Skip to main content

عربة بلا خيول...

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

قرابة التاسعة من مساء يوم من أيام آذار 1922، خرج إبراهيم هنانو من قاعة المحكمة العسكرية الفرنسية في «السراي العتيقة» شمال قلعة حلب بريئاً. كانت عربة تنتظره، لكن الخيول لم تجرّها تلك الليلة. تقول الروايات: إن الحشد في الخارج تجاوز ثلاثين ألفاً، وإن الناس حلّوا الحصانين وجرّوا العربة بأيديهم حتى بيته في حي باب جنين. كلما قرأت هذه الحكاية، توقفت عند الخيول أكثر مما توقفت عند الحكم نفسه.

قبل ذلك بستة أشهر، كانت حكومة فلسطين البريطانية قد أصدرت بلاغاً رسمياً تصف فيه ما فعله هنانو بأنه جرائم «غير سياسية»، و«أعمال عصابات وشقاوة»، لتبرر تسليمه للفرنسيين بعد أن اعتُقل في القدس. وردّت جريدة «الكرمل» الحيفاوية في 24 أيلول 1921 بما يختصر قرناً كاملاً من الجدل:
لو كثر أتباع هنانو بما يكفي، لتبدّل لقبه في البلاغات الرسمية من «رئيس عصابة» إلى «زعيم وطني».
أعود إلى ما كتبته «الكرمل» مرة بعد مرة. ليس سخرية عابرة كما قد يبدو، بل خلاصة فهمٍ للشرعية، سبق كثيراً من كتب العلوم السياسية: الشرعية لا يمنحها بلاغ رسمي ولا يسحبها، ولا تقررها محكمة المحتل ولا قاموس المستعمِر. الشرعية تُقاس بالناس: بمن يتبعك، ومن يحميك، ومن يخرج إلى الشارع حين تُعتقل. ولهذا كان السؤال الذي دارت حوله المحاكمة كلها، كما نقلت «لسان العرب» في شباط 1922، سؤالاً عن التسمية قبل أن يكون عن الوقائع: هل جرم هنانو «سياسي» أم «عادي»؟ أي: هل هو ثائر أم مجرم؟ وقد أجاب الشارع قبل أن تجيب المحكمة.

لم يكن ذلك الشارع حلبياً فقط. حين اعتُقل هنانو في القدس منتصف آب 1921، وقّع شيوخ البدو ووجوه البلاد في عمّان ثلاثة احتجاجات، واحتجت الجمعيات الإسلامية المسيحية في فلسطين، وكتبت الصحف من يافا إلى حيفا. وفي قاعة المحكمة نفسها، وقف للشهادة دفاعاً عنه وجوه حلب، من سعد الله الجابري إلى المؤرخ كامل الغزي وعبد الرحمن الكيالي. الوجيه المديني وفلاح جبل الزاوية وشيخ البادية في صف واحد، حول رجل واحد. وحين أُطلقت عليه النار بعد عشر سنوات، في أيلول 1932، أضربت حلب، ثم أضربت دمشق ووقعت فيها صدامات. هكذا تعمل الشرعية الشعبية: لا تُعلن نفسها في بيان، بل تظهر حين يُمَسّ صاحبها.
ولم ينسَ هنانو نفسه من أين جاءته هذه الشرعية. ففي ربيع 1921، حين جاءه موفد من الجنرال الفرنسي غوبو يعرض التفاوض على هدنة وتبادل للأسرى، لم يقرر وحده. جمع رفاقه وعرض الأمر عليهم، فانقسموا: فريق رفض أي تفاوض قبل الجلاء، والأكثرية أقرّته على المفاوضة. وذهب إلى لقاء كورين قرب إدلب وهو يعرف أن خلفه رجالاً قالوا كلمتهم، بعضهم معه وبعضهم عليه، وأن ما سيقوله هناك ليس كلامه وحده. أتخيّل تلك الجلسة:
رجال متعبون حول نار في قرية من قرى الشمال، يختلفون بأصوات عالية، ثم يصمتون حين يحين وقت القرار. لم يكن ذلك تردداً من قائد ثورة، بل كان، بلغة ذلك الزمن، «مشورة»؛ عادة قديمة في هذه البلاد لم تكن تحتاج إلى من ينظّر لها.

ربما لهذا بقيت حكاية تلك الليلة حيّة بعد أكثر من قرن. فقد عرف هنانو، وعرف معه جيل كامل من رجال الحركة الوطنية، أن الضمانات التي تمنحها القوى البعيدة متقلّبة، تُعطى حين تقتضيها مصالحها، وتُسحب حين تتبدل. رأى ذلك بعينه حين أخذ من الموظف البريطاني في شرق الأردن أماناً خطياً قبل أن يعبر إلى فلسطين، ثم اعتُقل في القدس بطلب فرنسي، وسُلّم لمن جاء يطارده. وعرف أن القوة وحدها لا تصنع مكانة في قلوب الناس، فقد كانت فرنسا أقوى سلاحاً منه بما لا يقاس، ومع ذلك خرج من محكمتها، وأيدي الناس تجرّ عربته. وهي دروس لا أظن أن من يقرأ التاريخ السوري اليوم يحتاج إلى من يشرحها له.
أفكر أحياناً أن الشرعية الشعبية، كما تعلّمنا تلك الحكاية، ليست هتافاً في ساحة، ولا رقماً في صندوق فقط، بل علاقة تُبنى بالثقة والمشاركة: أن يشعر الناس أن من يتحدث باسمهم يحمل همومهم فعلاً، معيشتهم وكرامتهم ووحدة بلادهم، وأن لهم رأياً في رسم مستقبلهم. لهذا كان رجال الحركة الوطنية يعودون دائماً إلى الناس، إلى المؤتمرات والعرائض والإضرابات، ليستمدوا منهم ما لا تمنحه أي عاصمة. فما يُستعار يُسترد، وما يمنحه الناس يتجذّر كلما حاول أحد اقتلاعه.
في تلك الليلة من آذار 1922، كانت الخيول واقفة جانباً تنظر إلى الناس وهم يجرّون العربة بأيديهم. لم يطلب منهم أحد ذلك. ولم يستطع أحد أن يمنعهم.