Skip to main content

التهجير والإحلال الطبقي: جوهر مشاريع التطوير العقاري في سورية

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

ثمة مشهد يتكرر في سورية اليوم بصورة احتفالية قوامه مؤتمرات الاستثمار والإعلانات الرنانة عن «مدن ذكية» و«أحياء راقية» و«مجمعات متكاملة»، وصور مشاريع التطوير العقاري المبهرة التي تتصدر وسائل الإعلام. وفي كل مرة يعلن فيها عن مشروع عقاري فخم، يقدم المشروع على أنه دليل على انبعاث سورية الجديدة وعودتها إلى خريطة الاستثمار الإقليمي. غير أن أحداً لا يسأل السؤال الجوهري: انبعاث سورية لمن؟ ولمصلحة من تحديداً تشيد هذه الأبراج وترسم هذه المخططات وتحجز هذه الأراضي؟ الإجابة الصريحة، التي يحجم كثيرون عن قولها، هي أن مشاريع الأبهة العقارية الفاخرة التي تتصدر ما يسمى بـ«مشهد إعادة الإعمار السوري» موجهة بشكلٍ واضح نحو شريحة ضيقة من الأثرياء في الإقليم وفئة أضيق من المهاجرين السوريين، فيما يقف ملايين السوريين الفقراء خارج هذه المعادلة بالكامل، لا كمستفيدين ولا حتى كعمال في هذه المشاريع، بل في أحيان كثيرة كضحايا مهجرين من أرض كانت ملكهم سابقاً.

ليس في هذا الانتقاد أي موقف مناهض لعمران المدن أو لتطوير البنية التحتية من حيث المبدأ. بطبيعة الحال، المدن السورية بحاجة إلى الإعمار، لكن الخلاف جوهري مع النموذج الاقتصادي القائم في سورية اليوم، ومع الأولويات التي يحددها، فحين يعيش أكثر من 90% من السوريين في الفقر، ولا تزال خدمات الصحة والتعليم منهارة فعلياً، وحين يعاني ملايين المهجرين السوريين في الخارج من غياب أي أفق للعودة، يصبح الرهان على مشاريع الإسكان الفاخر خيار سياسي واضح لمصلحة أقلية ثرية على حساب الأغلبية المعدمة. والأخطر أن هذا النموذج لا يكتفي بإهمال الفقراء، وإنما يعيد إنتاج الظلم ذاته الذي أنتج الانفجار الاجتماعي في 2011، ويمنح وجهاً جديداً للسياسات الاقتصادية ذاتها التي حكمت سورية عقوداً. لهذا، فإن ما يحدث اليوم في ملف التطوير العقاري لا يشبه إعادة الإعمار بشيء، وهو في الجوهر إعادة توزيع للثروة التي بناها السوريون من تعبهم من الأسفل نحو الأعلى.


المشهد العقاري السوري: من يبني ولمن؟


منذ سقوط سلطة الأسد في كانون الأول 2024، واصلت التوقعات المتفائلة حول إعادة الإعمار السوري تتراكم فوق بعضها كطبقات من الخطاب المجرد. غير أن الملف الذي «تقدم» أكثر من غيره وتجاوز مرحلة التصريح إلى مرحلة التفاوض ثم التعاقد، هو ملف التطوير العقاري الفاخر. 
لا تتحدث المشاريع التي تعلن الواحد تلو الآخر في دمشق وحلب وعموم الأراضي السورية عن سكن شعبي أو إعادة تأهيل أحياء مدمرة، بل عن أبراج تجارية ومجمعات سياحية متكاملة وأحياء نخبوية وفلل فارهة على الساحل. وهي صورة لا تختلف جوهرياً عن تلك التي شهدتها بيروت ما بعد الحرب، أو بغداد ما بعد الغزو الأمريكي للعراق، أو ليبيا ما بعد القذافي، حيث تنتهز شبكة مصالح ضخمة لحظة الفوضى والهشاشة لتضع يدها على أفضل الأراضي وأرخصها ثمناً في ظل غياب الدولة وضعف القانون وانعدام الحياة السياسية والقدرة على الرقابة الشعبية الفعالة.
الأرقام المتاحة، وإن بقيت منقوصة في ظل سياسة التعتيم السائدة، تكشف عن نمط واضح، حيث تمركزت الاستثمارات المعلنة في قطاع التطوير العقاري خلال النصف الأول من عام 2026 في فئة الوحدات التي تتجاوز أسعارها مئة ألف دولار للوحدة الواحدة (ما يعني أن السوري الذي يقبض الحد الأدنى الرسمي للأجور في البلاد، والذي لا يتجاوز 102 دولاراً، سوف يحتاج إلى تصميد معاشه كاملاً دون أن يصرف أي ليرة منه، لمدة تزيد عن 81 عاماً كي يستطيع شراء منزل كهذا). ما يعني أن المواطن السوري العادي لا يمثل سوقاً مستهدفة في أي من هذه المشاريع، بل إن بعض المخططات العقارية الكبرى تقع على أراضٍ متنازع عليها وقد سلبت منهم في زمن سلطة الأسد.
الأخطر في هذه المعادلة هو أن غياب سياسة إسكان وطنية فعلية يمنح مشاريع القطاع الخاص الكبرى وضعاً احتكارياً على الفضاء العمراني في المدن الكبرى. فحين لا تبني الدولة مساكن للفقراء، تتمدد مشاريع الأغنياء لتملأ الفراغ، وترتفع أسعار الأراضي في المحيط، الأمر الذي يدفع السكان الأصليين للتهميش في المناطق المستهدفة حتى قبل أن يبدأ أي بناء. وهذا ما يسميه العديد من الباحثين الاقتصاديين بـ«التهجير أو الإحلال الطبقي العمراني Gentrification»، وهو ظاهرة وثقتها دراسات عديدة في سنغافورة وجنوب أفريقيا وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وكل مرة تنتهي بنتيجة واحدة، حيث ترتفع أسعار المسكن لجميع الشرائح، ويجري دفع الفقراء منهم نحو الأطراف والأرياف، ويتكرس الفصل الطبقي جغرافياً.
يزيد السياق السوري هذه المعادلة تعقيداً أيضاً، حيث جزء كبير من سكان المدن هم أصلاً من ذوي الدخل المحدود، وإحلال مشاريع التطوير الفاخرة في هذه البيئة يعني تهديداً مباشراً لمستوى معيشتهم. أما على صعيد الشفافية والمساءلة، فثمة فراغ قانوني واضح، حيث لا يوجد قانون استثمار عقاري واضح يحمي حقوق السكان الأصليين حتى الآن، كما لا توجد آلية تقييم اجتماعي إلزامية لمشاريع التطوير الكبرى، ولا هيئة رقابية مستقلة تتابع هذه الصفقات.


المخاطر طويلة الأمد: حين يبنى الاقتصاد على أرضية هشة


التركيز الفائق على مشاريع الأبهة العقارية الفاخرة له تداعيات اقتصادية خطيرة تتجاوز الأثر الاجتماعي المباشر، وتطال بنية الاقتصاد الوطني في عمقه، حيث أن نتائج التجارب الدولية في هذا الشأن حاسمة، وسورية ليست بمنأى عن ذلك.
حين يتضخم القطاع العقاري الفاخر ويصبح المحرك الرئيسي لتدفق رؤوس الأموال، يجذب إليه الموارد البشرية والمالية التي كانت يمكن أن تتجه نحو القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك الصناعة والزراعة والتكنولوجيا. يسمي العديد من الاقتصاديين هذه الظاهرة بـ«المرض العقاري»، في إشارة إلى الحالات التي يفضي فيها تضخم قطاع واحد ريعي إلى ضمور القطاعات الإنتاجية الأخرى. 
سورية التي دمر نحو 60% من طاقتها الصناعية وفقدت مئات الآلاف من العمال المهرة لا تملك ترف هذا التحويل، فكل دولار يتجه نحو برج فاخر هو دولار أقصي عملياً من مشاريع إنتاجية حقيقية كان يمكنها توليد وظائف فعلية ومنتجة.
كما أن الاستثمار العقاري الفاخر الموجه نحو النخبة الثرية غير المقيمة في البلاد هو بطبيعته ضعيف الانعكاس على الاقتصاد الحقيقي في البلاد. حيث إن الوحدات العقارية الفخمة التي تباع لهؤلاء تشترى للحفاظ على الثروة لا لاستخدامها للسكن الفعلي، وهو ما يعني أن نسبة عالية منها ستظل فارغة، وأن الطلب الذي يرفع أسعار العقارات هو طلب مضاربة لا طلب سكني حقيقي. وحين تتبدل ظروف الإقليم، أو حين تتغير الأولويات الاستثمارية لدى رؤوس الأموال الخارجية، تنكشف الفقاعة فجأة. ما يحدث عندها هو انهيار حاد في أسعار الأصول العقارية، وانهيار الشركات المحلية التي انخرطت في هذه المشاريع، وستتحمل الدولة والمواطن السوري الفاتورة.
كما تثبت التجارب الدولية أن القطاع العقاري الفاخر، حين يعمل في بيئة تشريعية هشة كالبيئة السورية الراهنة، يصبح ملاذاً ضريبياً بامتياز. حيث أن إعفاءات الاستثمار الممنوحة على أمل استقطاب رؤوس الأموال، وضعف آليات تسجيل الأصول والتقييم الضريبي، وانعدام الرقابة الفعلية على تحويلات الأرباح إلى الخارج، كلها عوامل تجعل العائد الضريبي الصافي للدولة من هذه المشاريع أقل بكثير من الأرقام المعلنة. في الوقت ذاته تنفق الدولة على تمديد البنية التحتية إلى مناطق التطوير العقاري هذه، وتتحمل على المدى البعيد أثمان اجتماعية لا يمكن حسابها في أي ميزانية.
وحين ترتفع أسعار الأراضي والعقارات في المدن الكبرى تحت تأثير مشاريع التطوير الفاخرة، يرتفع معها الإيجار في المناطق المحيطة، وترتفع تكاليف الإنتاج بالنسبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى مواقع قريبة من الأسواق. والنتيجة هي أن الحرفيين والتجار الصغار والعمال وأصحاب المشاغل سيدفعون نحو أطراف المدن، حيث تنعدم الخدمات وتتراجع الفرص. ولهذا، فإن اقتصاد المدينة الحيوي الذي يشكل العمود الفقري لهؤلاء سينهار لمصلحة تجمعات كبيرة وفارغة، مسورة بأسوار عالية، ويملكها من لا يعيشون في البلد أصلاً.

 


ما البديل؟ نحو نموذج اقتصادي سوري منحاز للعدالة الاجتماعية


الانتقاد وحده لا يكفي، ومقاومة نموذج اقتصادي غير عادل لا تكتمل دون اقتراح بديل قابل للتطبيق ومبني على أسس واقعية.
يبدأ البديل الحقيقي بإعادة الاعتبار لدور الدولة لا كعائق أمام الاستثمار ولا كمروج له، إنما كفاعل اقتصادي استراتيجي أساسي. تملك الدولة السورية أصولاً حقيقية يمكنها توظيفها في خدمة التنمية: الأراضي العامة الواسعة التي يمكن تطوير إسكان شعبي عليها بدلاً من بيعها للمطورين الخاصين. الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومعادن والتي يجب أن تخضع عقودها لشروط واضحة تضمن حصة الدولة والمواطن من عائداتها. المنشآت الصناعية العامة التي يمكن إعادة تأهيلها وإدارتها بكفاءة ورقابة مجتمعية بدلاً من خصخصتها بأرخص الأثمان.
النموذج الكوري الجنوبي ما بين الخمسينيات والسبعينيات، والنموذج الإيرلندي في مرحلة النهوض، والنموذج التايواني في قطاع التكنولوجيا، ورغم كل الملاحظات على هذه النماذج، إلا أن جميعها تثبت أن الدولة حين تقود الاستثمار الاستراتيجي بدلاً من مجرد تنظيمه تنتج نتائج أكثر عدالة وأكثر استدامة. لكن الشرط هو تغليب مسألة العدالة الاجتماعية وإرساء مساءلة حقيقية ومشاركة مجتمعية في القرارات الاقتصادية، وهو ما ينبغي أن تشتغل عليه الحكومة السورية.
الأولوية القصوى يجب أن تكون لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية: الزراعة التي دمرت بنيتها التحتية وشرد مزارعوها، والصناعة التحويلية التي كانت توظف مئات الآلاف قبل الحرب، والحرف التي تمثل هوية اقتصادية سورية أصيلة ولا تحتاج سوى بيئة حاضنة ودعم حكومي. هذه القطاعات هي التي تشغل الفقراء حقاً، وتحول قوة العمل الرخيصة إلى قيمة مضافة حقيقية تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
الأمثلة لا تحصى عن دول نهضت بصناعة تحويلية مخططة لا بأسواق عقارية مضاربية. الصين أخرجت مئات الملايين من الفقر بمنظومة صناعية متكاملة لا ببناء مجمعات ترفيهية للأثرياء. حتى دول الخليج التي كانت نموذجاً للتطوير العقاري تعمل اليوم جاهدة على تنويع اقتصاداتها والتركيز على الصناعة والزراعة بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط والريع العقاري.
سورية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وليس الخيار بين الانفتاح والانغلاق، ولا بين الاستثمار وعدمه. الخيار الحقيقي هو بين نموذج يراكم الثروة في يد قلة قليلة ويبقي الأكثرية المنهوبة خارج دائرة الاستفادة، ونموذج يصمم أصلاً لرفع مستوى معيشة الملايين من أبناء البلاد. والتجارب التاريخية تقول بوضوح إنه حين تنتهج الدول الخارجة من الحروب النموذج الأول، تمتد فترة الهشاشة والضعف وتتعمق التناقضات الطبقية أكثر. وحين تنتهج النموذج الثاني، تصنع معجزاتها الاقتصادية الخاصة.

 

الاقتصاد السوري