بين السيرقوني والسيكلما.. من يخاف هارون الرشيد؟
أتخيّل رجلاً من الشاغور، في صيف 1875، يدفع قروشه القليلة، ويجلس في «دار المسرح العربي» لأول مرة في حياته. يُرفع الستار، فإذا بهارون الرشيد يمشي أمامه، يتكلم بنثر مسجوع كأنه خرج من مقامات بغداد، وحوله حكايات تشبه ما كانت جدته ترويها من «ألف ليلة وليلة»، وموشحات حلبية مألوفة الألحان، ورقص سماح رآه في حلقات الذكر. أتخيّله يعود إلى بيته تلك الليلة ولا يعرف كيف يحكي لزوجته ما رأى.
صاحب ذلك المسرح رجل من حي باب سريجة اسمه أبو خليل القباني. لم يستورد مسرح أوروبا كما هو، ولم يرفضه لأنه غريب. أخذ الشكل الجديد وزرعه في تربة يعرفها الناس: ذاكرتهم العربية والإسلامية، وألحانهم، ولغة حكاياتهم. لا أظنه كان يفكر في «الهوية» وهو يدرّب فرقته على
موشح، أو يكتب حواراً لهارون الرشيد. كان يفكر في ذلك الرجل الجالس في الصف الأخير، ويريده أن يرى نفسه على الخشبة.
لكن ما فعله لم يعجب الجميع. في 30 أيلول 1883 أغلق والي الشام المسرح فور وصول برقية من إسطنبول. وفي الأرشيف العثماني رسالة بخط أبي الهدى الصيادي إلى السلطان، تقول: إن الشيخ سعيد الغبرة وعلماء آخرين رفعوا الشكوى، وإن ظهور هارون الرشيد على الخشبة يفسد أفكار العامة. لا أريد أن أظلم أحداً؛ كانت الدوافع متشابكة، وكان لاعبو خيال الظل الذين خسروا جمهورهم بين المعترضين أيضاً. لكني لا أستطيع أن أتجاوز المفارقة: من ادّعوا حراسة التراث أغلقوا فناً صُنع منه. لم يكن خوفهم على هارون الرشيد، بل من ذلك الرجل في الصف الأخير، الذي رآه يمشي أمامه، فصار بإمكانه أن يفكر فيه.
أفكر في القباني كلما سمعت نقاشاً يدور عن الهوية، كأنها وثيقة تُكتب في مكتب ثم تُوزَّع على الناس. هو لم يكتب لها تعريفاً واحداً.
حمل فرقته إلى مصر عام 1884، وهناك كبر المسرح الذي وُلد في دمشق. ثم عاد إلى مدينته شيخاً، فمنعه الوالي من العرض فيها. وفي رسالة الصيادي نفسها سطر صغير: أحد رجال القصر خصّص معاشاً لبناته. مات في دمشق أواخر 1902، بعيداً عن الخشبة.