تواجه الأرجنتين اليوم اختباراً جديداً. منذ وصول خافيير ميلي إلى الحكم، انخفض التضخم السنوي من أكثر من 200% في نهاية 2023 إلى نحو 32.5% في مطلع 2026، وحققت الحكومة فوائض مالية متتالية. لكن هذه المؤشرات لم تنعكس بالقدر نفسه على حياة الناس.
إميليانو لوبيز
فقد ارتفعت نسبة الفقر في النصف الأول من 2026 إلى 32.3%، بينما انكمش الناتج المحلي في الربع الثاني، واستمرت الصناعة التحويلية تحت الضغط. وانخفض التضخم، وتحسنت حسابات الدولة، لكن السؤال يبقى: من أين سيأتي النمو؟ ومن يدفع ثمن هذا الاستقرار؟
لفهم المشكلة، يجب النظر إلى الأرجنتين على مستويين: السياسات التي تتغير من حكومة إلى أخرى، والبنية الاقتصادية التي تكاد لا تتغير منذ أكثر من قرن.
منذ أواخر القرن التاسع عشر، اندمجت الأرجنتين وأمريكا اللاتينية عموماً في الاقتصاد العالمي باعتبارها مناطق لتصدير المواد الأولية. وقد منح هذا النموذج قطاعات، مثل: الزراعة، ولاحقاً التعدين والطاقة، قدرة عالية على المنافسة عالمياً، لكنه حدّ من تطور قاعدة صناعية متنوعة.
هذا هو جوهر المشكلة الأرجنتينية. فالبلاد تمتلك قطاعات تصديرية قوية، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على استيراد الآلات والسلع الصناعية ومستلزمات الإنتاج. وكلما نما الاقتصاد، ارتفعت الحاجة إلى الاستيراد، بينما تبقى مصادر العملات الأجنبية مرتبطة أساساً بصادرات المواد الأولية. وعندما لا تكفي الدولارات لتغطية الواردات، تظهر الأزمة من جديد.
لهذا لا يمكن تفسير أزمات الأرجنتين فقط بالعجز المالي، أو بطباعة النقود.
لماذا يعود التضخم دائماً؟
للتضخم في الأرجنتين أكثر من سبب.
أولاً: أسعار الغذاء مرتبطة بالأسواق الدولية. الأرجنتين دولة مصدرة للحبوب والمنتجات الزراعية، وهي في الوقت نفسه مواد يستهلكها المواطن يومياً. لذلك عندما ترتفع أسعار السلع عالمياً، تنتقل آثارها سريعاً إلى الداخل.
ثانياً: هناك صراع مستمر حول توزيع الدخل. تتمتع الأرجنتين بنقابات قوية نسبياً، ويطالب العمال بزيادات في الأجور عندما ترتفع الأسعار، بينما تحاول الشركات الحفاظ على هوامش أرباحها عبر رفع الأسعار. وهكذا يمكن أن تتغذى الأجور والأسعار على بعضها.
لكن العامل الأعمق هو ضعف البنية الإنتاجية. فالاقتصاد الذي لا يستطيع إنتاج ما يحتاجه داخلياً، يصبح حساساً دائماً لسعر الصرف، ولتوفر العملات الأجنبية.
من هنا، لا أعتقد أن المشكلة الأرجنتينية يمكن اختزالها في قول: الدولة تنفق أكثر من اللازم. الولايات المتحدة مثلاً: تعاني عجزاً مالياً وتجارياً ضخماً منذ سنوات، لكنها لا تدخل الأزمات نفسها، لأنها تَشغل موقعاً مختلفاً تماماً في النظام المالي والاقتصادي العالمي.
إذن، موقع الدولة في الاقتصاد العالمي وقدرتها الإنتاجية مهمان بقدر أهمية الموازنة، وربما أكثر.
ميلي يخفض التضخم.. لكن كيف؟
تعتمد حكومة ميلي برنامجاً نيوليبرالياً تقليدياً: خفض كبير في الإنفاق العام، وتحرير التجارة، وفتح الحسابات الرأسمالية، وزيادة مرونة سوق العمل. هذه السياسات يمكن أن تحسن بعض المؤشرات بسرعة. لكن السؤال هو: بأي ثمن؟
أحد أسباب تراجع التضخم هو الضغط على الأجور. في القطاعين العام والخاص، لم تلحق أجور كثير من العمال بارتفاع الأسعار، وكانت الفئات العاملة بشكل غير رسمي الأكثر تضرراً. عندما تنخفض القدرة الشرائية، يضعف الطلب، وهذا يساعد بطبيعته على تخفيف التضخم.
العامل الثاني هو سعر الصرف. تحاول الحكومة الحفاظ على قدر من الاستقرار فيه حتى لا تنتقل الأسعار العالمية إلى السوق المحلية بسرعة.
لكن إذا أصبح سعر الصرف غير متناسب مع قدرة المنتج المحلي على المنافسة، تصبح الواردات أرخص نسبياً، بينما تجد المصانع الأرجنتينية صعوبة أكبر في مواجهة السلع الأجنبية. وهنا تظهر المفارقة: قد يتحقق استقرار الأسعار جزئياً على حساب الإنتاج المحلي.
لهذا لا تكفي عبارة «التضخم انخفض» لإعلان النجاح. علينا أن نسأل أيضاً: ماذا حدث للأجور؟ للوظائف؟ للفقر؟ وللمصانع؟
إذا كان التضخم ينخفض بينما تتراجع القدرة الصناعية وترتفع معدلات الفقر، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً.
الخطر الأكبر: إزالة التصنيع
الصناعة التحويلية ليست قطاعاً عادياً. هي التي تخلق شبكات من الموردين، وتولد وظائف بمستويات مهارة مختلفة، وتربط أجزاء واسعة من الاقتصاد بعضها ببعض.
قد تحقق الزراعة والطاقة والتعدين عوائد تصديرية كبيرة، لكنها لا تخلق دائماً العدد نفسه من الوظائف، ولا تولد الروابط الإنتاجية نفسها التي تخلقها الصناعة. ولهذا، إن تسارع إغلاق المصانع، أو استبدال الإنتاج المحلي بالواردات، يمثل خطراً طويل الأجل.
قد تبدو الحسابات الخارجية أفضل بفضل صادرات النفط، أو الغاز، أو الحبوب، لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاد كله أصبح أقوى. إذا أصبحت الأرجنتين أكثر نجاحاً في تصدير الموارد، وفي الوقت نفسه أضعف في تصنيع السلع، فإنها تكرر المشكلة التاريخية نفسها.
امتلاك الليثيوم لا يكفي
ينطبق الأمر نفسه على الموارد الجديدة، مثل: الليثيوم. امتلاك المناجم لا يعني امتلاك الصناعة. القيمة الأعلى لا توجد فقط في استخراج الليثيوم، بل في تكريره، وتصنيع المواد، وإنتاج البطاريات، ثم أنظمة تخزين الطاقة والسيارات الكهربائية.
إذا اكتفت الأرجنتين بتصدير الخام، واستوردت المنتجات النهائية، فستبقى داخل الحلقة نفسها: تصدر مورداً منخفض التصنيع، وتشتري منتجات أعلى قيمة. لذلك تحتاج البلاد إلى استراتيجية طويلة الأجل، تربط الموارد بالبنية التحتية، والتكنولوجيا، والصناعة المحلية.
ولا يعني ذلك أن الدولة يجب أن تنتج كل شيء بنفسها، لكن عليها أن تحدد الاتجاه، وتدعم بناء القدرات، وتضمن أن جزءاً أكبر من القيمة يبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وهنا يمكن دراسة التجربة الصينية. فالصين لم تبنِ صناعات البطاريات مثلاً... لأنها تمتلك الموارد وحدها، بل لأنها طورت تدريجياً التصنيع والمعالجة والبحث والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
لا يمكن نسخ النموذج الصيني حرفياً، لكن يمكن الاستفادة من فكرته الأساسية: الأسواق وحدها لا تبني دائماً القدرة الصناعية، تحتاج التنمية إلى تخطيط طويل الأجل.
لماذا يصعد اليمين؟
صعود ميلي لا يمكن فصله عن أزمة أوسع في أمريكا اللاتينية. هناك ثلاثة عوامل رئيسية.
الأول: جيوسياسي. المنافسة بين الولايات المتحدة والصين جعلت الموارد اللاتينية، من الطاقة إلى المعادن الاستراتيجية، أكثر أهمية. وتحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها في المنطقة.
الثاني: اقتصادي واجتماعي. عقود من السياسات النيوليبرالية أضعفت قدرة الدولة والخدمات العامة، بينما لم يحصل كثير من الناس على وظائف مستقرة، أو دخل كافٍ أو مستقبل واضح.
الثالث: هو فشل بعض القوى التقدمية نفسها في تقديم مشروع تنموي طويل المدى. بعض الحكومات فازت بالانتخابات، لكنها اكتفت بإدارة النظام القائم، من دون أن تمنح الناس شعوراً بوجود مستقبل مختلف.
وهنا يدخل اليمين المتطرف ويقول: المشكلة هي الدولة نفسها. يمثل ميلي نسخة أكثر راديكالية من هذا الخطاب. فهو لا يكتفي بالدعوة إلى حكومة أصغر، بل يربط الحرية الاقتصادية بتقليص دور الدولة في ضمان الحقوق الاجتماعية، ويظهر تقارباً سياسياً واضحاً مع الولايات المتحدة و«إسرائيل».
النجاح لمن؟
لهذا أعتقد أن تقييم تجربة ميلي يجب ألا يقتصر على أرقام التضخم والموازنة. قد تكون هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست الاقتصاد كله.
السؤال الحقيقي هو: هل تنتج الأرجنتين أكثر وبقيمة أعلى؟ هل تبني صناعة أكثر تعقيداً؟ هل تخلق وظائف مستقرة؟ هل ترتفع الأجور الحقيقية؟ هل ينخفض الفقر؟ وهل أصبحت أقل اعتماداً على الخارج؟
إذا كانت الإجابة سلبية، فإن خفض التضخم قد يكون استقراراً مؤقتاً أكثر من كونه تحولاً تنموياً. الأرجنتين تحتاج إلى إعادة بناء قدرتها على التخطيط، وتقوية قاعدتها الصناعية، والاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية، وربط مواردها الطبيعية بسلاسل إنتاج ذات قيمة أعلى.
وإلا فإنها قد تنجح مرة أخرى في ترتيب الحسابات، بينما تبقى المشكلة الأساسية في مكانها. وهنا يصبح السؤال الذي يختصر المرحلة كلها مشروعاً:
إذا انخفض التضخم، لكن أغلقت المصانع وارتفع الفقر، فمن الذي نجح فعلاً؟