في 31 تموز 2026، تدخلت الولايات المتحدة واليابان معاً في السوق لدعم سعر صرف الين الياباني، فانخفض سعر صرف الدولار مقابل الين من قرابة 163 يناً إلى نطاق 157 يناً لفترة وجيزة. وكانت هذه المرة الأولى منذ 15 عاماً التي تتدخل فيها الولايات المتحدة مباشرةً لدعم الين.
مجموعة من الكتاب*
بعد ذلك، أشارت بعض التحليلات إلى أن جوهر هذا التدخل الأمريكي كان حماية الولايات المتحدة لنفسها؛ إذ لم تسمح لليابان ببيع ما تمتلكه من سندات الخزانة الأمريكية، والبالغة قيمتها 1.22 تريليون دولار، بل طلبت منها استخدام هذه السندات ضماناً للحصول على قروض دولارية جديدة تنفقها في إنقاذ سوق الصرف. وهكذا، بدت العملية المالية في ظاهرها وكأنها «مساعدة متبادلة بين حليفين»، لكنها كانت في حقيقتها محاولة أمريكية لإنقاذ سوق سنداتها الحكومية وحماية الثقة بالدولار.
فهل يُعدّ الانخفاض المستمر في قيمة الين نتيجةً حتميةً للتراجع الشامل في القدرة التنافسية للاقتصاد الياباني، أم أنه مأزق هيكلي ناتج عن فروق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، ومحاصرة رؤوس الأموال المضاربة للعملة اليابانية؟ وهل تدخلت الولايات المتحدة لإنقاذ اليابان فعلاً، أم لإنقاذ نفسها؟ وكم بقي للاقتصاد الياباني من هامش للمناورة، في ظل حكومة تاكايتشي ساناي التي تثير القضايا الجيوسياسية الحساسة من جهة، وتخفض الضرائب وتوسّع الإنفاق داخلياً من جهة أخرى؟
تدخلت الولايات المتحدة لثلاثة أسباب.
أولاً: لا تريد أن تواصل اليابان بيع ما تمتلكه من سندات الخزانة الأمريكية لإنقاذ سعر صرف الين.
ثانياً: لا تريد أيضاً أن يؤدي استمرار انخفاض قيمة الين إلى زيادة كبيرة في حجم الصادرات اليابانية، لأن ذلك سيفاقم العجز التجاري المختل أصلاً بين الولايات المتحدة واليابان. كما أن تدفق كميات كبيرة من السلع اليابانية إلى السوق الأمريكية ليس أمراً ترغب الولايات المتحدة في قبوله.
ثالثاً: قد تؤدي الاضطرابات الحادة في الين إلى عاصفة أو أزمة مالية، وهذا أيضاً ليس شيئاً ترغب الولايات المتحدة في رؤيته في المرحلة الحالية. لذلك تدخلت الولايات المتحدة من أجل مصالحها الخاصة حصراً.
في الواقع، كشف بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، نفسه أنه كتب في مذكرته رقماً يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار. وهذا ليس مبلغاً كبيراً. لقد استخدمت الولايات المتحدة بعض الأساليب التشغيلية الخاصة بالبنك المركزي والاحتياطي الفيدرالي، وأتاحت لليابان، عبر الإقراض، الحصول على مبلغ مالي قصير الأجل لدعم الين؛ أي إنها أقرضتها كميةً من الدولارات. لكن الجانب الأوروبي غضب بشدة بعد ذلك، واتهم الولايات المتحدة بأنها «تبيع اليورو لإنقاذ الين»، في مخالفة للمصالح والأعراف السائدة في الأوساط المالية.
بطبيعة الحال، لا تكترث الولايات المتحدة لهذا الأمر، وقد حققت العملية بالفعل نتائج على المدى القصير. وسمعت بعض المعلّقين يقولون: إن هذه الخطوة كانت في حقيقتها تحذيراً لما يُسمى «نسور العملات»، أي رؤوس الأموال الدولية المضاربة التي تهاجم عملةً معينةً، مثل: جورج سوروس خلال الأزمة المالية الآسيوية في الماضي. ومفاد التحذير أنه إذا حاول هؤلاء بيع الين على المكشوف، فقد لا يتمكنون من تحقيق هدفهم. ولذلك عاد الين إلى الاستقرار بسرعة على المدى القصير.
لكن معظم الناس يعتقدون أن استمرار انخفاض الين اليوم لا يعود إلى عجز الحكومة عن إنقاذ السوق، أو إلى عدم تقديم الولايات المتحدة المساعدة، بل يرجع إلى سببين.
السبب الأول: هو اتساع الفارق بين أسعار الفائدة على الدولار والين. ويخلق هذا الفارق حوافز قويةً للمضاربة وتحقيق الأرباح من فروق أسعار الفائدة، كما يجذب رؤوس الأموال إلى هذه العمليات، ما يفرض ضغوطاً تدفع الين إلى الانخفاض.
السبب الثاني: هو وجود مشكلات في البنية الاقتصادية لليابان نفسها، إلى جانب تراجع شامل في قدرتها التنافسية. فلا تستطيع صناعة السيارات اليابانية منافسة الصين، كما لا تستطيع صناعتها الإلكترونية منافسة الصين وكوريا الجنوبية. أما في مجال الطاقة الجديدة، فلا تملك اليابان شيئاً يُذكر، وما لديها في مجال الذكاء الاصطناعي ليس سوى استعراض فارغ.
يضاف إلى ذلك، أن تاكايتشي ساناي تستفز الصين، وذهبت إلى حد التهديد باستخدام القوة في زمن السلم، والتدخل في الشؤون الداخلية الصينية، ولا سيما في قضية تايوان. وأدى ذلك إلى فرض الصين عقوبات اقتصادية شاملة على اليابان، فألقى ذلك ظلالاً كثيفةً على الاقتصاد الياباني، وتسبب في خسائر فعلية. وهذه كلها مشكلات هيكلية لا يمكن حلها.
في ظل هذه الظروف، من المستحيل أن يستعيد الين مجده السابق ويواصل الارتفاع. ويُعدّ مجرد منعه من الانخفاض إنجازاً جيداً. ولذلك تدفع هذه المشكلات الهيكلية الين إلى مواصلة التراجع. ويتوقع بعضهم أن ينخفض بحلول نهاية العام إلى 170 يناً مقابل الدولار، فيما يرى كثيرون أن السعر الحالي، البالغ 165 يناً للدولار، يُعدّ سعراً معقولاً في الواقع. لذلك لا يستطيع التدخل الأمريكي سوى معالجة الأزمة العاجلة، لكنه لا يستطيع معالجة الفقر، وسيستمر اتجاه الين نحو الانخفاض.
لكن يجب أن تدركوا، أن السياسيين في نظامَي الولايات المتحدة واليابان لا يهتمون إلا بالمدى القصير والمتوسط. فمن يهتم بالمدى الطويل؟ قد ترحل تاكايتشي ساناي عن السلطة بحلول نهاية العام، ولذلك تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه الآن؛ فمن يستطيع رؤية ما سيحدث عبر السنوات؟
لا ينظر الرئيس الأمريكي إلى الأمور بهذه الطريقة أيضاً؛ فجميع السياسات الأمريكية الحالية تتمحور حول انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، وكل الإجراءات تُتخذ من أجلها. أما المسائل الأخرى، فيمكن مناقشتها بعد انتهاء الانتخابات النصفية.
تحاول تاكايتشي ساناي الآن إنقاذ شعبيتها الداخلية التي تتراجع باستمرار، بعدما هبطت إلى مستوى الأربعينيات، ولذلك لا تنظر هي الأخرى إلا إلى المدى القصير. وعلى الرغم من أن ديون الحكومة اليابانية تبلغ 260 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فإنها لا تزال تريد الوفاء بوعدها الانتخابي وإلغاء ضريبة الاستهلاك في اليابان. وهذا يوضح أنها تهتم بسلطتها السياسية، ولا تكترث بالمستقبل على الإطلاق.
إذا خفّضت الضرائب، فعلى أي أساس يستطيع بنك اليابان تعديل أسعار الفائدة؟ لقد ذكرنا قبل قليل أن فارق أسعار الفائدة بين الين والدولار يبلغ قرابة 3 إلى 4 ٪. ويؤدي هذا الفارق إلى المضاربة على أسعار الصرف، وهو نقطة ضعف قاتلة بالنسبة إلى الين. لكن كيف يجرؤ بنك اليابان على رفع أسعار الفائدة؟ وإذا لم يرفعها فلن يستطيع حل المشكلة.
لذلك أعتقد أن هذه حلقة مفرغة. وفي داخل هذه الحلقة، تعاون زعيما اليابان والولايات المتحدة لفترة وجيزة من أجل مصالح قصيرة الأجل، لكن هذا التعاون لن يستطيع تغيير الاتجاه على المديين المتوسط والطويل. ولهذا أعتقد أن الين سيواصل الانخفاض، ومن المرجح جداً أن يصل إلى 170 يناً مقابل الدولار بحلول نهاية العام.

يمنع عليك بيع سنداتك!
إن أكبر أسباب انخفاض قيمة الين اليوم يتمثل، من جهة، في التراجع المستمر للقدرة التنافسية للاقتصاد الياباني، ومن جهة أخرى، في التوسع المستمر وغير المسؤول لحكومة تاكايتشي ساناي في المجالين العسكري والمالي، وهو ما ولّد لدى الأسواق قدراً هائلاً من عدم الثقة بالين الياباني وبالقدرة التنافسية لليابان.
نعلم أن الخلافات بين الولايات المتحدة واليابان بشأن أسعار الصرف ليست جديدة، لكن ما حدث هذه المرة كان استثنائياً للغاية. فقد شاركت الولايات المتحدة مباشرةً في التدخل، بل صرّح بيسنت لاحقاً بأن بلاده ستفعل كل ما في وسعها لدعم اليابان في تثبيت الين. ومن وجهة نظري، يُعدّ ذلك أمراً نادراً للغاية، كما أن صدور كلام كهذا مباشرةً عن الولايات المتحدة يحمل إشارةً قويةً جداً.
فهل يعني ذلك أن استمرار انخفاض الين لم يعد مشكلةً تخص اليابان وحدها، بل ربما بدأ يؤثر في التجارة الأمريكية وسوق سندات الخزانة الأمريكية، وحتى في استقرار النظام المالي العالمي بأكمله؟ وإلى جانب العوامل الاقتصادية والمالية، هل توجد وراء التدخل الأمريكي لمساعدة اليابان اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية أكبر؟
بحسب ما نعلم، لا تزال اليابان تمتلك حالياً ما قيمته 1.22 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية. وأرادت اليابان بيع بعض ما بحوزتها من سندات حكومية أمريكية لإنقاذ الين، لكن الولايات المتحدة رفضت ذلك. وقالت لها عملياً: لا يمكنك بيع السندات التي تمتلكينها متى شئت، ولن أسمح لك ببيعها.
عندئذ ابتكرت الولايات المتحدة حيلةً مثيرةً للاهتمام. قالت لليابان: صحيح أنك تمتلكين سندات خزانة أمريكية، لكن لا يمكنك بيعها. تستطيعين تقديم هذه السندات إليّ ضماناً، وسأقرضك في المقابل دولارات جديدة. تخيلوا الأمر: تمتلك اليابان سندات الخزانة الأمريكية، وهي في الأصل جزء من ممتلكاتها، ولديها الحق المطلق في التصرف بها. لكن الولايات المتحدة لا تسمح لها الآن ببيعها، وتفرض عليها الاستمرار في الاحتفاظ بها، ثم تطلب منها استخدام السندات نفسها ضماناً للحصول على قروض دولارية جديدة، ودفع فوائد إضافية عليها أيضاً.
ولذلك لا يقدم الأمريكيون بأي حال عملاً نزيهاً أو غير أناني. إنهم يخشون أن يؤدي بيع اليابان سندات الخزانة الأمريكية إلى زيادة تضرر مكانة الدولار وإضعاف قدرة الولايات المتحدة على إصدار الديون. هذا هو الهدف الحقيقي للولايات المتحدة، وليس إنقاذ الين.
وفضلاً عن ذلك، لا تستطيع الولايات المتحدة إنقاذ الين ببضعة مليارات أو عشرات المليارات من الدولارات. ففي الولايات المتحدة، بل وفي الغرب كله، يتسلل رأس المال المالي إلى كل مكان ويسعى إلى الربح بأي وسيلة. ومتى خلصت المؤسسات المالية إلى أن الين سيواصل الضعف بسبب عوامل مختلفة، فإنها ستبيعه على المكشوف حتماً لتحقيق الأرباح.
من هذه الزاوية، هل أنت مستعد لإنفاق 100 مليار دولار، أو تريليون دولار، أو حتى 10 تريليونات دولار لإنقاذ الين؟ لا وجود لمثل هذا الاستعداد إطلاقاً. تعاني الولايات المتحدة الآن حريقاً في فنائها الخلفي، ولا تكاد تستطيع حماية نفسها، فمن أين لها الوقت لإنقاذ الدولار أو الين؟ ولذلك كان ما فعله بيسنت والولايات المتحدة هذه المرة محاولةً لإنقاذ نفسيهما في الحقيقة، وهذه هي النقطة الأولى والأساسية.
الصناعة اليابانية في حالة سقوط
ما وضع الاقتصاد الياباني حالياً؟ إنه لا يعرف ماذا يفعل ولا إلى أي اتجاه يمضي. وكما يعلم الجميع، ظلت اليابان طوال 48 عاماً، حتى عام 2010، أكبر اقتصاد في آسيا وثاني أكبر اقتصاد في العالم. أما اليوم، فقد أصبح حجم الاقتصاد الصيني يعادل خمسة أضعاف الاقتصاد الياباني. كما يتمتع الاقتصاد الصيني بزخم قوي في التنمية وبقدرات مستقبلية كبيرة، بينما لا تتمتع اليابان بذلك.
تتراجع حالياً كثير من الصناعات اليابانية التي كانت تُعدّ صناعات متفوقة، في حين لا تمتلك البلاد صناعات ناشئةً جديدةً. تريد اليابان، على سبيل المثال: تطوير صناعة أشباه الموصلات، لكن هل تستطيع تحقيق ذلك؟ أصبحت تكلفة تصنيع أشباه الموصلات في اليابان اليوم أعلى منها في منطقة تايوان.
من هذه الزاوية، لا تملك اليابان سوى طريق واحد، وهو احتضان السلام والامتناع عن السماح لقوة كبرى باستخدامها أداةً على رقعة الشطرنج. وإذا أرادت اليابان الاستمرار في النزعة العسكرية، فإن ما ينتظرها هو «بند الدول المعادية» الوارد في ميثاق الأمم المتحدة.
يريد بعض اليابانيين امتلاك قنبلة ذرية. وقد قلنا مرات كثيرة على المستوى الدولي: اليوم الذي تمتلك فيه اليابان سلاحاً نووياً سيكون اليوم الذي تفنى فيه اليابان كدولة! فالصين لن تسمح لليابان إطلاقاً بامتلاك قنبلة ذرية. لقد فقدت تاكايتشي ساناي صوابها. هل نسيت أنها تنتمي إلى دولة مهزومة في الحرب؟ وهل نسيتِ أن ميثاق الأمم المتحدة ما زال يتضمن «بند الدول المعادية»؟ إذا لعبتِ بالنار حقاً، فلن تكون النتيجة سوى تحوّل كل شبر من أراضي اليابان إلى بحر من النار.
تواصل اليابان إثارة الاضطرابات، وأنشأت أخيراً ما سمّته «قوة العمليات الفضائية». وهي لا تملك أصلاً الحق في تنفيذ عمليات قتالية على الأرض، فهل تريد الآن الذهاب إلى الفضاء لتنفيذ عمليات عسكرية؟ يوضح ذلك المستوى الذي وصلت إليه العقلية اليابانية.
لا تملك اليابان سوى طريق واحد، وهو إدراك حقيقة استسلامها غير المشروط عام 1945، بما في ذلك استسلامها للصين. ولن تتمكن مطلقاً من تشكيل تهديد عسكري للصين مجدداً. لأنها إذا شكّلت مثل هذا التهديد، فسوف تفنى كدولة. لماذا لا تركّز اليابان على التنمية الاقتصادية؟
إذا لم تفعل ذلك، فقد يصل سعر صرف الين إلى 170 يناً مقابل الدولار بحلول نهاية العام. وعندئذ أعتقد أنه ليس من المستبعد أن تتكالب المؤسسات المالية الغربية عليه وتدفعه إلى 200 ين مقابل الدولار. فلننتظر حتى نهاية هذا العام ونرَ.
إلى أي مرتبة سيتراجع الاقتصاد الياباني بين اقتصادات العالم مستقبلاً؟ أعتقد أن شعور اليابانيين بالفخر والتفوق سيتحطم تماماً عندما تصدر إحصاءات حجم الاقتصادات لعام 2026 في نهاية هذا العام.
لذلك تحاول الولايات المتحدة الآن استقطاب اليابان لتكون وكيلاً لها، كما تحاول استقطاب الفلبين لتكون وكيلاً، وربما تحاول أيضاً استقطاب قطع أخرى على رقعة الشطرنج، لكن أياً من هذه الأساليب لن ينجح فعلياً.
ستُجرى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية قريباً، ومن المرجح جداً أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب. وعندئذ قد يتحول الرئيس ترامب إلى «بطة عرجاء».
*مجموعة الكتاب:
غاو تشيكاي: بروفسور في جامعة سوتشو، ونائب مدير مركز الصين والعولمة «CCG».
جيه ونجي: مسؤول سابق في الشؤون الخارجية بمنطقة تايوان، ومعلّق على الشؤون الجارية.
سو هنغ: رئيسة مجلس إدارة الجمعية الصينية للتبادل الاقتصادي والتجاري عبر المضيق في تايوان.