Skip to main content

بلاد دون أهلها: الوجه الطبقي لـ«إعادة إعمار» سورية

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

يجري اليوم تقديم الأبراج الجديدة والمجمعات السكنية الفاخرة والواجهات البحرية بوصفها صوراً لمستقبل سوري مزدهر. لكن سؤالاً صغيراً يغفله أصحاب هذه الصور كلها وهو أين يقف السوريون أنفسهم في هذا المستقبل؟ وهل سيدخلون إلى هذه المدن والمجمعات الفاخرة المفترضة أم سيقفون عند أبوابها ممنوعين من الدخول إليها؟ في شباط 2025، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون في الفقر، وأن نحو ثلث الوحدات السكنية دمرت بالكامل أو تضررت بشدة خلال الحرب. هذه هي نقطة الانطلاق التي ينبغي أن تحكم ترتيب الأولويات على الصعيد الاقتصادي في البلاد، لا الصورة المزيفة التي يريد المستثمرون عرضها في بروشورات المبيعات.

في تشرين الأول 2025، قدر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سورية بنحو 216 مليار دولار، منها 82 ملياراً للبنية التحتية و75 ملياراً للمباني السكنية. وأمام حاجات بهذا الحجم، يصبح السؤال ملحاً: ما الذي نخسره اليوم حين يجري توجيه الأرض والخدمات والتسهيلات نحو مشروع عقاري فاخر، بينما تترك حاجات أكثر إلحاحاً دون تمويل أو اهتمام يذكر.
تكشف التجارب السلبية لعمليات إعادة الإعمار حول العالم أن تركيز الجهود الحكومية على القطاع العقاري وحده لن يؤدي فقط إلى تأخر القطاعات الاقتصادية الإنتاجية الأكثر أولوية، إنما يعيد التوزيع داخل المدن ذاتها، ويمنح رؤوس الأموال الأقوى سلطة واسعة في تحديد من يبقى في هذه المدن ومن يرحل عنها. وعليه، ينبغي لنا أن نفهم إلى أي نموذج إعماري تسير البلاد اليوم، هل سنعيد إعمار بلدٍ يستطيع شعبه العيش فيه؟ أم سيكونون هم الضحية الأولى لمشاريع الإعمار الزائفة؟


مليارات على الورق وأولويات مقلوبة على الأرض


منذ سقوط السلطة السابقة، اكتسبت الإعلانات عن المشاريع العقارية الفاخرة وظيفة تجاوزت قطاع البناء ذاته، وصارت تستخدم بكثافة كمؤشر على بداية التعافي الاقتصادي. وتتكرر في البيانات الرسمية فكرة واحدة تقريباً، وهي أن هذه المشاريع ستكون محركات لتوليد فرص العمل، غير أن قراءة تفاصيل هذه المشاريع تكشف مسافة هائلة بينها وبين حاجات السوريين الفعلية، فمن مشروع «أبراج دمشق» إلى «أبراج البرامكة» إلى «برج الجوهرة» إلى «بوليفارد النصر» في حمص وغيرها، اتضح أولاً أن الكثير من هذه المشاريع وهمية وهدفها لا يتعدى التسويق الإعلامي للشركات التي تقف خلفها. 
ثم جاءت المرحلة الأكبر. فقد وقع الصندوق السيادي السوري مع مجموعة Arada الإماراتية اتفاقاً لتطوير مشروع «دمشق الجديدة» بنحو 7 مليارات دولار على مساحة 4 ملايين متر مربع غرب العاصمة، يضم نحو 11 ألف وحدة بين شقق وفلل ومنازل متلاصقة و«مساكن تحمل علامات تجارية»، إلى جانب 500 غرفة فندقية وألف شقة فندقية. 
وفي تشرين الأول الماضي، وقعت شركة «إيغل هيلز» التابعة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس شركة «إعمار»، اتفاقاً إطارياً لمشاريع سكنية وسياحية في دمشق واللاذقية قيل إن قيمتها الإجمالية تصل إلى 17 مليار دولار، أولها «أبراج التضامن» في دمشق، ومشروع سياحي على الساحل يتضمن مرسى لليخوت. 
وفي ريف دمشق، كانت قد أطلقت شركة «أبيات» السعودية مشروعي «أبيات هيلز» في قدسيا بأكثر من ألفي وحدة، و«التجمع العمراني الحديث» في البجاع على ستة ملايين متر مربع ونحو عشرين ألف وحدة، والأرض في الحالتين أرض مستملكة من أصحابها الفعليين.
وكي نفهم لمن تبنى هذه المشاريع، يكفي النظر إلى أسعار الوحدات فيها. حيث تعرض شقة من 155 متراً مربعاً في أحد أبراج «ماروتا سيتي» بنحو 354 ألف دولار، ويبلغ سعر المتر في برج آخر 1600 دولار، ما يعني أن السوري متوسط الحال قد يحتاج إلى أكثر من أربعة قرون من دخله الكامل، دون أن يأكل أو يشرب، لشراء شقة واحدة.
يقول المدافعون عن هذه المشاريع إنها ستخلق عشرات آلاف الوظائف. لكن الوظائف في قطاع البناء مؤقتة بطبيعتها، تنتهي بانتهاء الصب والإكساء، ولا تبني مهارات صناعية متراكمة، ولا تولد صادرات تدخل عملة صعبة. وحين تكتمل الأبراج، لا يبقى منها سوى حراس وعمال نظافة وموظفي استقبال في فنادق لا يرتادها السوريون، حيث أن العقار الفاخر ليس اقتصاداً، بل مخزن للثروة. وحين يكون الاقتصاد الحقيقي مدمراً بشكل شبه كامل، والإنتاج الزراعي في أدنى مستوياته منذ عقود، والمصانع متوقفة، فإن توجيه الاستثمار الأجنبي نحو أبراج الترف لا يمكن أن يكون إلا مؤشر على عقلية في إدارة البلاد لا تقيس النجاح إلا بمقدار رضا المستثمرين.


دروس من مدن ما بعد الحروب: الإعمار تهجيراً ثانياً


ليست سورية أول بلد يقال لشعبه بعد الحرب إن الأبراج هي طريق النهوض. فقد سبقتها دول عدة، وتركت تجاربها أثراً متشابهاً على نحو لافت، حيث جرى نزع ملكيات الفقراء، وتسليم الأراضي التي تملكها الحكومة للمستثمرين، وما تلا ذلك من انفجار فقاعات عقارية، وتكريس مدن أشباح لا يقدر أحد على السكن فيها.
التجربة الأقرب جغرافياً وسياسياً هي بيروت. فحين خرج لبنان من خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، جرى تأسيس شركة «سوليدير» عام 1994 ومنحت صلاحيات استثنائية لدمج آلاف العقارات المجزأة في وسط المدينة ضمن شركة واحدة، وتعويض المالكين بأسهم بدلاً من عقاراتهم. 
كان وسط بيروت قبل الحرب فضاء تجارياً شعبياً يختلط فيه الناس من كل الطبقات، وكانت حقوق الملكية والإيجار متشابكة لدرجة أن الدعاوى القانونية الفردية قاربت ربع مليون دعوى. وحين أعطيت الفرصة للشركة للعمل، فرضت كلفاً عالية وجداول زمنية سريعة دفعت المالكين إلى القبول بالأسهم، بينما أكد كثيرون منهم ومحاموهم أن عقاراتهم جرى تقييمها بأقل بكثير من قيمتها. 
وعلى هذا النحو، هدمت أبنية تاريخية كاملة، ونشأ مكانها حي من المصارف ومتاجر الأزياء والمجمعات التجارية، فارغ من الحياة فعلياً. وبعد ثلاثة عقود، ما تزال الشركة تحتفظ بنحو 1.35 مليون متر مربع من الأرض غير المطورة «بانتظار ظروف سوق أفضل»، فيما بقيت أجزاء واسعة من وسط بيروت ميتة.
وفي أنغولا، انتهت حرب أهلية دامت 27 عاماً في 2002، وتدفقت عائدات النفط، فارتفع الطلب على الأرض في العاصمة لواندا لمشاريع سكنية مخصصة للأثرياء. ووثقت عدة منظمات قانونية دولية عمليات إخلاء قسري متكررة تركّزت جنوب العاصمة حيث الضغط الأكبر على الأرض لصالح مشاريع الإسكان الفاخر، ومنها مشروع «نوفا فيدا». 
وفي تموز 2009 وحده، أخليت نحو ثلاثة آلاف أسرة من حيين متجاورين وهدمت بيوتها لإقامة مجمع سكني فاخر، على يد الشرطة والجنود والحرس الرئاسي. وفي الوقت نفسه، شيدت مدينة «كيلامبا» الجديدة بنحو 3.5 مليار دولار، وضمّت 750 مبنى سكنياً. لكن الشقق عرضت بأسعار بين 120 و200 ألف دولار في بلد يعيش ثلثا سكانه بأقل من دولارين يومياً، فلم يبع بعد قرابة عام سوى 220 شقة من أصل 2800، وتحولت المدينة عملياً إلى مدينة أشباح.
في سريلانكا، وبعد انتهاء الحرب عام 2009، جرى وضع التطوير العقاري تحت سلطة وزارة الدفاع، وأطلقت سلطة التنمية الحضرية «مشروع التجديد الحضري» لجعل مدينة كولومبو «مدينة عالمية المستوى» خالية من الأحياء الفقيرة، مستهدفة نقل نحو 65 ألف أسرة. وكانت النتيجة أحياء فقيرة عمودية تتكدس فيها الأسر، مع تفكك الروابط المجتمعية وفقدان مصادر الرزق وتراكم الديون، فيما فتحت الأراضي الخالية من السكان في وسط المدينة أمام المراكز التجارية والمشاريع المختلطة.
من هذه التجارب وغيرها، يمكن استخلاص ثلاثة قوانين تتكرر بانتظام. الأول أن الإعمار الذي يقوده الربح يبدأ دائماً بالهدم ونزع الملكية، وغالباً ما تستخدم فيه أدوات القوة المسلحة والقوانين التي تتنافى مع الحق الطبيعي للناس لإزاحة السكان الفقراء الذين يصورون بوصفهم عائقاً أمام «التنمية». الثاني، هو أن الأرض العامة والأرض المستملكة تتحول إلى غنيمة للمستثمرين، فيعاد توزيع الثروة الوطنية من الأسفل إلى الأعلى تحت شعار إعادة الإعمار. والثالث، أن الاقتصاد الذي راهن على التطوير العقاري وحدة قد بنى فقاعة فعلياً تنهار عند أول صدمة. 
وفي هذه الحالات جميعها تحول «الإعمار» إلى إحلال طبقي، حيث طرد العمال والفقراء والنازحين من المركز إلى الأطراف، واستبدلهم بطبقة جديدة من الأثرياء والمستثمرين والأجانب. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يقلق السوريين اليوم، وفي بلادهم ملايين البيوت المدمرة، والكثير والكثير من المهجرين الذين لا يملكون وثائق تثبت ملكياتهم.


ما تحتاجه سورية فعلاً... الأرض والمعمل قبل البرج


تبدأ الأولوية السورية من استعادة القدرة على إنتاج ضروريات الحياة. وتمتلك البلاد أراضي خصبة في مناطق متعددة، وتنوعاً مناخياً وخبرات زراعية وصناعية متراكمة. لكن تحويل هذه المقومات إلى تعافٍ يحتاج إلى استثمارات منظمة، لا إلى التعامل معها كمخزون طبيعي يعمل تلقائياً. فالأنهار والمياه الجوفية تتعرض لضغوط، والجفاف يهدد انتظام الإنتاج، وشبكات الري تحتاج إلى تأهيل. لذلك ينبغي أن تكون استراتيجية الانطلاق زراعية وصناعية مترابطة، تقودها الدولة بأهداف واضحة للأمن الغذائي والتشغيل والدخل، وتوزع مواردها وفق الحاجة الاجتماعية والجدوى الإنتاجية.
توضح وثيقة البرنامج الوطني للأمن الغذائي، المستضافة لدى منظمة الأغذية والزراعة، أن مساهمة الزراعة في سنوات سابقة للحرب دارت حول 21 - 25% من الناتج، وأن تقديرات العمالة الزراعية تراوحت بين 20 و25% من قوة العمل. وهي نسب تاريخية تتغير باختلاف السنة والمناخ، لكنها تكشف حجم القاعدة القائمة. والمطلوب استعادة حجم الإنتاج والدخل والإنتاجية وتجاوزها، لا رفع النسبة حسابياً بسبب انكماش القطاعات الأخرى. فلا قيمة لزيادة وزن الزراعة في اقتصاد يزداد فقراً.
وتؤكد بيانات أحدث أن الإمكانية الزراعية لم تختف تماماً. تقول التقديرات الرسمية اليوم إن إنتاج القمح في الموسم الحالي بلغ نحو 2.7 مليون طن، مع تعافٍ كبير بعد موسم الجفاف السابق، بينما تتوقع منظمة «الفاو» استمرار الحاجة إلى استيراد نحو مليوني طن من القمح خلال موسم التسويق 2026 - 2027. تكشف هذه الصورة أن تحسن الأمطار قادر على رفع الإنتاج، لكنه لا يلغي العجز تماماً. وبالتالي، فإن الاستثمار المطلوب هو ما يقلل ارتهان الغذاء لتقلب المطر، ويجعل تحسن الموسم قاعدة مستقرة قدر الإمكان.
عملياً، يبدأ ذلك بإصلاح قنوات الري ومحطات الضخ وشبكات الصرف، وتوفير المعدات والبذار المناسبة والإرشاد الزراعي، وبناء مرافق التبريد والتخزين والتوضيب. وينبغي أن تدار المياه وفق موارد الأحواض وقدرتها على التجدد، مع اختيار تقنيات ومحاصيل تلائم كل منطقة. فالري الحديث لا يعالج المشكلة إذا ترافق مع توسع غير مضبوط في السحب الجوفي.
ولا تكتمل السياسة الزراعية دون حماية دخل الفلاح. فالمزارع يحتاج إلى سعر مجزٍ، ومدفوعات في موعدها، وقدرة على تمويل الموسم التالي، وحماية من احتكار المدخلات والتسويق. 
وتقود استعادة الزراعة إلى استعادة الصناعة إذا صممت السياسة حول حلقات إنتاج متكاملة. فالخضار والفاكهة تحتاج إلى التعليب والتجفيف والتبريد، والحليب إلى التصنيع والنقل الآمن، والثروة الحيوانية إلى الأعلاف والخدمات البيطرية والجلود. وفي دراسة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2026، برزت الأغذية المعلبة والألبان والجلود بوصفها سلاسل ذات أولوية، استناداً إلى معايير تشمل التشغيل والقيمة المضافة وتقليل التبعية الخارجية. 
وتمتد الضرورة إلى الغزل والنسيج والأدوية والكيماويات ومواد البناء والحرف اليدوية. المطلوب خريطة للطاقات القابلة للتشغيل، تعطي الأولوية للإصلاحات التي تستعيد إنتاجاً سريعاً بكلفة معقولة، مع تحديث تدريجي للمعدات ومعايير الجودة. وتحتاج هذه المنشآت إلى طاقة منتظمة وتمويل تشغيلي وتدريب مهني ومشتريات عامة داعمة. كما تحتاج إلى سياسة تجارية تمنح الإنتاج المتعافي فرصة للنهوض، بدلاً من تعريضه فوراً لمنافسة لا تتكافأ فيها شروط التمويل والطاقة والتكنولوجيا.
أما البناء، فينبغي أن تقوده الدولة باعتباره برنامجاً لتلبية حاجة اجتماعية ودعم الإنتاج. وهذا يعني تأهيل الأحياء القائمة حيث يمكن ذلك، وبناء مساكن ميسرة قرب فرص العمل والنقل، وتوسيع المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء. ولا تقتضي القيادة أن تنفذ الدولة كل متر بنفسها، إنما أن تحتفظ بتحديد الأهداف والملكية الاستراتيجية ومعايير التسعير والتخصيص والرقابة.
المعيار النهائي ينبغي أن يكون هو قدرة الاقتصاد على توفير حياة كريمة للمواطن. حيث تحتاج سورية إلى إعادة بناء تضمن إعادة توزيع الثروة وإعادة الاعتبار للحقوق الاجتماعية. أما ما نراه اليوم من مشاريع قائمة على انتظار المشترين الأثرياء، فهو لا يفعل شيئاً سوى أنه يراكم أسباب هشاشة جديدة فوق خراب قديم.

الاقتصاد السوري