Skip to main content

لعبة المازوت وعودة سياسة«إيصال الدعم لمستحقيه» الأسدية

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

ساعات قليلة فقط احتاجها قرار رفع أسعار المحروقات كي يصل إلى رفع تكلفة كل شيء تقريباً في البلاد. ففي 13 أيلول 2026، رفعت وزارة الطاقة سعر ليتر المازوت ألى 175 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 125 ليرة، بزيادة بلغت 40% دفعة واحدة، إلى جانب رفع أسعار البنزين والغاز أيضاً. وقالت الوزارة إن الإجراء «مؤقت»، وإن كلفة استيراد المشتقات ارتفعت بسبب اضطراب أسواق الطاقة وعمرة مصفاة بانياس، وإن البلاد تستورد حالياً نحو 60% من حاجتها اليومية من المازوت. وفي اليوم ذاته، شهدت حركة نقل البضائع توقفاً شبه كامل في عدد من المحافظات، بالتزامن مع احتجاجات لأصحاب الشاحنات، بينما شهدت العديد من المناطق السورية تجمعات ومظاهرات وقطع طرقات احتجاجاً على رفع الأسعار.

بعد أربعة أيام، أعلنت الحكومة «معالجة جديدة»، حددت من خلالها سعر «مدعوم» للمازوت بـ115 ليرة مخصص للتدفئة والزراعة و«الفئات المستحقة»، ومازوت بـ150 ليرة لبعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، مع بقاء السعر الثالث عند 175 ليرة. رغم أن الإعلان جرى تصويره بوصفه «استجابة» للضغط الشعبي الذي ولده القرار الأول، لكنه أعاد إلى الواجهة مسألة يعرفها السوريون جيداً، فمن سيقرر من يستحق السعر المدعوم وما هي البيانات المطلوبة وكيف سيصل هذا الدعم إلى صاحبه؟
السؤال أكثر خطورة مما يبدو، حيث يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نحو 66% منهم يعيشون في الفقر المدقع. ما يعني أننا نعيش في مجتمع أكثريته الساحقة تحتاج إلى حماية اجتماعية، بينما قدرة الأقلية على تحمل تكاليف المعيشة العالية هي الاستثناء. رغم ذلك، تعود الوزارة إلى طرح فكرة تصميم منظومة تفرز السوريين بين مستحق وغير مستحق، وكأن المشكلة الأساسية هي العثور على الفقراء وسط بحر من المقتدرين.
سورية تقف أمام سؤال جوهري في صلب السياسة العامة للدولة: هل يجب ترك أسعار السلع الأساسية تتحرك وفق كلفة السوق (بما تحمله هذه الكلفة من حصص للفساد الكبير) ثم نطلب من الفقراء أن يثبتوا أنهم مستحقون للحماية الاجتماعية، أم تكون نقطة الانطلاق هي أن الغذاء والطاقة والنقل والتدفئة إنما هي احتياجات اجتماعية من واجب الدولة أن تؤمنها للسوريين بما يتناسب مع أجورهم الهزيلة.


رفع المحروقات يطال الجميع ويرفع أسعار كل شيء


تعتمد الحجة الرسمية في رفع الأسعار على فكرة أن سورية لا تنتج ما يكفي من المشتقات النفطية التي تحتاج إليها. وتقول وزارة الطاقة إن حاجة السوق اليومية من المازوت تبلغ نحو 7.72 ملايين ليتر، بينما يؤمن الإنتاج المحلي 3.09 ملايين فقط، ويأتي 4.63 ملايين ليتر من الاستيراد. كما تقول إن البلاد تحتاج إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته مقابل إنتاج محلي يقارب 100 ألف برميل، وأنه مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة، ازدادت الحاجة المؤقتة إلى الاستيراد في وقت ارتفعت فيه كلفة الشحن والتأمين والمشتقات المكررة. يجري طرح هذا النقاش وكأن وظيفة الدولة تنتهي عند حساب سعر الطن في السوق الدولية وتحويله إلى سعر محلي. ولو كان الأمر كذلك لما كنا بحاجة إلى دولة أصلاً ولا إلى سياسات للطاقة والضرائب والدعم والأجور والأمن الغذائي.
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين تقريباً تحت خط الفقر. والحد الأدنى الرسمي للأجور، بعد «الزيادة» المقررة في أيار، أصبح 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً. وفق الأسعار الجديدة، تبلغ كلفة 100 ليتر من المازوت بالسعر الجديد 17,500 ليرة، أي أكثر من الحد الأدنى الشهري للأجر كله. وحتى بالسعر المخفض البالغ 115 ليرة، تستهلك 100 ليتر 11,500 ليرة أي أكثر من 90% من الحد الأدنى الرسمي للأجور، علماً أن معظم الأسر السورية تحتاج إلى ما لا يقل عن 200 ليتر من المازوت خلال فصل الشتاء. وحين تكون الأجور بهذا المستوى من الضعف، يصبح رفع سعر سلعة أساسية أشبه بفرض ضريبة غير معلنة على أصحاب الأجور.
هذا الوضع غير الإنساني القائم حالياً، هو الوجه الحقيقي لسياسات «اقتصاد السوق الحر والتنافسي» الذي رفعته الحكومة كشعار، وباتت تتحدث اليوم عن أن تطبيق هذا الشعار سيحمل «قرارات صادمة» كما لو كان ذلك مجرد عرض جانبي يمكن تجاوزه بسهولة.
السوق يفترض، في صورته النظرية، وجود منتجين قادرين على المنافسة، ومستهلكين يملكون قدرة شرائية، وتمويل متاح، وبنية تحتية، وأسواق عمل تعمل بصورة معقولة. في سورية، خرجت قطاعات كاملة منهكة، وتدهورت الأصول والإنتاج وفرص العمل والدخل، وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خسائر الناتج المحلي الإجمالي التراكمية خلال سنوات الحرب بنحو 800 مليار دولار. وفي ظرف كهذا، فإن رفع الأسعار قبل إعادة بناء القدرة الإنتاجية وتوفير أجور عادلة تلبي احتياجات السوريين اليومية لن يخلق منافسة مزدهرة متخيلة لدى أصحاب القرار في البلاد، إنما سيحافظ على اقتصاد قائم تتوافر فيه السلع أكثر مما تتوافر قدرة السوريين على شرائها.
لا يعيش المواطن من مشاهدة السلعة على الرف، فالقدرة على الوصول إليها هي جزء من معنى التوافر ذاته. وفي حالتنا اليوم، إذا كان الوقود موجوداً بسعر لا تستطيع شريحة واسعة من السوريين تحمله، فإن المشكلة لا تكون قد حلت والمادة لم تتوفر عملياً.
السؤال هنا لا يدور حول إنكار ارتفاع كلفة الاستيراد، رغم أن تضارب التصريحات الحكومية يثير الشك في هذا السياق، وإنما حول من أي جيب سنسحب الأموال اللازمة لتغطية هذا الفرق؟ أصحاب الأجور والأكثرية الساحقة من السوريين الفقراء، أم أصحاب الربح الكبير؟ تستطيع الدولة توزيع جانب من الكلفة على سنوات، أو على بنود مالية أخرى، أو على أرباح وضرائب تصاعدية، أو على شرائح استهلاك مرتفعة، أو على استخدامات غير أساسية. أما نقل الزيادة سريعاً إلى سعر ليتر المازوت للجميع، فهو يعني أن الحكومة قد مدت يدها لتمول الزيادة من جيوب الفقراء.


ثلاثة أسعار للمازوت... والسؤال عمن يستحق الدعم


خفف إعلان ثلاثة أسعار للمازوت جانباً من الصدمة الأولى، لكنه أعاد إنتاج واحدة من أكثر مشكلات سياسات الدعم حساسية في سورية، وهي تعريف «المستحق». في الحساب النظري تبدو الفكرة جذابة، حيث يحصل الفقير على السعر المنخفض، ويدفع القادر سعراً أعلى. لكن هذا النموذج يحتاج إلى شيء لا يتوافر بسهولة، وهو قاعدة بيانات تستطيع أن تعرف الدخل الحقيقي لكل أسرة، وتتبعه باستمرار، وتفرق بين الملكية والثروة وبين الدخل، وبين النشاط المسجل والنشاط الفعلي، وبين الشخص القادر على الدفع والشخص الذي تبدو أوراقه كذلك فقط، وهذا أمر شديد الصعوبة، فمن يعمل بأجر يومي قد يكون دخله جيداً في شهر ومعدوماً في الشهر التالي، وأسرة قد تملك منزلاً ورثته منذ عقود لكنها لا تملك دخلاً يكفي حاجاتها، ومزارع قد يمتلك بضعة دونمات لكنه خسر موسمه كاملاً، وصاحب محل قد يكون لديه سجل تجاري بينما نشاطه متوقف.
اختبر السوريون هذه المشكلة سابقاً بالبطاقة الذكية وبغيرها من أساليب الالتفاف الحكومي. وفي عام 2022، عندما جرى استبعاد فئات من منظومة الدعم وفق مجموعة معايير وبيانات، وصل عدد الاعتراضات المسجلة إلى أكثر من 350 ألف اعتراض، لم يتم قبول سوى 68 ألف منها. 
لهذا، يبدو غريباً أن يعاد بناء السياسة الاجتماعية حول مهمة إعادة فرز مجتمع يعيش أكثر من 90% من سكانه في الفقر، فعندما تكون أغلبية صغيرة هي المقتدرة، يصبح من المشروع اقتصادياً التساؤل إن كان الأسهل والأعدل هو ضمان حد أساسي واسع للجميع ثم التعامل بصورة منفصلة مع الاستهلاك المرتفع والثروات الكبيرة، عوضاً عن مطالبة ملايين المحتاجين بإثبات أنهم محتاجون.
ثمة فارق هائل بين الدعم الشامل المفتوح وبين الحق العام في كمية أساسية. يمكن نظرياً أن تحمى كمية محددة للتدفئة أو الاحتياجات المنزلية، وأن تحصل الزراعة والنقل العام والإنتاج الأساسي على مخصصات واضحة، ثم يرتفع السعر على الاستهلاك الإضافي أو الاستخدامات الأقل أولوية. بهذه الطريقة يكون الأصل هو الحق في الحد الأدنى، ويصبح الاستثناء مرتبطاً بالاستهلاك الكبير، عوضاً عن جعل الحرمان هو الأصل إلى أن ينجح المواطن في امتحان «الاستحقاق».
المفارقة هنا هي أن كل نظام استهداف سيحتاج فعلياً إلى موظفين ومنصات وعمليات تدقيق وربط قواعد بيانات ولجان اعتراض ورقابة على المحطات ومتابعة لحركة المادة في السوق، وهذا - وفقاً لعديد من التجارب في العالم - كلفته أعلى من كلفة الدعم ذاتها! 
الدعم الحقيقي له أربعة شروط: سعر يمكن تحمله، وكمية تكفي الغرض الأساسي، وتوافر في الوقت المطلوب، وإمكانية وصول لا تحتاج إلى رحلة بيروقراطية طويلة. سقوط أي واحد منها يفرغ منظومة الدعم الاجتماعي من جانب مهم من وظيفتها. من هنا، يصبح السؤال عمن يستحق الدعم في سورية، سؤالاً مقلوباً في صياغته، حيث الأدق أن نسأل عمن يستطيع فعلاً الاستغناء عن الحماية في بلد يبلغ فيه الفقر هذا المستوى، هناك بالتأكيد أثرياء وأصحاب دخول مرتفعة ومستهلكون كبار لا يحتاجون إلى دعم الدولة. لكن تصميم سياسة كاملة انطلاقاً من الخشية من استفادة هذه الأقلية أمر غير منطقي أبداً، ولا يمكن تبريره بأي طريقة سوى بأن من وضع هذه السياسة يهدف فعلياً إلى التخلص من الدعم عبر جعل الحصول عليه سباقاً شاقاً لا يقطعه إلا كل طويل عمر.
المشكلة في خطاب «إيصال الدعم إلى مستحقيه» الذي ينتمي إلى أسوأ مراحل عهد الأسد أنه يبدو بديهياً إلى درجة تخفي جوهره، وهو أنه أداة استبعاد من الدعم وليس أداة دعم. حيث أننا سننتظر معرفة عدد المشمولين، والكميات المخصصة، ومعايير الاستحقاق، وكيفية الاعتراض، والتغطية الجغرافية، وتكلفة إدارة النظام، وحجم الخطأ المتوقع. وإلى أن يجري الانتهاء من هذا كله، سيبقى السعر البالغ 115 ليرة مجرد حبر على ورق، وستجبر العائلات السورية على شراء المادة بسعرها المحدد سلفاً أو التخلي عنها.

 


المشكلة أكبر من المازوت: أي دولة نحتاجها اليوم؟


تكشف قضية المحروقات مشكلة أوسع حول وظيفة الدولة السورية في المرحلة المقبلة. فمنذ سقوط السلطة السابقة، حافظت السلطة الحالية على التوجه الاقتصادي الذي يعطي للشعارات الزائفة حول دور السوق والمنافسة الحرة والانفتاح دوراً متزايداً. ولهذه السياسة حججها المعروفة حول ضرورة جذب الاستثمار وتحرير التجارة وتشجيع القطاع الخاص.
لكن السوق لا يبني منظومة حماية اجتماعية، حيث يبحث المستثمر دائماً عن الربح الأقصى بأي ثمن، ولهذا فإن من المهام الأساسية لما يسمى بالدولة الحديثة أن تتولى الوظائف التي لا يضمنها منطق الربح، مثل التعليم العام والصحة والبنى التحتية والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والتوازن في الإنماء وحماية الناس في أوقات الصدمات العالمية.
عندما تنسحب الدولة من هذه المساحات في بلد يعيش 90% من سكانه تحت الفقر، فهي جريمة اقتصادية، لأن نتيجتها الأولى ستكون اضطرار الأسر السورية إلى تقليل الطعام والتدفئة والعلاج وغيرها. لهذا، فإن وضع السوق في مركز السياسة الاقتصادية السورية دون بناء دولة عادلة ذات دور اجتماعي قوي يعني عملياً إطلاق قوة رأس المال في وجه مجتمع منزوع من أي قدرة على الحماية.

 

الاقتصاد السوري