأن المتوسط يجمع الدخول المرتفعة والمنخفضة في رقم واحد. لذلك، فإن استخدامه بوصفه مؤشراً لمعيشة الأسرة العادية يحمله معنى غير دقيق.
وتبرز في الاقتصادات المدمرة مشكلة قاعدة المقارنة المنخفضة. على سبيل المثال، إذا انخفض إنتاج اقتصاد ما من 100 وحدة إلى 20، ثم نما بنسبة 10%، فإنه يصل إلى 22 وحدة فقط. ما يعني أن النسبة مرتفعة، لكن الاقتصاد ما يزال فاقداً معظم قدرته السابقة. وحتى العودة من 20 إلى 100 تتطلب نمواً تراكمياً قدره 400%، وليس 80%. لذلك، فإن تسجيل معدل استثنائي بعد انهيار طويل أسهل من تسجيل معدل متواضع في اقتصاد مستقر.
وهنا ينبغي التمييز بين استعادة طاقة إنتاجية متوقفة وبين بناء قدرة إنتاجية جديدة، فإعادة تشغيل معمل معطل من شأنها أن ترفع الناتج فعلاً، لكنها لا تعني بالضرورة تحديث آلاته، أو تحسين شروط العمل فيه. وكذلك، فإن عودة إنتاج النفط تستطيع دفع مؤشر الناتج بسرعة، بينما لا تخلق بذاتها قدرات تشغيل جديدة تناسب متطلبات مرحلة التعافي. وعليه، فإن «التعافي الأولي» يفتح فرصة لكنه لا يحدد طريقة استخدامها، وسوف تضيع الفرصة إذا استهلكت الإيرادات الجديدة في الاستيراد والإنفاق الريعي، بدلاً من تحويلها إلى استثمارات توسع الإنتاج والعمل والخدمات على المدى الطويل.
ثم تأتي طبيعة القطاعات التي تقود زيادة النمو، فالقيمة المضافة في مشروع سياحي فاخر تدخل الحسابات مثل القيمة المضافة في إنتاج الغذاء، لكن المشروعين لا يؤديان الوظيفة الاجتماعية نفسها. ويمكن لمشروع بناء مرتفع الكلفة أن يستخدم عمالاً لفترة محدودة، ثم ينتهي إلى عقارات لا يستطيع معظم السكان شراءها أو استئجارها. أما الاستثمار في الري والصناعة الغذائية والنقل العام، فقد يرفع الإنتاج ويخفض تكاليف المعيشة معاً. ولهذا، لا تكفي معرفة مقدار الاستثمار، إنما ينبغي معرفة محتواه المحلي وفرص العمل التي يخلقها واستمراريتها.
وحتى عندما يكون النمو حقيقياً، فإن أثره على القوة الشرائية يتوقف على مداخيل الأسر وأسعار ما تستهلكه تحديداً، حيث يجب مقارنة زيادة الأجر الاسمي بزيادة كلفة معيشة صاحبه، فارتفاع الإنتاج لا يمنع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات، كما أن زيادة عدد السكان المقيمين، بما في ذلك عودة اللاجئين، تعني أن ارتفاع الناتج الإجمالي لا ينتقل بالنسبة نفسها إلى نصيب الفرد، عدا عن اختلاف توزيع هذا النصيب. لذلك، يجب أن يقترن أي حديث عن النمو بأسئلة عن الأجور الحقيقية، وحصة العمل من الدخل، ومستويات التشغيل المستقر، ومدى القدرة على الوصول إلى الخدمات.
دروس ما بعد الحرب: القفزات لا تضمن الخروج من الفقر
تصلح التجربة الليبية لتوضيح كيف يمكن لرقم هائل أن يقول أقل مما توحي به ضخامته. ففي تقييمه المنشور عام 2013، قدر صندوق النقد الدولي انكماش الناتج الحقيقي الليبي بنحو 62.1% عام 2011، ثم نموه بنسبة 104.5% عام 2012، مع استعادة معظم إنتاج المحروقات. أما اجتماعياً، فقد أظهر تقرير للبنك الدولي عن سوق العمل الليبية ارتفاع البطالة من 13.5% عام 2010 إلى 19% عام 2012، ما يثبت أن قفزة تتجاوز الـ100% لا تكفي للبرهنة على تحسن سوق العمل مقارنة بما قبل الحرب.
وليست ليبيا مثالاً على سلام مستقر اكتملت شروطه ثم فشل اقتصادياً، حيث ظل مسارها السياسي والأمني هشاً، وتجددت الحرب لاحقاً. وهذا جزء من الدرس، إذ أن «التعافي» الذي يعتمد على تشغيل مورد واحد يبقى معرضاً للتوقف عند تعطل إنتاجه أو تصديره.
وتقدم أنغولا، التي انتهت حربها الأهلية عام 2002، درساً آخر حول حدود الطفرة النفطية. يسجل موجز للبنك الدولي نمواً سنوياً لنصيب الفرد من الناتج بلغ 8.5% خلال أعوام 2003 - 2008، وهو معدل مرتفع حتى قبل النظر إلى نمو الاقتصاد الإجمالي. ومع ذلك، يوضح تقييم الفقر لعام 2020 أن نسبة من يعيشون دون خط 1.90 دولار يومياً، وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2011، تراجعت بصورة محدودة من 32.3% عام 2000 إلى نحو 30.1% عام 2008 فقط، ما يعني أن توسع الدخل الوطني المرتبط بالموارد الطبيعية قد يكون أسرع كثيراً من تحسن دخل الأسر الأشد فقراً. وتكشف المؤشرات الخدمية إلى أي مدى يمكن أن يكون رقم النمو مؤشراً مضللاً، ففي وثيقة للبنك الدولي عام 2017، ورد أن نحو نصف الأنغوليين فقط كانوا يحصلون على مصادر مياه ومرافق صرف صحي محسنة، رغم ما حققته البلاد من تقدم اقتصادي واجتماعي سابق.
وهنا ننتقل إلى سؤال مفتاحي في نقاش مسألة النمو، وهو لماذا تنتج وحدة النمو أثراً اجتماعياً أكبر في ظروف وأقل في أخرى؟ يرتبط الجواب فعلياً بموقع الفقراء داخل الاقتصاد. فإذا كانوا يعملون في أنشطة منخفضة الإنتاجية، ولا يصل إليهم التمويل أو الري أو التعليم والخدمات، فسوف تتوسع القطاعات التي تقود النمو بعيداً عنهم. وإذا ارتفعت دخولهم وازدادت قدرتهم الإنتاجية، أصبحوا مشاركين في النمو ومستفيدين منه.

نموذج اقتصادي يبدأ من السوريين ومن مؤشرات معيشتهم
يبدأ البديل بتغيير ترتيب الأولويات، حيث ينبغي أن تكون الغاية هي ضمان حياة كريمة للسوريين، وأن يتم النظر للنمو بوصفه وسيلة لتوسيع القدرة على تحقيقها. وبناءً عليه، ينبغي أن تتقدم على غيرها مؤشرات استعادة الغذاء والطاقة والمياه والسكن والتعليم والصحة والعمل اللائق. وهذا خيار سياسي - اقتصادي يعيد بناء البشر والقدرات التي يحتاج إليها الإنتاج.
ويتطلب ذلك تخطيطاً عاماً معلناً يربط الموارد المتاحة بحاجات محددة وقابلة للقياس. والأسئلة التي تهدف إلى تحسين حياة السوريين ينبغي أن تقود اختيار المشروعات، بدلاً من ترك الخريطة الاقتصادية تتشكل بحسب العائد الخاص الأسرع. فربحية المشروع للمستثمر لا تساوي منفعته للمجتمع، والكثير من مشاريع البنية التحتية الضرورية ضعيفة الإيراد التجاري، لكنها تخفض تكاليف آلاف المنتجين والأسر.
ويحتاج هذا التوجه إلى قطاع عام قادر على الاستثمار والتشغيل، خصوصاً في المرافق والقطاعات الاستراتيجية. لكن الدفاع عن الملكية العامة يتطلب حمايتها من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة، عبر حسابات منشورة، ورقابة مستقلة، وتمثيل نقابي. كما ينبغي الفصل بين خسارة سببها تكليف اجتماعي تموله الموازنة بشفافية، وخسارة سببها هدر أو فساد يجب محاسبته واجتثاثه. أما بيع أصل عام بسبب ضعف إدارته، دون تقييم البدائل، فيحول مشكلة قابلة للإصلاح إلى فقدان دائم لمورد، ويجعل المجتمع يدفع لاحقاً ثمن الخدمة وفق شروط مالك احتكاري.
وفي سوق العمل، يجب أن تصبح زيادة الأجر الحقيقي هدفاً معلناً، لا نتيجة تترك للمفاوضة غير المتكافئة بين عامل محتاج وصاحب عمل قوي. ويتطلب ذلك مساراً لرفع الأجور يراعي تكاليف المعيشة، وتوسيع التأمينات، وحماية التنظيم النقابي ومنع التحايل على حقوق العاملين.
وتمويل هذه الأولويات يطرح مسألة توزيع العبء الضريبي. فليس عادلاً الاعتماد بصورة متزايدة على ضرائب ورسوم الاستهلاك التي يدفعها الفقير من إنفاقه الضروري، بينما تحصل الأرباح الكبيرة والريع على إعفاءات واسعة. المطلوب نظام تصاعدي يميز بين منتج صغير يحتاج إلى النمو ومالك ثروة يستفيد من الندرة والمضاربة. ويشمل ذلك تحسين تحصيل الضرائب على الدخول والأرباح المرتفعة، ومكافحة التهرب الضريبي، وتقييم كلفة الإعفاءات ونتائجها.
وفي الزراعة والصناعة، ينبغي توجيه الاستثمار والتسهيلات نحو توسيع الإنتاج الضروري وفرص العمل والروابط بين القطاعات. يحتاج المزارع إلى مياه ومدخلات وتمويل وتسويق ومدفوعات في موعدها، كما يحتاج المصنع إلى كهرباء ونقل وسوق وقدرة على تجديد معداته. ومن هنا أهمية المصارف العامة والتمويل التنموي والتعاونيات والمشتريات الحكومية. ويمكن استخدام حماية تجارية انتقائية ومؤقتة، مرتبطة بتحسين الإنتاجية والجودة، حتى لا تتحول إلى حماية احتكارات محلية ترفع الأسعار على الفقراء.
أما الحماية الاجتماعية فيجب أن تتجاوز معالجة الحالات الأشد بؤساً بعد وقوع الضرر. حين يكون الفقر واسعاً، تصبح الخدمات العامة الشاملة أساساً أكثر متانة من برامج ضيقة قد تستبعد محتاجين بسبب ضعف التسجيل والوثائق. يستطيع الدعم النقدي مساعدة الأسر الأكثر هشاشة، لكنه لا يعوض عن مستشفى غير متاحة أو مدرسة مدمرة أو سوق سكن منفلتة. لذلك ينبغي توسيع السكن الميسر والنقل العام والرعاية الصحية والتعليم، وحماية حقوق النازحين والعائدين في السكن والملكية.
وأخيراً، يحتاج هذا النموذج إلى رقابة شعبية ومعلومات تسمح بالمحاسبة. وأن تقاس كفاءة المسؤولين بقدرتهم على تحسين هذه النتائج، لا بـ«براعتهم» في إعلان رقم جذاب. كما من حق السوريين ألا يشاهدوا اقتصاداً ينمو من بعيد، بل المشاركة في تقرير وجهته والحصول على نصيب عادل من ثماره والعيش بكرامة لا تتوقف على «سخاء» أصحاب الأرباح.
