أعادت إجراءات «ترشيد الإنفاق العام» التي أعلنتها الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في 28 أيلول 2026 فتح السؤال حول كيفية مواجهة الضغوط المالية، وحول هل تكتفي الدولة بتقليص ما تدفعه أم تعيد النظر أيضاً في الموارد التي تحصل عليها، والجهات التي تتحمل أعباء تمويلها؟ حيث دعا البلاغ، الصادر بناءً على مقترح وزارة المالية، إلى خفض النفقات غير الضرورية ومراجعة أولويات المشاريع الاستثمارية، واستثنى الرواتب والأجور والخدمات الأساسية والصيانة الضرورية. وهذه استثناءات ضرورية لكنها غير كافية، حيث أن إلغاء الإنفاق غير الضروري هو واجب دائم على الدولة، إلا أن معالجة عجز الموازنة تتطلب عملياً سياسة أوسع تعيد بناء قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتضمن مساهمة أصحاب الربح الكبير في تمويل الدولة. من هنا، فإن السؤال الأساسي هو ما الذي ستوفره الدولة وممن وبأي أثر على حياة السوريين اليومية؟ وهل سنكون أمام مشهدٍ يتحسن فيه حساب الموازنة شكلياً، بينما تزداد شدة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية في منازل السوريين؟
تأتي هذه الإجراءات بعد إعلان وزارة المالية أن إيرادات النصف الأول من 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق يقارب 3.7 مليارات، بعجز يبلغ نحو مليار دولار. وارتفعت الإيرادات بنسبة 111% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما زاد الإنفاق بنحو 331%. وهذه بيانات تنفيذ جزئي لا حصيلة نهائية للعام، لكنها تكفي لإظهار أن النقاش يجب أن يتجاوز بضعة أبواب في الإنفاق يمكن ضغطها إدارياً.
الأهم أن وزير المالية أقر، في تصريح له بتاريخ 10 آب، بأن فائض 2025 المعلن تحقق بدرجة كبيرة بفعل تقييد الاستثمار العام رغم الحاجة إليه. وهنا تظهر المفارقة واضحة، حيث تستطيع الدولة تحسين رصيدها المالي شكلياً عبر تأجيل الإنفاق، لكنها تؤجل معه استعادة الإنتاج وفرص العمل والإيرادات المقبلة.
لهذا، لا بد من القول إن المعيار الأكثر جدية للتقييم هو وظيفة الموازنة نفسها داخل المجتمع، وهل تمول عملية إعادة الإعمار وتخفف من كلفة المعيشة على السوريين، أم أنها تعيد توزيع الأعباء لتصبح متركزة على كاهل الأسر الأضعف؟ وهل تجمع الإيرادات اليوم بحسب القدرة المنطقية على الدفع، أم بحسب سهولة الجباية بغض النظر عن مصدرها؟
لن يبدأ التغيير الحقيقي على الصعيد الاقتصادي إلا حين تصبح حماية الدخل الفعلي للمواطنين والخدمات والإنتاج بوصلة للسياسة المالية العامة للدولة، وكذلك حين يتجه البحث عن الموارد إلى أصحاب الأرباح الكبيرة والريع والامتيازات دون اللجوء مجدداً إلى جيوب العاملين والمتقاعدين والمعطلين عن العمل وأسرهم التي استنزفت قدرتها على الاحتمال.
الترشيد الضروري وحدود العلاج المحاسبي
المشكلة ليست في الدعوة إلى الانضباط المالي، فهذا مطلوب وكل نفقة بروتوكولية غير لازمة، وكل عملية شراء مبالغ في سعرها، وكل عقد تستطيع الحكومة الحصول عليه بكلفة أقل وبالجودة نفسها، يمثل عملياً اقتطاعاً من موارد كان يمكن تخصيصها لحاجة اجتماعية ما. لكن هذا الانضباط يفقد معناه التنموي عندما يتحول إلى طلب موحد من المؤسسات بخفض مصروفاتها، دون فحص وظائفها وحاجاتها ونتائج التخفيض.
ثمة فارق جوهري هنا ينبغي التحذير منه مسبقاً، وهو كيف سينعكس هذا القرار على أداء المؤسسات العامة ذاتها؟ هل ستصبح المناقصات أكثر نزاهة وكفاءة بحيث تخفف الهدر الناتج عن انعدام الشفافية فيها؟ أم أن سلاح تخفيض النفقات سيطال حتى تلك الجوانب المهمة اجتماعياً؟
وينطبق الأمر على الأجور. استثناء الرواتب من التخفيض مسألة بديهية، لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن هذا لن يحمي قدرتها الشرائية تلقائياً. إذا بقي الراتب ثابتاً وارتفعت تكاليف الغذاء والنقل والطاقة (وهو ما نراه اليوم)، فقد انخفض ما يستطيع العامل شراءه، حتى لو لم تحذف ليرة واحدة من كشف الرواتب. وعلى هذا النحو، إذا تراجعت خدمة عامة واضطر الموظف إلى شرائها، فقد تعرض دخله المتاح للاستهلاك لضغط إضافي، وهو ما يعني أن دخله انخفض فعلياً.
ولحجم الفقر هنا دلالة تتجاوز الوصف الإنساني. ففي تقييم نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شباط 2025، قدرت نسبة الفقر بنحو 90%، والواقع اليوم أكثر سوءاً. وعندما تكون الأكثرية الساحقة من السكان مستنزفة، تصبح حتى الزيادات الصغيرة في الرسوم أو تراجع الخدمات كبيرة الأثر على الغذاء والعلاج والتعليم وغيرها من ضروريات الحياة.
أما عجز الموازنة، فصحيح أنه يمثل الفرق بين النفقات والإيرادات خلال فترة محددة، لكنه لا يفسر بذاته أسباب هذه الفجوة. في الحالة السورية، يرتبط العجز فعلياً بضعف الإنتاج وكفاءة التحصيل، وبتراجع عوائد الموارد العامة، وبالهدر، وبارتفاع كلفة الواردات في اقتصادٍ بات يعتمد على الاستيراد اعتماداً أعمى.
وفوق ذلك، لا تعمل موازنة الدولة كميزانية أسرة منفردة. حيث أن تقليص إنفاق الحكومة قد يخفض الطلب والإنتاج والحصيلة الضريبية معاً. على سبيل المثال، إذا أوقفت الدولة مشروعاً يستخدم عمالة وموارد محلية، فإن الوفر المباشر سيقابله فقدان أجور ومبيعات وضرائب. وليس معنى ذلك أن كل إنفاق يمول نفسه بالضرورة أو أن كل خفض سيوسع العجز، لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن النتيجة تتوقف على نوع الإنفاق وقدرة الإنتاج وحجم الواردات وطريقة التمويل. لكن المؤكد منهجياً أن حساب الوفر يجب أن يتضمن دراسة الآثار اللاحقة، لا أن يقف عند المبلغ المحذوف من بند الصرف.
استعادة الإيرادات: جزء من إعادة توزيع الثروة المطلوبة
يبدأ البديل من الاعتراف بأن الموازنة علاقة توزيع للثروة قبل أن تكون جدولاً حسابياً. فالدولة تسحب موارد من جهات اجتماعية واقتصادية ثم تعيد ضخها في جهات أخرى. ويمكنها الحصول على المبلغ ذاته بطرق متباينة جذرياً في عدالتها وآثارها: ضريبة على ربح احتكاري كبير مثلاً تختلف اختلافاً جذرياً عن اللجوء إلى إضافة رسم على خدمة ضرورية يستخدمها ملايين الفقراء في سورية. لهذا، فإن زيادة الإيرادات ليست هدفاً كافياً، إنما المهم هو مصدر الزيادة ومن يتحمل فاتورتها فعلياً. وعليه، فإن إصلاح المالية العامة المنحاز للأغلبية الفقيرة ينبغي أن ينقل مركز الجباية تدريجياً نحو أصحاب الربح الكبير، مع حماية أصحاب الأجور والإنتاج الصغير والاستهلاك الضروري.
وتنطلق البداية العملية من بناء نظام تصاعدي فعال للضرائب على الدخول والأرباح الكبيرة، وإعفاء حد معيشي مناسب للدخول الصغيرة، وتحديث الشرائح حتى لا يرفع التضخم العبء على العامل لمجرد زيادة أجره اسمياً. والتصاعدية هنا لا تعني معاقبة كل مشروع ناجح كما يحاول الداعين لتصفير الضرائب في البلاد أن يصوروا، بل مساهمة أكبر كلما زادت القدرة على الدفع، حيث يجب أن تستند الضريبة إلى أرباح قابلة للتحقق والمراجعة، لا تقديرات اعتباطية تفتح باب الابتزاز والتسويات الانتقائية.
غير أن رفع المعدلات القانونية وحده سيبقى دون جدوى عملية إذا ظلت الأرباح مخفية والإعفاءات واسعة كما هو الآن. لذلك يجب على السلطان أن تطابق دورياً بيانات الاستيراد والمبيعات والعقارات والسجلات التجارية، وتحديد المالكين المستفيدين فعلياً من الأنشطة التجارية، وتدقيق المعاملات بين الأطراف إلى جانب تحسين الفوترة. ويمكن ترتيب التدقيق بحسب المخاطر وحجم النشاط، بحيث يبدأ بالمكلفين الكبار والمعاملات عالية القيمة. أما مطاردة الباعة الصغار لأنها أسهل، فلن تعالج العطب الأساسي الذي يحول دون أن تستطيع الدولة تحصيل الإيرادات الضرورية بالكامل.
في هذا الصدد، يستحق الريع العقاري والثروات الكبيرة موقعاً خاصاً في النقاش. فزيادة قيمة أرض بفعل شق طريق أو تنظيم أو خدمات ممولة من المجتمع تخلق منفعة خاصة يمكن استرداد جزء منها لتمويل تلك الخدمات. ويمكن تصميم ضرائب على الملكيات العقارية الكبيرة أو الأراضي المعطلة للمضاربة، مع حماية السكن الأساسي والحيازات الصغيرة ومعالجة حالات ضعف السيولة. لكن هذه الأدوات تحتاج أيضاً إلى سجلات ملكية شفافة وتقييماً عادلاً وآليات اعتراض ومعدلات مدروسة.
ولا بد اليوم من إجراء مراجعة شاملة للإعفاءات والحوافز الضريبية باعتبارها موارد تتنازل الدولة عن تحصيلها. وقد سبق أن أعلن وزير المالية في شهر آب الماضي توجهاً نحو تخفيضات وحوافز ضريبية لتشجيع النشاط الخاص، بينها حوافز مرتبطة بالتشغيل والتحديث الإنتاجي. وتقييم هذا التوجه يتطلب معرفة كلفته ومن يستفيد منه، لا يوجد في سورية اليوم من يرفض وجود الحافز الذي يخلق استثماراً إضافياً ووظائف لائقة، لكن هذا يختلف اختلافاً جذرياً عن الإعفاءات التي يجري الحديث عنها اليوم، والتي تذهب إلى أنشطة تدر ذهباً بالنسبة للمستثمرين ومن غير المنطقي إعفائها.
المسألة الأوسع والأكثر حساسية هي ضرورة ضمان شمول الموازنة العامة للإيرادات المستحقة، وكشف شروط العقود وحصص الدولة والمدفوعات الفعلية في عمليات الشراكة مع القطاع الخاص، ولا سيما في قطاع الطاقة.
أما زيادة الرسوم على السلع الأساسية فهي الطريق الأسهل والأكثر إغراءً للحكومة، لكنها الأعلى كلفة على الصعيد الاجتماعي. فالفقير ينفق حصة أكبر من دخله على الاستهلاك، وستنتقل إليه فوراً أي أعباء تفرضها الحكومة على المستوردين والتجار. لهذا، يجب تقييم العبء الفعلي لكل ضريبة ورسم، ومراقبة الأسعار حتى لا تتحول زيادة الضرائب على الأرباح إلى ذريعة لزيادات غير مبررة في أسعار السلع النهائية، وهو ما لا يمكن أن يتم في حال تمت مواصلة العناد على اعتماد ما يسمى بـ«اقتصاد السوق الحر».

معالجة العجز بإعادة بناء الاقتصاد الذي يمول الموازنة
حتى أفضل نظام ضريبي لا يستطيع استخراج موارد مستدامة من اقتصاد تتعطل قدرته على الإنتاج. لذلك تتطلب معالجة العجز توسيع القاعدة التي تنشأ منها الإيرادات، عبر استثمار عام يقود التعافي ويرتبط بحاجات الناس. فالمصنع الذي يعود للعمل يوفر دخلاً وأجوراً وضرائب، وإصلاح الري يحمي المحاصيل ويخفف الحاجة إلى استيراد الغذاء، وتحسن الكهرباء يخفض كلفة الإنتاج. قد لا تتحقق هذه العوائد فوراً ولا بالمقدار ذاته في كل مشروع، لكنها الأكثر استدامة بكل تأكيد. وعليه، فإن تقليص الاستثمار الضروري قد يعالج عجز الموازنة الآني مؤقتاً على حساب قدرة الخزينة على تمويل نفسها مستقبلاً.
الأولوية العملية هي اختيار مشاريع يمكن تنفيذها وتشغيلها، وتزيل اختناقات واضحة بأسرع أثر ممكن، مثل تأهيل مرافق الكهرباء والمياه، وصيانة شبكات الري، وإصلاح البنى التحتية لقطاع الإنتاج الحقيقي، وتحسين النقل والتخزين، بالتوازي مع توزيع الاستثمار بين المناطق بحسب الحرمان والحاجة والجدوى، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى تركيز جديد للموارد حيث توجد القدرة الأعلى على الدفع.
المقصود هنا ليس أنه على الدولة أن تتدخل في كل شاردة وواردة في العملية الإنتاجية في البلاد، بل استخدام الملكية العامة والتخطيط لتوجيه الموارد إلى الإنتاج الحقيقي والخدمات الأساسية. ويمكن أن يعمل القطاع الخاص أو التعاوني ضمن هذه الأولويات بعقود شفافة وغير مجحفة للدولة وشروط تشغيل وأجور واضحة. أما بيع أو تأجير أصول الدولة في قطاع الإنتاج الحقيقي بذريعة سد عجز الموازنة، فهذا يعني أن السياسة العامة للدولة تمهد الطريق أمام المزيد من الاستعصاء في الجانب الاقتصادي، مع ما يحمله ذلك من احتمالات للانفجار الاجتماعي لاحقاً.
ويجب أن تتكامل سياسة استعادة الإنتاج الحقيقي مع استعادة القدرة الشرائية للأكثرية المفقرة من المواطنين السوريين. صحيح أن الأجور هي كلفة على التشغيل، لكنها أيضاً طلب على كل ما يتم إنتاجه في البلاد، وانخفاض هذا الطلب العام سيضعف السوق المحلية أكثر. لذلك يمكن لتحسين الأجور والخدمات أن يدعم التعافي الاقتصادي، إذا ارتبط بسياسة اقتصادي أعم تهدف إلى إعادة توزيع الثروة.
بهذا المعنى، يصبح ترشيد الإنفاق جزءاً من إصلاح حقيقي فقط عندما يحرر موارد للإنتاج والحماية الاجتماعية، ويقترن باسترداد حصة عادلة من الأرباح والريع لصالح المجتمع. أما الاكتفاء بخفض المصروفات فيترك بنية الأزمة قائمة، وربما يضعف أدوات معالجتها. كما أن الموازنة الجيدة ليست التي تصل إلى التوازن بأقل عدد من المرضى المعالجين والطلاب المتعلمين والعمال المنتجين، بل التي تستخدم الموارد المتاحة لتوسيع هذه القدرات وتؤسس لتمويل مستدام لها. وعليه، فإن حق الفقراء في الدخل والخدمات ليس فائضاً يوزع بعد أن تغلق الحكومة حساباتها، إنما ينبغي أن يكون هو بالذات معيار ترتيبها، وهو الاختبار الأساسي لعدالة السياسة الاقتصادية ونجاحها، وعلى أساسه فقط يجب أن تقاس النتائج، وأن تتغير السياسات عند فشلها.
