Skip to main content

كوزنيتسوف ضد مالتوس: لماذانجوع في عالم ينتج ما يكفي؟

 |  أحمد الرز  |  اقتصاد

منذ أن نشر توماس روبرت مالتوس «مقالة في مبدأ السكان» عام 1798، ظهر في الفكر الاقتصادي تيار شديد الإغراء لكبار الأثرياء في العالم، حيث يمكن تفسير البؤس الذي يعاني منه مليارات البشر من خلال الربط بين عدد البشر ووسائل عيشهم. حيث يمتلك السكان، وفق التصور الكلاسيكي لمالتوس، قدرة على النمو أسرع من قدرة الغذاء على الزيادة، ولذلك، تعيد المجاعة والأمراض والحروب والفقر الكوكب دورياً إلى حدود موارده. لم تبق تلك الفكرة حبيسة الكتب، حيث منحت، عبر تاريخ طويل من إعادة الصياغة، أساساً يسمح بنقل مركز النقاش من ملكية الثروة وتوزيعها وطريقة تنظيم الإنتاج إلى التركيز على عدد الأفواه التي تطالب بحصة من هذه الثروة.

في القرن العشرين برزت هذه الفكرة في أشكال أكثر تعقيداً تحت عنوان «النيومالتوسية»، ثم اكتسبت فكرة القدرات المحدودة للكوكب مقابل تنامي عدد السكان دفعة كبيرة مع صدور دراسة «حدود النمو» عام 1972، وهي الدراسة التي أعدها فريق من معهد MIT لصالح نادي روما (منظمة تأسست عام 1968 بتمويل من الملياردير الأمريكي الشهير، ديفيد روكفلر، وهي منظمة مغلقة وتقتصر على 100 عضو فقط يتم اختيارهم بدقة مما يسمى بالنخبة العالمية).
أدخلت الدراسة إلى نموذجها العالمي خمسة عوامل ومتغيرات أساسية: السكان، والإنتاج الزراعي، والموارد غير المتجددة، والإنتاج الصناعي، والتلوث. وقدمت سيناريوهات تؤكد أن استمرار نمو أعداد البشرية هو المشكلة التي تجعل النظام العالمي غير قادر على الاستمرار. 
انتقلت الفكرة إلى ميدان الفعل الإجرامي على المستوى العالمي حين اندمج الخوف من «فرط السكان» مع عمل ما يسمى بمؤسسات التنمية والسياسة الدولية، وتحول فقراء الكوكب إلى متغير ينبغي التحكم فيه. وكنتيجة لذلك، شهد القرن العشرون برامج «ضبط سكاني» وصلت إلى التعقيم القسري والإكراه وانتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان.
في المقابل، كانت هناك جهود فكرية أخرى ترى القدرة الاستيعابية للكوكب بوصفها معطى تاريخياً يتغير مع تطور العلوم والطاقة والكفاءة والتنظيم. وواحدة من أكثر هذه التجارب إثارةً تجربة العالم السوفييتي، ببيسك كوزنيتسوف، ومشروعه الذي حمل اسم «مختبر نظم إدارة تطوير الأنظمة» في عام 1967، والذي أثبت أن التطور التكنولوجي وزيادة تدفق الطاقة كفيلان بحل مشكلة الموارد في الكوكب، وأنه يمكن للأرض استيعاب أعداد أكبر من البشر إذا أديرت الموارد علمياً بشكل صحيح.


من «قانون السكان» إلى إدارة أجساد الفقراء


المنطلق المالتوسي شديد البساطة: حاجات الإنسان البيولوجية تحتاج إلى الغذاء، ومساحة الأرض محدودة، بينما تستطيع الجماعات البشرية التكاثر بسرعة كبيرة. ومن هنا، ظهر افتراض أن الفقر سيعود باستمرار حتى لو تحسنت أحوال الفقراء مؤقتاً، لأن التحسن سيزيد عددهم مما يدفع الموارد إلى الانخفاض. وفي كتاب مالتوس نفسه، نجد حديثاً واضحاً عن ضرورة البؤس الاجتماعي باعتباره «إحدى الآليات التي تعيد التوازن بين البشر ووسائل العيش».
اقتصادياً، كانت هذه الفكرة مناسبة جداً للنظام الرأسمالي الذي نعيش في ظله حتى اليوم. حيث يمكن تفسير ظاهرة الفقر بكثرة أعداد الفقراء، بينما تختفي من التحليل ملكية وسائل الإنتاج ومستويات الأجور وطريقة توزيع الثروة واحتكار الموارد وشروط العمل. ويصبح الجوع «ظاهرة طبيعية» بدل أن يكون نتيجة للنظام الاقتصادي القائم.
بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في الستينيات والسبعينيات، أصبحت أدوات التحكم الديموغرافي جزءاً من «عدة شغل» المؤسسات الدولية، حيث حدث انتقال واسع من العمل على الصحة والتعليم وتمكين النساء إلى أهداف كمية لخفض الخصوبة. وبحلول 1972، مولت الولايات المتحدة، عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، نسبة كبيرة جداً مما عرف ببرامج تنظيم الأسرة الدولية، مما خلق مواجهة في عدة محافل دولية بين الدول الغنية والدول الفقيرة التي رفضت هذه السياسة. وكانت تلك المواجهة ذات مضمون طبقي عالمي، حيث كانت الدول الغنية تنظر إلى معدلات الخصوبة المرتفعة في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية باعتبارها مشكلة تنموية وأمنية عالمية. أما جانب مهم من الدول الفقيرة فكان يقول إن الفقر والاستعمار والتبعية والتبادل اللامتكافئ وسوء التعليم والصحة هي المشكلة الحقيقية.
تقدم الهند المثال الأكثر فظاعة على ما حدث آنذاك: خلال حالة الطوارئ بين 1975 و1977، نفذت السلطات الهندية حملة تعقيم هائلة. ووثقت العديد من الدراسات أنه جرى تنفيذ أكثر من 8,000,000 عملية تعقيم في فترة قصيرة. وبطبيعة الحال، لم يكن ما جرى في الهند سياسة محلية، حيث يعترف أرشيف البنك الدولي نفسه أن هناك مشروعاً سكانياً أقر عام 1972 بقيمة إجمالية تبلغ 31.8 مليون دولار، منها 21.2 مليوناً من المؤسسة الدولية للتنمية IDA، وشمل بناء منشآت مخصصة لخدمات تنظيم الأسرة والتعقيم. 
ثم تكرر نموذج الهند الإجرامي في بيرو والصين وسنغافورة وبورتوريكو وعدد كبير من دول أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا الجنوبية، حيث أخضعت أجساد بشر حقيقيين لإجراءات تمس قدرتهم على الإنجاب دون موافقتهم. ومنذ ذلك الحين، نجح التعقيم والحروب وفضائح اللقاحات والأوبئة والإفقار في تخفيض توقعات زيادة عدد البشر بنحو كبير. حيث تتوقع أحدث تقديرات الأمم المتحدة ارتفاع عدد سكان العالم من 8.2 مليار عام 2024 إلى نحو 10.3 مليارات في منتصف ثمانينيات هذا القرن، وفي وقت لاحق قدرت الأمم المتحدة احتمالية بلوغ هذه الذروة خلال القرن الحالي بنحو 80% فقط.


كوزنيتسوف: عندما يصبح الهدر متغيراً اقتصادياً


في الاتحاد السوفييتي ظهر خلال الستينيات عالم شديد الغرابة بمعايير التخصص الأكاديمي الجامد اليوم. كان ببيسك كوزنيتسوف كيميائياً وباحثاً في علم التحكم الآلي وطرق النظم والتخطيط، وكان طامحاً ببناء علم تقاس فيه العمليات الاقتصادية بمقادير فيزيائية حقيقية، وعلى رأسها الطاقة والقدرة والكفاءة.
في ستينيات القرن الماضي، كتب كوزنيتسوف مخطوطته «الاقتصاد العالمي كنظام كبير قابل للإدارة». وبدأ مخطوطته من مبدأ أساسي وهو أنه لا يمكن تصنيع شيء دون إنفاق طاقة وموارد. لذلك، توجد في كل لحظة قدرة قصوى للإنتاج تحددها الطاقة والموارد المتاحة، حيث كان يعتبر توفر الطاقة قيداً حقيقياً أمام تلبية الاحتياجات البشرية، لكن نموذجه أضاف شيئاً بالغ الأهمية، وهو أن الحد الإنتاجي يتغير عندما تتحسن كفاءة استخدام الموارد والطاقة والتكنولوجيا وعمليات التنظيم.
وبينما حصر نادي روما نموذجه في خمسة متغيرات أحادية الاتجاه ومتحيزة صوب انهيار البشرية (السكان، والإنتاج الزراعي، والموارد غير المتجددة، والإنتاج الصناعي، والتلوث)، بنى كوزنيتسوف نموذجاً من ثلاثين متغيراً تتشابك وتتفاعل ديناميكياً. وتشمل هذه المتغيرات عوامل الكفاءة التقنية في إنتاج الطاقة واستهلاكها، وعوامل التنظيم الاجتماعي والمؤسسي، ومتغيرات الابتكار وانتشار التكنولوجيا، وعوامل التوزيع الجغرافي للموارد ومسارات نقلها. لكن الأهم من عدد المتغيرات هو طبيعة العلاقات بينها: فنموذج نادي روما أقام علاقات خطية وثابتة تفضي حتماً إلى الانهيار، بينما عالج نموذج كوزنيتسوف العلاقات غير الخطية وحلقات التغذية الراجعة التي من شأنها أن توجد مسارات جديدة كلما ضاق مسار قائم.
وفق نموذج كوزنيتسوف، كان يمكن للكوكب في ستينيات القرن الماضي (وليس اليوم!) إطعام ثلاثين مليار إنسان بمستوى معيشي لائق. وأن المشكلة ليست في الموارد والطاقة، بل في نظام اقتصادي عالمي يصرف قدراً هائلاً من الموارد والطاقة على الحروب والإعلانات والمضاربات المالية وترفيه الأقلية الطبقية، بدلاً من توجيهها نحو إنتاج الغذاء والطاقة والصحة للأكثرية الساحقة من سكان الكوكب.
في التصور الذي قدمه نادي روما، يمتلك الكوكب كمية محددة من الموارد، ثم يأتي السكان لاقتسامها. وكل إنسان جديد يعني حصة أصغر للجميع. أما في تصور كوزنيتسوف، تدخل المعرفة والتكنولوجيا وطبيعة النظام الاقتصادي داخل المعادلة نفسها ويمكنها أن تتحكم بها. حيث أن طناً واحداً من مادة ما لن يقدم القيمة الاجتماعية ذاتها في مصنعين تختلف فيهما التكنولوجيا. وكيلوواط واحد من الكهرباء لن ينتج الكمية نفسها من الخدمات في نظامين تختلف كفاءتهما. وعلى هذا النحو فإن الفرد الجديد لا يمثل فماً يريد أن يأكل فقط، بل يمكن أن يكون مهندساً أو طبيباً أو عالماً يغير طريقة استخدام الطاقة والموارد.
وفي إحدى النصوص التي كتبها رداً على الطروحات المالتوسية، ناقش كوزنيتسوف مسألة تصنيع الغذاء. وكان تصوره قائم على أن التقدم اللاحق في علم الكيمياء وإدارة التفاعلات يمكن أن يقلل كثيراً من اعتماد البشرية على الزراعة التقليدية، وتخيل مستقبلاً يستطيع فيه قطاع الصناعة أن يصنع أغذية من مواد غير عضوية وطاقة بدل الاقتصار على المسار الزراعي التقليدي. جدير بالذكر أن العديد من طروحاته لا تزال ذات وجاهة علمية حتى اليوم، مثل استخدام الطاقة (كالكهرباء المتجددة أو الطاقة الشمسية) لتحويل الماء وثاني أكسيد الكربون والهواء إلى جزيئات كربوهيدراتية وسكريات بسيطة، تماماً كما تفعل النباتات ولكن بكفاءة أعلى، ومثل استخدام البكتيريا ذاتية التغذية (مثل بكتيريا الهيدروجين أو الميثان) التي تتغذى على مواد غير عضوية بحتة (ثاني أكسيد الكربون، والهيدروجين المستخرج من تحليل الماء، والمعادن) لإنتاج كتلة حيوية غنية بالبروتينات والفيتامينات صالحة للأكل البشري والحيواني، ومثل إنتاج الأحماض الأمينية والدهون عبر تفاعلات كيميائية بحتة باستخدام عناصر الكربون، والهيدروجين، والنيتروجين، والأكسجين، وقد أثبتت جميع هذه المحاولات نجاحها لكنها تواجه اليوم عقبتين أساسيتين: الأولى أن هذا النمط من الإنتاج يتطلب طاقة كبيرة ومستدامة بتكلفة منخفضة لتفكيك وإعادة تركيب الجزيئات غير العضوية، والثانية هي أن ما يتم إنتاجه مخبرياً حتى الآن يتركز على المكونات الأساسية (بروتينات، كربوهيدرات خام) وليس الأطعمة بالشكل الطبيعي المتنوع الذي اعتاد عليه الإنسان من حيث المذاق والقوام. لكن من الواضح اليوم، مع التطور التكنولوجي الهائل والمتسارع، أنه من الممكن نظرياً إيجاد حلول لهاتين العقبتين.
وحتى قبل الوصول إلى ذلك، فإننا اليوم نملك ما يكفي من الغذاء كبشرية. تؤكد الأمم المتحدة أن الإنتاج الغذائي العالمي الحالي يكفي لإطعام سكان العالم، ورغم ذلك يعاني نحو 673 مليون إنسان من الجوع. وفي الوقت نفسه، قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم أهدر عام 2022 نحو 1.05 مليار طن من الغذاء على مستوى الأسر والمطاعم وقطاع التجزئة، أي قرابة 19% من الغذاء المتاح للمستهلك، بالإضافة إلى نحو 13% أخرى تفقد في مراحل سلسلة الإمداد قبل التجزئة. لهذا، وأمام هذه الأرقام، يصبح من السذاجة تفسير الجوع المعاصر بأنه لا يوجد غذاء كاف للجميع.

 


أزمة الكوكب أزمة طبقية: العدالة الاجتماعية شرط للبقاء


إذا كانت الموارد محدودة، فإن العدالة الاجتماعية تصبح أكثر أهمية. وهذه النتيجة تكاد تكون النقيض السياسي للمالتوسية، حيث يراقب المنطق المالتوسي عدد المستهلكين، بينما يراقب الاقتصاد السياسي أيضاً من يستهلك ماذا، ومن يمتلك ماذا، ومن ينتج ماذا، ولأي غرض؟
تقدم أزمة المناخ واحداً من أوضح الأمثلة على الظلم القائم عالمياً. وفق الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC، فإن أغنى 10% من الأسر عالمياً مسؤولة عن نحو 45% من الانبعاثات المرتبطة باستهلاك الأسر، بينما لا تتسبب أفقر 50% إلا في نحو 13%.
وهذه هي الحلقة التي يغفلها الخطاب الرأسمالي حين يتعامل مع «البشرية» باعتبارها وحدة اجتماعية واحدة. لا توجد اليوم بشرية متجانسة اقتصادياً. يوجد أصحاب رأس المال وأصحاب العمل المأجور، يوجد ناهبون ومنهوبون، توجد دول مراكز ودول أطراف تابعة، توجد شركات تستطيع توجيه استثمارات بمئات المليارات ومجتمعات لا تستطيع تمويل حتى شبكة مياه.
تنظم الرأسمالية الإنتاج وفق مبدأ الربح وحده. فاليوم، لا ينتج المصنع سلعة ما لمجرد أن إنساناً ما يحتاجها، وإنما لأن حاجة ذلك الإنسان اقترنت بقدرة شرائية تسمح بالربح. ومن هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات النظام الرأسمالي قسوة حيث نعيش اليوم في عالم فيه فائض من السلع المتوفرة لتلبية الاحتياجات، بالتوازي مع فائض من الحاجات غير الملباة. حيث الطعام موجود إلى جانب الجوع، والمساكن الفارغة إلى جانب التشرد، والقدرة الدوائية الهائلة إلى جانب العجز عن شراء الدواء. 
البديل القادر على خدمة البشرية ينبغي أن يعتبر الغذاء والماء والصحة والسكن والطاقة والتعليم حقوقاً ينبغي ضمانها دون أن يكون رأس المال قادراً على ابتزاز الإنسان عبر حاجاته الأساسية. هذا البديل له اسم معروف، لكن اسمه يخيف الكثيرين من كثرة ما تعرض له من محاولات للتشويه والشيطنة!