يأخذ حضور عائلة الخياط بالاتساع في الاقتصاد السوري بسرعة تجعل السؤال عن إعادة الإعمار سؤالاً عن توزيع السلطة الاقتصادية بالدرجة الأولى. فمن محطات الكهرباء إلى مشروع مطار دمشق، ومن الغاز والأنابيب إلى المصارف والزراعة والصناعات الغذائية، تتقدم شركات مرتبطة بالعائلة إلى مواقع متقدمة على الصعيد الاستثماري، بما في ذلك التحكم بشروط تشغيل الاقتصاد وحركة الموارد السورية. كما يجري توظيف هذا الانخراط العائلي في إطار دعائي بوصفه دليلاً على عودة المستثمرين إلى سورية.
ما لا شك فيه أن سورية تحتاج بالفعل إلى استثمارات واسعة، لكن ما يجري إغفاله هو أن حاجتها الأشد هي إلى اقتصاد يعيد للسوريين القدرة على العيش والعمل، ويضمن ألا تتحول عملية إعادة الإعمار وصعوباتها إلى مبرر لتسليم مفاتيح الاقتصاد الوطني لأصحاب الربح الكبير العابرين للحدود. وكلما اتسعت الهوة بين القيمة الدعائية للمشروعات الاستثمارية المعلنة في البلاد وبين منفعتها الاجتماعية المباشرة، أصبحت العملية الاستثمارية أكثر خطراً على الاقتصاد بأسره.
لذلك، فإن أول ما ينبغي قوله هو أن الإضاءة على تجربة عائلة الخياط لا تتعلق بموقف من عائلة بعينها، فهذه ليست القضية الأهم، إنما بنموذج اقتصادي يجري تكريسه في سورية، حيث تنظم الدولة الاستثمار خدمة لمصالح أصحاب الربح الكبير وليس وفق أولويات اجتماعية.
الخطر الذي نتحدث عنه هنا هو حين تتحول القوة التي يملكها قطب استثماري واحد إلى قيد يصعب على الدولة الفكاك منه لاحقاً، وحين تتجمع لدى هذا القطب مصالح في الطاقة والنقل والتمويل والغذاء، بينما لا يزال الشعب السوري عاجزاً عن معرفة الشروط التي تحكم هذه المصالح والاستثمارات. ما يعني أننا أمام علاقة غير متكافئة بين دولة تحتاج إلى «إنجاز» عاجل، ومستثمر يستطيع المفاضلة بين أسواق متعددة، بل ويستطيع أن يحول حاجة السوريين للخدمات إلى ورقة ضغط في التفاوض على أسعارها وشروطها.
تستدعي هذه الصورة القائمة في البلاد اليوم نقداً يتجاوز تعداد العقود التي حصلت عليها عائلة الخياط إلى مساءلة البنية التي تجعلها ممكنة. حيث أن التخلص الحقيقي من إرث الأسدين غير ممكن بتبديل أسماء رجال الأعمال المحظيين، بل بإنهاء هذا الامتياز والنفوذ جذرياً.
إمبراطورية عائلية تتحكم بمفاصل الاقتصاد
لا يكفي تعداد الأسماء التجارية المملوكة لعائلة الخياط داخل البلاد لفهم الموقع الاقتصادي الذي تحظى به العائلة اليوم، إنما الأهم هو فهم طبيعة القطاعات التي دخلتها هذه الشركات.
تمثل باور إنترناشونال القابضة Power International Holding، وأورباكون القابضة UCC Holding، ومجموعة استثمار القابضة Estithmar Holding، وشركة بلدنا للصناعات الغذائية Baladna، شبكة أعمال متشعبة مملوكة كلياً أو جزئياً لآل الخياط، وما يميز جميع هذه الشركات هو وجود مركز أعمال عائلي مؤثر يقوده الأخوين معتز ورامز الخياط. وما يمنح هذا المركز ثقله السوري هو انتقاله إلى قطاعات تتصل ببعضها، وتؤثر في تكاليف الإنتاج والتمويل والنقل والغذاء على مستوى الاقتصاد.
في الكهرباء، تقود UCC Holding حزمة معلنة بقيمة 7 مليارات دولار، لتطوير قدرة توليد تبلغ 5,000 ميغاواط. انتقل المشروع من مذكرة تفاهم في أيار 2025 إلى اتفاقيات امتياز نهائية في تشرين الثاني، ثم ظهرت خطوات تنفيذية، منها إطلاق محطة دير الزور وحجز طاقة تصنيع معدات لمحطتي دير الزور وزيزون مع شركة سيمنس الألمانية. ويكمن أحد جوانب الخطورة الاقتصادية هنا في أن الكهرباء هي مدخل في جميع قطاعات الإنتاج الوطني. وبالتالي، فإن شروط توفيرها وأسعارها لن تحدد ربح عائلة الخياط فقط، بل ستؤثر عملياً في تكاليف الإنتاج وفي توزيع الثروة عبر السلسلة الأوسع للإنتاج في البلاد.
وفي النقل، تبلغ القيمة المعلنة لتطوير مطار دمشق 4 مليارات دولار، مع توسعة تستهدف الوصول إلى 31 مليون مسافر سنوياً. وتتصل بالمطار أنشطة تصميم وإنشاء وتشغيل وفندقة وتموين طائرات، إلى جانب إعلان تمويل بقيمة 250 مليون دولار لدعم اقتناء طائرات للخطوط السورية. كما وقعت UCC Holding مذكرة تفاهم مع شركة النفط الوطنية الحكومية لجمهورية أذربيجان SOCAR لتأسيس مشروع مشترك لتزويد مطار دمشق بوقود الطيران. وهكذا، ودون الكثير من التغطية الإعلامية، امتد حضور UCC من المطار ذاته إلى خدماته المحيطة، ما منح المجموعة فرصاً متعددة لاقتطاع عائد من سلسلة النقل الجوي نفسها.
ويتعمق هذا الامتداد في قطاع الاستكشاف. حيث هناك مذكرة استكشاف بحري تجمع باور إنترناشونال وشركة شيفرون الأمريكية والشركة السورية للبترول في البلوك البحري الأول، وعقد لتطوير الغاز البري في سورية بالشراكة بين شركة كونوكو فيليبس الأمريكية وشركة نوفاتيرا إنيرجي، وهذه الأخيرة هي ثمرة تعاون استثماري بين عائلة الخياط ورجل الأعمال السوري - البريطاني أيمن الأصفري.
وهناك أيضاً اتفاقات إطار لإعادة إحياء خط النفط بين كركوك وبانياس، والذي يشارك فيه تحالف دولي يضم UCC إلى جانب شيفرون الأمريكية وشركة تي آي كابيتال وهي شركة أسسها زياد غندور في الولايات المتحدة، وتظهر وثائق هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن الشركة المملوكة لغندور انخرطت سابقاً في إدارة ورعاية شركة استحواذ ذات غرض خاص، بالشراكة مع مكتب Falcon Peak Partners، وهو مكتب مملوك لعائلة المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سورية والعراق، توم براك، الذي حضر بنفسه توقيع عدد من اتفاقات مجموعة الخياط في سورية..
وفوق ذلك، ظهر خلال الأسابيع الماضية أن UCC هي الجهة التي ستنفذ مشروع المرحلة الثانية (بين حمص وحلب) من بناء خط الغاز العربي داخل الأراضي السورية، وهو خط الغاز الذي يصل مصر بتركيا مروراً بالأردن وسورية، مع شكوك قديمة وواسعة النطاق حول دور «إسرائيلي» في تشغيل هذا الخط. كما ظهر أيضاً أن UCC هي الجهة التي تتولى إدارة العمليات التي أعلن عنها مؤخراً لتوريد البنزين إلى العراق عبر ميناء بانياس السوري.
وفي الغذاء والزراعة، أعلن كامل العبد الله، المدير التنفيذي لشركة بلدنا التي تملكها عائلة الخياط أيضاً، أن الشركة بدأت مشروعاً في مجال الزراعة وتصنيع الأغذية بقيمة 3.3 مليار دولار وأن الشركة استأجرت أراضي من الحكومة السورية بمساحة 2,400 كيلو متر (أي نحو 1.3% من إجمالي مساحة سورية!) للقيام بالمشروع.
أما في المصارف، فقد اكتملت في أيلول 2026 عملية انتقال ملكية 48.68% من بنك شهبا إلى مصارف القابضة التابعة لمجموعة Estithmar.
وبموازاة الأعمال الخاصة للأخوين معتز ورامز، يظهر شقيقهما الأصغر محمد في موقع مسؤول التطوير العقاري في الصندوق السيادي، حيث وقع بهذه الصفة اتفاق مشروع «دمشق الجديدة» مع شركة Arada الإماراتية.
تكشف هذه الخريطة الأولية ثقلاً استثنائياً، وكيف أن العائلة حصلت على حصة الأسد من جميع الاستثمارات التي قيل إنها دخلت إلى البلاد منذ سقوط السلطة السابقة. وإذا استبعدت هذه الشبكة من صورة الاستثمار عموماً في البلاد، تختفي منها دفعة واحدة حزم الكهرباء والمطار والغاز والأنابيب والزراعة والمصارف. وهذا التمركز الشديد هو علامة هشاشة كبيرة تستحق الوقوف عندها طويلاً.

ربط مصير البلاد بمصير المستثمرين
الخطر الأول هو ما يسمى بخطر انتقال الصدمة. فإذا واجهت مصالح العائلة أزمة تمويل داخل أو خارج سورية، أو ارتفعت كلفة اقتراضها، أو واجهت تعثراً من أي نوع، فمن المنطقي أن تتغير أولوياتها. وإذا كانت الدولة قد بنت خططها الاقتصادية بالاعتماد على مشروعات هذه العائلة، فسيتحول هذا الارتباك إلى كلفة عامة على السوريين كلهم، وسيدفعون ثمنه على شكل انقطاعات أطول في الكهرباء، وإنتاج أقل، وتعطل اقتصادي عام.
الخطر الثاني هو خطر تفاوضي، وهو الأهم، فعندما يصبح مستثمر واحد حاضراً في أكثر من مفصل اقتصادي، سوف ترتفع بطبيعة الحال تكلفة الاختلاف معه. وستجد الحكومة نفسها مضطرة لتقديم التنازل تلو التنازل بينما تخشى أن ينعكس النزاع في مشروع ما على مشروعات أخرى تحتاجها بشدة.
الخطر الثالث إنتاجي. فامتداد مصالح العائلة إلى حلقات متتابعة يضيق السوق أمام منافسين وموردين مستقلين وهو ما يضرب بعرض الحائط أسطوانة «السوق الحر التنافسي» التي تتردد في البلاد منذ سقوط السلطة السابقة.
وفي دولة مثل سورية، تتضاعف هذه المخاطر لأن آثار الحرب أنهت فعلياً أي قدرة لدى الناس على امتصاص الصدمات. الأسرة التي تملك دخلاً محدوداً اليوم لا تستطيع تعويض ارتفاع الكهرباء والغذاء، والورش الصغيرة لا تملك أي احتياطات تسمح لها بتحمل المزيد من الصدمات. ومع تقدير المؤسسات الدولية احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، تصبح الموارد وأولويات استخدامها موضع صراع حاد، حيث أن كل تنازل يمنح ربحاً غير مستحق لمستثمر قوي يعني موارد أقل لتلبية الحاجات العامة، سواء ظهر ذلك في الموازنة مباشرة أو في تكاليف المعيشة.
يجب أن تتجاوز فكرة الحماية الاجتماعية في سورية حدود أن تقوم الدولة بمعالجة آثار الوضع الاقتصادي المتدهور، وأن تركز بدلاً من ذلك على منع إنتاج مثل هذا الوضع داخل الاقتصاد نفسه من خلال التوقف عن ترك البلاد لقمة سائغة في أفواه المستثمرين العابرين للحدود.
القطيعة مع اقتصاد الغنيمة تبدأ من التغيير الجذري
لا يمكن فصل النقاش الحالي عن الإرث الذي خلفه حكم حافظ وبشار الأسد. فقد تراكمت شبكات امتياز تتغذى من القرب من السلطة، وتحول النفوذ السياسي والأمني إلى مورد اقتصادي يفتح الأبواب للبعض ويغلقها أمام الآخرين.
ولا يصح اتخاذ فساد السلطة السابقة حجة لتجريد المجتمع من ملكيته. فنهب مؤسسة عامة لا يثبت أن كونها ملكية عامة هو سبب النهب، كما أن خصخصتها لن تؤدي إلى انتهاء الفساد. البديل المطلوب هو إدارة عامة خاضعة للرقابة الشعبية، تفصل المصلحة الاجتماعية عن مصالح المسؤولين والمقاولين، حيث الدفاع عن القطاع العام يعني الدفاع عن ملكية الناس وقدرتهم على توجيه الاقتصاد، وليس الدفاع عن بيروقراطية عاجزة أو فاسدة.
تبدأ القطيعة العملية من إخراج جميع العقود إلى الضوء. من حق السوريين أن يعرفوا أطراف كل عقد والمستفيدين الحقيقيين من الشركات، وقيمة مساهمة كل طرف، ومدة الانتفاع، وآلية التسعير، والتزامات الشراء والتعويض والضمان. كما من حقهم أن يعرفوا على أي أساس جرى اختيار المستثمر لهذا العقد أو ذاك. وواهم من يعتقد أن هذه السرية الشاملة التي نراها اليوم ستحمي الاقتصاد الوطني مهما كانت الذرائع، إنها فقط تحرم المالك العام - أي الشعب - من فحص كيفية التصرف بملكه.
سورية اليوم بحاجة إلى تخطيط اقتصادي يحدد الاستثمار المطلوب انطلاقاً من حاجات السوريين أنفسهم، بما في ذلك أن تكون فواتير جميع السلع الناتجة عن هذا الاستثمار قابلة للتحمل ومترافقة مع صحة وتعليم وسكن لائق بالسوريين. وعلى هذا الأساس، ينبغي أن تقاس جدوى المشروعات بعائديتها المرتفعة وبقدرتها على خلق فرص عمل حقيقية ودائمة.
ولا تنفصل هذه السياسة عن إعادة توزيع الثروة. فالضرائب التصاعدية على الأرباح والريع، وحماية الأجور والتنظيم النقابي، ودعم المنتجين، أدوات تمنع تكريس نمط توزيع الثروة الموروث من حقبة الأسدين. ويستطيع القطاع العام أن يوفر قاعدة لهذا الاتجاه إذا اقترن بالكفاءة والرقابة الشعبية والمشاركة.
لا مستقبل عادل إذا بقيت البلاد غنيمة تتنافس المجموعات على تعظيم ما تستخرجه منها، بينما يطلب من الفقراء الانتظار حتى تتساقط عليهم فوائد النمو الموعود الذي بات أشبه بالسراب اليوم. وقد دفع السوريون سابقاً ثمناً هائلاً لاقتصاد يستمد قوته من ضعفهم، وليسوا راغبين بتكرار هذه التجربة اليوم تحت أسماء جديدة.
خلاص سورية يقتضي تجاوز المنظومة التي جعلت الثروة طريقاً إلى التحكم بالقرار الاقتصادي، وجعلت القرار الاقتصادي ذاته طريقاً إلى احتكار الثروة. واليوم، فإن إعادة الإعمار الحقيقية هي تلك التي تعيد بناء قدرة المجتمع على امتلاك مستقبله.
