تطرح النشرة الخامسة والأربعون لمؤسسة Tricontinental: Institute for Social Research، المنشورة في 5 تشرين الثاني 2026، قراءة في انتصار لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في انتخابات الرئاسة البرازيلية، وفي الحدود البنيوية التي تحكم عمل حكومته. فقد سعى لولا إلى الرئاسة ثماني مرات منذ 1989، وفاز بها أربع مرات (2002، 2006، 2022، 2026)، وآخرها وهو في الثمانين. لكن المقال يشدّد على أن هذا الفوز، رغم أهميته، لا يغيّر وحده موازين القوى التي قيّدت مساره السياسي، منذ قيادته لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو ودياديما عام 1969، مروراً بعهد الديكتاتورية العسكرية (1964–1985)، ثم بالنظام الديمقراطي الذي احتفظت فيه الطبقات الحاكمة القديمة وحلفاؤها في واشنطن بيد عليا.
فيجاي بارشاد (بتصرف)
كان شعار الحملة «بورا لولا» أي «هيا بنا، لولا»، لكن السؤال الذي يطرحه النص هو: إلى أين؟ فقد خرج عمال البرازيل وفلاحوها وسكان الأحياء الطرفية وحركات الأرض والسكن إلى الشوارع، قبل الجولة الثانية، لمنع عودة اليمين المتطرف الذي يمثله فلافيو بولسونارو، وللضغط من أجل مطالبهم. وبعد ثلاث ولايات سابقة للولا، لم تعد حدود المنصب مجردة: فالفوز الانتخابي وحده لا يذيب سلطة التمويل، ولا ينفّذ إصلاحاً زراعياً، ولا ينهي العمل غير المستقر، ولا يفكّك المؤسسات التي يمارس من خلالها الأثرياء سلطتهم. لذلك يحمي انتصار لولا مكاسب ديمقراطية واجتماعية باهظة الثمن من اليمين المتطرف، لكنه لا يغيّر التضاريس الصعبة لعصر الثورة المضادة.
يستخدم المقال مفهوم «الثورة المضادة» بدلاً من الاكتفاء بمصطلحي «النيوليبرالية» و«العولمة»، لأن المفهومين يصفان جوانب من السياسات والتكامل الاقتصادي، لكنهما قد يحجبان الجوهر السياسي. فمنذ أوائل التسعينيات، رسّخت قوى الثورة المضادة هيمنتها العالمية عبر انعكاس منظّم لمكاسب الصراعات الاشتراكية والطبقة العاملة والتحرر الوطني. وقد ساعدت أزمة ديون الثمانينيات وتدمير الاتحاد السوفييتي على تغيير ميزان القوى الدولي، فأصبحت الإمبريالية، التي كانت مقيّدة جزئياً، أكثر حرية في معاقبة الحكومات التي تتحدى سلطتها.
يعرض النص أمثلة على هذا التحول: إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995 لترسيخ نظام تجاري عالمي واحد، بقواعد مشتركة لا تراعي التفاوت التاريخي في القدرات الإنتاجية؛ والبروتوكول الخامس لاتفاقية التجارة في الخدمات عام 1997 الذي فتح الأسواق المالية أكثر أمام الشركات الأجنبية؛ وتحرير حساب رأس المال؛ وتوسع التمويل العابر للحدود. ويذكر أن أصول شركة BlackRock الخاضعة للإدارة، نمت من 165 مليار دولار عام 1999 إلى 15.5 تريليون دولار بحلول سبتمبر 2026، أي نحو 94 ضعفاً بالقيمة الاسمية، بينما ارتفعت أصول Goldman Sachs من نحو 250 مليار دولار عام 1999 إلى 1.81 تريليون دولار عام 2025.
في هذا السياق، تكيّفت أحزاب اشتراكية ديمقراطية وليبرالية في أوروبا وأمريكا الشمالية مع التحول النيوليبرالي، وتراجعت عن توسيع الرعاية الاجتماعية وسلطة الطبقة العاملة، فاضطرت القوى الأكثر يسارية إلى حمل عبء الدفاع عن الحقوق الديمقراطية والاجتماعية، وهي تضعف بفعل الهجمات الإمبريالية وإعادة هيكلة الإنتاج ونمو العمل غير المستقر. ومع تدمير الاتحاد السوفييتي، تفكك كثير من الأحزاب الشيوعية واليسارية أو تراجع، وضعفت الحركات المسلحة أو دخلت مسارات تسريح. ورغم اختراقات مهمة، مثل: إنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا 1994، وبدء العملية البوليفارية في فنزويلا 1998، وإنهاء الملكية في نيبال 2008، فإن علاقات الملكية الرأسمالية نجت إلى حد كبير، ولم تتغلب العملية البوليفارية على اعتماد فنزويلا على تصدير النفط الخام.
وعلى هذا الأساس، تبلورت برامج اليسار عملياً حول ثلاثة محاور مترابطة: الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، والدفاع عن الرعاية الاجتماعية وتوسيعها، وبناء مؤسسات متعددة الأطراف توسّع فضاء التنمية السيادية. وتُقرأ تجربة لولا ضمن هذا الإطار.
أولاً: الديمقراطية. يذكّر النص بأن لولا انتُخب رئيساً لنقابته عام 1975، وأن موجة الإضرابات بين 1978 و1980 وتأسيس حزب العمال عام 1980 ساعدا على إضعاف الديكتاتورية، وتسريع إعادة الدمقرطة. وقد وسّعت تعبئة الطبقة العاملة وصراعات الفلاحين، التي تجمعت وطنياً في حركة العمال بلا أرض (MST) عام 1984، الكفاح من أجل الحق في تنظيم النقابات ونشر الصحف وبناء الأحزاب والتنافس الانتخابي. لكن اليمين المتطرف وحلفاءه استخدموا أدوات، مثل: «القانون كسلاح»، كما في عزل ديلما روسيف عام 2016 واعتقال مرشحة الإكوادور السابقة لويزا غونزاليس، والتدخل العسكري المباشر كما في الهجوم الأمريكي على فنزويلا في يناير 2026 واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو والسيدة الأولى سيليا فلوريس. وإعادة انتخاب لولا تحافظ على مكاسب ديمقراطية، لكنها لا توسّع المشاركة الشعبية بين الانتخابات. وقد لعبت حركة MST وغيرها، إلى جانب مجموعات الشباب، وقناة واتساب «Exército do Lula»- التي جذبت أكثر من 10 ملايين متابع- دوراً في تعبئة الناخبين. والمطلوب لاحقاً تقوية النقابات ومنظمات الأحياء وحركات الفلاحين وفقراء المدن، وخوض معركة الأفكار والعواطف في ميادين اليمين المتطرف، مثل: وسائل التواصل والمجتمعات الدينية.
ثانياً: الرعاية الاجتماعية. كافح لولا في ولاياته السابقة لتوسيع الصحة والمعاشات والتعليم والإسكان ودعم الدخل. وقد أفادت وكالة الإحصاء البرازيلية (IBGE) بأن الفقر انخفض من 27.3% عام 2023 إلى 23.1% عام 2024، وهو ثالث انخفاض سنوي متتالٍ، لكنه يبقى مرتفعاً. وإعادة التوزيع التي لا تحوّل السلطة الاقتصادية، ولا تبني القوى المنتجة ضرورية، تبقى محدودة. فقد شهدت البرازيل استمرار إزالة التصنيع وضعف الاستثمار، خصوصاً في البنية التحتية. ودون قاعدة إنتاجية أقوى، وإيرادات عامة أوسع، تظل البرامج الاجتماعية عرضة للمساومات مع المصالح الثرية. وقد أمّنت حكومات لولا تقدماً اجتماعياً، لكن التسويات التي أتاحته، وضعت حدوداً لمداه، واستنزفت التحالفات. وينمو اليمين المتطرف داخل هذا الاستنزاف، محوّلاً إذلال العمل غير الآمن إلى استياء ضد المهاجرين والنساء والأقليات واليسار.
ثالثاً: التعددية. كان لولا مدافعاً عن التعاون بين بلدان الجنوب لتوسيع الفضاء السيادي. ولم تنضم البرازيل إلى ALBA عام 2004، لكنها عملت مع فنزويلا لبناء UNASUR عام 2008، وجاء تشكيل BRIC عام 2009 ليجمع بلداناً جنوبية كبرى في كتلة تجارية توسعت وانخرطت في نقاش إصلاح الحكم العالمي. وقبيل الانتخابات، انضمت البرازيل إلى أستراليا وبربادوس وكندا والاتحاد الأوروبي والهند وكينيا، كراعٍ مشارك أولي في «شركاء التعددية» (P4M). ويعكس ذلك فهم لولا لضرورة «سياسة خارجية نشطة ومعتزة»، لا تكتفي بالرد على الغرب، بل تسهم في تشكيل المنصات المتعددة الأطراف. وهذا التعاون يجمع حكومات ذات مشاريع طبقية مختلفة، ولا يعني برنامجاً مشتركاً للتحول الاجتماعي، لكنه يدافع عن الفضاء السيادي ويوسّع الوصول إلى تمويل التنمية عبر مؤسسات الجنوب، مثل: بنك التنمية الجديد الذي تقوده ديلما روسيف.
تحافظ هذه المحاور على مكاسب لا غنى عنها، لكنها إذا تصلّبت إلى أفق سياسي كامل، تصبح حدودها خطيرة. فالناس لا يحتاجون فقط إلى الهروب من الجوع، بل إلى فهم أسباب عودة انعدام الأمن، وبناء القوة السياسية للتغلب على البنى التي تعيد إنتاجه. وإلا استولى الإحباط على قوى تعد بتمرد زائف، بينما تعزز أصحاب الثروة، وهو ما كاد يحدث في الانتخابات المتقاربة. فالثورة المضادة تعيد إنتاج نفسها جزئياً، عبر تعليم المقهورين أن التحرر مستحيل.
خلاصة النص: أن انتصار لولا يجب الاحتفال به كإنجاز لشعب البرازيل العامل، لكن العمل يبدأ الآن: تقوية الحركات، ومواصلة تحرير الناس من المعاناة، وبناء سياسة اقتصادية سيادية تطوّر القوى المنتجة. فلا يمكن أن يستند المستقبل إلى قدرة قائد واحد على تجميع الأغلبية. وما يأتي ليس فقط «لولا» التالي، بل يساراً معاد بناؤه، قادراً على إنتاج ملايين من «اللولات»، حتى ينقلب المدّ وينفتح عصر الثورة المضادة على فترة جديدة. وقد أنشد فنانون برازيليون بارزون، منهم: شيكو بواركي، وكايتانو فيلوزو، وجيلبرتو جيل، ودانييلا ميركوري، وشامان وإيبوني، أغنية «بورا لولا» في الحملة، ويبقى مطلعها جديراً بالترديد: «شعبنا في الشوارع. والتغيير مستمر».