دراسة «التخطيط والإحصاء»: محاولات لتلطيف واقع التضخم في سورية
نشرت «هيئة التخطيط والإحصاء» - المكتب المركزي للإحصاء سابقاً - في 30 تموز 2026 دراسة حول واقع التضخم خلال الفترة 2010 - 2025، في محاولة لتقديم رواية كمية متكاملة لتحول الأسعار في سورية منذ ما قبل الحرب وحتى التحولات الأخيرة. الجديد في الدراسة هو إعادة تقسيم الأعوام الـ15 الماضية إلى مراحل تضخمية مختلفة، وربط الرقم القياسي لأسعار المستهلك بسعر الصرف والغذاء والطاقة والنقل، وصولاً إلى توصيف عام 2025 بوصفه سنة شهدت «تصحيحاً سعرياً» واسعاً بعد سنوات من الارتفاع المتراكم. وتقول الدراسة إن التضخم كان نتاجاً لتفاعل تراجع قيمة الليرة مع انهيار الإنتاج، واختناقات التوريد، وارتفاع كلفة الطاقة والنقل، والعقوبات والسياسات الحكومية. وهي بذلك تصف جانباً من المسألة. لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من السرد إلى القياس. فالدراسة التي تريد أن تشرح كيف عاش السوريون واحدة من أقسى أزمات الأسعار في تاريخهم المعاصر تبني معظم حساباتها على سلة استهلاك تعود في أصلها إلى واقع سابق، أي إلى مجتمع واقتصاد ونمط معيشة سابق للحرب والنزوح وانهيار الدخول وتبدل مصادر الطاقة والأسواق. والأسوأ أن الدراسة نفسها تعترف لاحقاً بأن هذه السلة لم تعد ممثلة لأنماط الاستهلاك والإنفاق خلال السنوات التي تلت.
هذه الملاحظة الأخيرة تمس السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى ملايين السوريين: هل الرقم الرسمي للتضخم يقيس فعلاً ما حدث لتكلفة حياة الأسرة الفقيرة؟ بالنسبة إلى أسرة تنفق معظم دخلها على الخبز والطعام والوقود والإيجار والدواء والنقل، ليست المسألة أن «المؤشر العام» ارتفع أو انخفض فقط، بل أي أسعار ارتفعت، وبأي وزن من دخلها، وهل بقيت أصلاً قادرة على شراء السلع التي يفترض المؤشر أنها تستهلكها. حيث أن الفقير لا يشتري بالملموس سلة استهلاك وسطية افتراضية، وإنما يشتري ما يستطيع شراءه بعد أن يكون راتبه قد تآكل، وقد يستغني عن اللحوم أو الدواء أو التدفئة أو النقل أو التعليم. وعندما تتغير الحياة بهذه الجذرية، تصبح الأوزان القديمة ضعيفة الدلالة اجتماعياً وغير علمية أساساً.
وهنا لا بد من القول إن وجود سلسلة أسعار وجداول تفصيلية هي خطوة ضرورية لأي نقاش اقتصادي رصين. لكن الخطر يكمن في تحويل أرقام مبنية على افتراضات قديمة وعلى توثيق منهجي ناقص إلى منصة تدعي تمثيل «واقع التضخم» بشكلٍ زائف. وبينما لا يوجد ما يسمح باتهام معدي هذه الدراسة بوجود نية متعمدة لتجميل الواقع، لكن الطريقة المستخدمة تفتح عملياً الباب أمام تلطيف قسوة التدهور المعيشي، لأنها تقيس أسعار اقتصاد اليوم بأوزان مجتمع الأمس، ثم تخلط أحياناً بين التزامن والسببية وبين الرقم القياسي وتكلفة الحياة الفعلية.
ما الذي تقوله الدراسة فعلاً؟ وما المشكلة في نقطة الانطلاق؟
تقدم الدراسة بيانات مفيدة عن مساهمة مكونات مختلفة في صعود الأسعار. ففي 2012-2013 مثلاً، تنسب نحو 54.6% من الزيادة إلى الأغذية والمشروبات غير الكحولية، ونحو 15.1% إلى السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، ثم تأتي الملابس والنقل ومجموعات أخرى. وفي 2022-2024 ترتفع مساهمة الغذاء، وفق الحساب المستخدم، إلى نحو 58.7%، فيما تصل مساهمة النقل إلى 23.6%. وهذه الجداول مهمة لأنها تحاول أن تقول شيئاً أعمق من عبارة «التضخم ارتفع»، لتصل إلى أن الصدمة كانت متمركزة في السلع والخدمات التي لا يستطيع الفقير الهرب منها.
لكن هذه «الميزة» تقودنا مباشرة إلى المعضلة الأساسية وهي أن المساهمة تعتمد على الوزن. وإذا كان الوزن لا يمثل إنفاق الأسرة الفعلي، فإن دقة النسبة المئوية تصبح مضللة مهما كانت العملية الحسابية صحيحة.
توضح الدراسة أن سلة المستهلك بنيت انطلاقاً من مسح دخل ونفقات الأسرة لعامي 2008-2009، مع اعتماد 2010 سنة أساس. وتشكل الأغذية والمشروبات غير الكحولية 39.9% من الوزن، والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 25.54%، والنقل 7.06%، والملابس والأحذية 5.59%، والاتصالات 4.24%، والصحة 3.82%.
وقد تكون هذه الأوزان معقولة لو كنا نقيس وضع أسرة سورية في 2009. لكنها تستخدم لتفسير أسرة سورية في أعوام 2015 و2020 و2024 و2025. وهنا المشكلة أكبر من أن تقتصر على عمر الجدول فقط، بل في حجم التحول الذي حدث بين التاريخين، حيث تبدلت الدخول الحقيقية، وتغيرت أنماط السكن بفعل النزوح، وتغيرت تكاليف النقل والمواصلات، وبرزت مصادر طاقة بديلة لها تكاليفها الخاصة، وارتفعت أهمية نفقات لم تكن تحمل الوزن نفسه قبل الانفجار الاجتماعي عام 2011، وتقلص استهلاك سلع أخرى لأن الأسر لم تعد قادرة على شرائها. وكلما أصبح الدخل أكثر فقراً، تراجعت حرية المستهلك في توزيع إنفاقه، وصارت الأولوية للبقاء لا للنمط الاستهلاكي الذي كان سائداً قبل خمسة عشر عاماً.
اللافت هنا أن «هيئة التخطيط والإحصاء» لا تنفي المشكلة، وإنما تعترف بها بوضوح في نتائج الدراسة التي اعتبرت أن السلة المعتمدة على مسح 2008-2009 «غير ممثلة للنمط الاستهلاكي والإنفاق الأسري» خلال الأعوام اللاحقة. كما تشير إلى أن اختلاف الإنفاق بين المحافظات يستدعي دراسة بحسب المحافظات. لكن ما لا تقوله هو أن هذا الاعتراف يهز الأساس الذي تقوم عليه الدراسة أصلاً.
فإذا كانت السلة غير ممثلة، فماذا تعني عبارة إن الغذاء ساهم مثلاً بـ58.71% من الارتفاع بين 2022 و2024؟ الجواب الدقيق ليس أن الغذاء ساهم بهذه النسبة من التضخم الذي عاشته الأسرة السورية فعلاً، بل أنه ساهم بهذه النسبة عندما نزن تغير أسعاره بأوزان إنفاق تعود إلى 2008-2009. وهذا فرق كبير جداً: فقد تكون أسرة فقيرة في 2024 تنفق 60 أو 70 أو 80% من مواردها المتاحة على الطعام والطاقة والإيجار والنقل الضروري. وإذا كان المؤشر يعطي تلك البنود وزناً أقل من ثقلها الفعلي في إنفاق الأسر الفقيرة، فإنه سيفشل في قياس التضخم الذي تعيشه تلك الأسرة.
والأهم أن طريقة لاسبير التي تعتمدها الدراسة، والتي تعود إلى عام 1871، تقوم على تثبيت أوزان فترة الأساس وقياس تغير الأسعار اللاحقة قياساً عليها. وتشرح الدراسة ذلك صراحة باعتباره ميزة تسمح بالمقارنة الزمنية.
يجب أن نعترف أن طريقة لاسبير كان معمولاً بها في سورية طوال العقود السابقة، وأنه لا يزال معمولاً بها في العديد من دول العالم، لكن ما نحاول قوله هنا هو أنه يجب الانتباه إلى أن هذه الميزة (المقارنة الزمنية) تتحول إلى عبء عندما يصبح واقع سنة الأساس بعيداً جذرياً ولا ينتمي من قريب ولا من بعيد عن واقع سنة القياس.
وعليه، فإن المؤشر هنا لا يجيب عن السؤال الذي يهم الأسرة الفقيرة: «كم أحتاج اليوم للحفاظ على مستوى معيشي مماثل أو لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات؟» بل يجيب بدرجة كبيرة عن سؤال مختلف: «كيف تغير سعر سلة ذات تركيب قديم؟»، ولهذا، فإن تسمية المؤشر بـ«واقع التضخم في سورية» أوسع مما تسمح به الأداة ومنطقها. والأدق علمياً أن نقول إنها دراسة لتطور مؤشر رسمي محدد بأساس وأوزان قديمة، وليست قياساً كاملاً لتضخم المعيشة الذي تحملته الأسر السورية.
لماذا مؤشر هيئة الإحصاء بعيد عن التضخم الحقيقي؟
المشكلة الثانية هي أعمق من مسألة الأوزان، حيث تتعامل الدراسة مع سورية، في أجزاء كبيرة من تحليلها، بوصفها سوقاً وطنية واحدة يمكن اختزالها في رقم واحد. لكنها في مواضع أخرى تعترف بأن الأسواق نفسها تعرضت للتجزؤ، وأن تكاليف النقل والتأمين وتوافر السلع جعلت سعر السلعة الواحدة يختلف بين منطقة وأخرى، وأن آلية التسعير الوطنية الموحدة ضعفت خلال سنوات الأزمة.
إذا كان هذا صحيحاً، فإن السؤال يصبح: ما المعنى من وجود «متوسط سعري» لسلعة ما خلال مرحلة قد تكون فيها هذه السلعة متاحة في محافظة، وغير موجودة في أخرى، ومدعومة بنسبة ما في مكان، ومباعة بسعر مختلف في مكان آخر؟
كما لا تقدم الدراسة في القسم المنهجي المنشور ما يكفي للإجابة عن أسئلة حاسمة حول دقتها: فكم عدد منافذ البيع التي تم رصدها؟ وما توزيعها الجغرافي؟ وكيف تغيرت التغطية خلال الحرب؟ وكيف عولجت الحالات التي كان فيها الحصول على السلعة بالسعر الرسمي نظرياً ممكناً لكنه فعلياً شديد الصعوبة أو مستحيلاً؟
في اقتصاد مستقر نسبياً قد تبدو هذه التفاصيل اختصاصاً إحصائياً ضيقاً. أما في سورية فهي صلب القضية. حيث أن سعر «مدعوم» لليتر الوقود أو لربطة الخبز لا يساوي بالضرورة التكلفة التي تحملها المواطن إذا لم يكن الوقود متوافراً إلا بعد انتظار طويل أو شراء جزء من الحاجة في سوق أعلى سعراً. وسعر مادة غذائية في نشرة رسمية لا يعبر عن كلفة الوصول إليها إذا كان النقل بين المحافظات مكلفاً أو إذا كانت السلعة تختفي دورياً. ولذلك، يجب السؤال عن السعر الفعلي الذي دفعه المستهلك مقابل الحصول على الحاجة.
ثم تأتي مسألة 2025، وهي أكثر نقاط الدراسة حساسية. بحسب الدراسة، انخفض الرقم القياسي العام من نحو 34,132 نقطة في الربع الأول إلى نحو 20,554 نقطة في الربع الرابع، أي بنحو 39.8%، بينما انخفض سعر الصرف الربعي خلال الفترة نفسها بنحو 4.6% فقط. وتقول الدراسة إن عام 2025 شهد تصحيحاً سعرياً واسعاً، وإن أكبر مساهمات الهبوط جاءت من الغذاء والنقل.
ما نقوله هنا هو أن هبوط مؤشر عام بنحو أربعين في المئة في سنة استثنائية مؤسسياً واقتصادياً يجب أن يدفع المؤسسة الإحصائية إلى تقديم تدقيق منهجي مضاعف قبل أن يتحول هذا الرقم إلى رواية ترويجية حول تحسن المعيشة. فهل بقيت السلع نفسها؟ وهل بقيت نقاط رصد الأسعار نفسها؟ وهل توسعت التغطية الجغرافية للرصد؟ وهل أدى استيراد منتجات جديدة أرخص (وأقل جودة) إلى تغيير المقارنات؟ هل أصبحت أسعار مناطق كانت خارج العينة سابقاً جزءاً منها؟ أم هل جرى تغيير غير معلن في طريقة احتساب بعض البنود؟
ثم هنالك مشكلة أخرى، وهي أن الدراسة تحلل الأسعار أكثر مما تحلل الدخول الحقيقية، حيث تذكر زيادات الرواتب والأجور، بل وتشير إلى أن بعض هذه الزيادات لم تستطع مجاراة الأسعار في 2020-2021. لكن لا يظهر مؤشر متكامل يقارن بصورة مستمرة بين تطور تكلفة المعيشة وتطور الأجر الحقيقي. حيث يمكن أن ينخفض معدل التضخم بينما تصبح الأسرة أفقر، فالانتقال من تضخم 120% إلى 20% لا يعني أن الأجور عادت إلى قدرتها الشرائية السابقة، بل يعني فقط أن الارتفاع أصبح أبطأ فوق مستوى مرتفع للغاية. وهذه هي النقطة التي غالباً ما تضيع في هذا النمط من الحسابات، حيث إن تباطؤ التضخم لا يعني بالضرورة انخفاضاً في تكاليف المعيشة.
البديل: دراسة تضخم تبدأ من حياة الناس ومعيشتهم
أول مبدأ يجب أن يحكم أي دراسة جدية هو أن هدف القياس لا يجب أن يكون إنتاج رقم مريح للترويج للأداء الحكومي، ولا العكس، وإنما إنتاج رقم قريب من الواقع الفعلي يمكن للسوريين على اختلاف مشاربهم أن يعيدوا فهمه وفحصه ومناقشته. وبناءً عليه فإن الشفافية هنا هي شرط علمي.
والبداية يجب أن تكون بإعادة بناء السلة. حيث لا يجوز أن تبقى سلة 2008-2009 المرجع الوحيد لقياس التحول المعيشي حتى في 2025، خصوصاً أن الدراسة نفسها تقر بعدم تمثيلها للنمط الحالي. من هنا، ينبغي تنفيذ مسح حديث لدخل ونفقات الأسر، مع نشر تصميم العينة وتغطيتها الجغرافية وأوزان الفئات المختلفة. وإلى حين اكتمال مسح واسع، يمكن بناء سلال انتقالية متعددة مع إعلان أنها تقديرية، ثم إجراء اختبارات حساسية تفسر كيف يتغير التضخم إذا كان وزن الغذاء 40%؟ وماذا لو أصبح 55% لدى الشرائح الأفقر؟ وماذا لو كان وزن الطاقة والنقل أعلى مما كان عليه قبل الحرب؟ بهذه الطريقة ننتقل من رقم واحد زائف إلى نطاقات أكثر قرباً من الواقع.
والخطوة الأهم هي فصل «مؤشر الأسعار» عن «مؤشر تكاليف المعيشة». حيث يحتاج السوريون إلى تقدير رسمي معلن للحد الأدنى لتكاليف المعيشة يشمل السعرات الحرارية الأساسية والسكن والطاقة والمياه والنقل الضروري والدواء والتعليم والاتصالات وغيرها من ضروريات الحياة. ثم يجب حساب تكلفتها شهرياً ومقارنتها بالحد الأدنى الرسمي ووسطي الأجور.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
