Skip to main content

المعايير المزدوجة: كيف تُصنَّف الاحتجاجات بحسب مصالح الغرب

 |  قاسيون  |  ثقافة

تُظهر الطبقات الحاكمة في الغرب قدرة لافتة على التمييز بين ما تسميه «ثورة» وما تسميه «شغباً عنيفاً». غير أن هذا التمييز لا يقوم، في جوهره، على مطالب المحتجين، ولا على أساليب نضالهم، بل على معيار آخر أكثر دلالة: مَن الذي تهدِّد الاحتجاجات سلطته؟ ومَن الذي تخدم مصالحه؟ وهل تتحدى النظام الرأسمالي القائم أم تعزّزه؟ فالديمقراطية، كما يعرض النص، لم تكن يوماً مستقلة عن المصالح الطبقية.

نيكوس موتاس (بتصرف)


عندما واجه المحتجون حكومة خامنئي في إيران، سارعت واشنطن ولندن وبروكسل إلى إعادة اكتشاف حماسها للانتفاضات الشعبية. فصُوِّر المتظاهرون «مقاتلين شجعاناً من أجل الحرية»، وتحولت المواجهات مع قوات الأمن إلى دليل على فقدان النظام لشرعيته، وأثار القمع بيانات جوفاء عن حقوق الإنسان.
لكن هذا الحماس لا ينفصل عن الطموحات الاقتصادية والجيوسياسية للإمبريالية الغربية. فمعاناة الإيرانيين ومطالبهم المشروعة تتحول إلى مادة ملائمة لسياسة خارجية تستهدف إضعاف دولة منافسة. وهكذا يُرحَّب بالسخط الشعبي لا لأنه يهدد الاستغلال، بل لأنه قابل للاستغلال.
وفي المقابل، ينظر النص إلى فرنسا. هناك يخرج مئات الآلاف من العمال والطلاب والمواطنين العاديين ضد تدهور مستويات المعيشة، والهجمات على التعليم العام، والسياسات التي تُحمِّل منتجي الثروة أعباء المجتمع الرأسمالي. فإذا باللغة تتغير فجأة: لا حديث عن متظاهرين شجعان، بل عن «غوغاء عنيفين» و«لصوص» و«محرّضين من أقصى اليسار» يسعون إلى فرض الفوضى. ولا حديث عن غضب شعبي مشروع، بل عن تخريب ونهب وضرورة استعادة النظام العام. وترد حكومة ماكرون باعتقالات جماعية، وقوات مكافحة الشغب، وتهديدات بالعقاب. الدولة البرجوازية نفسها التي تُلقي دروساً على الآخرين في الحريات الديمقراطية تُعبِّئ أجهزتها القمعية ضد شباب يطالبون بمدارس لائقة ومستقبل. ويبدو أن التمرد محمود في كل مكان إلا حيث يمارس رأس المال الفرنسي سلطته.


الميدان الأوروبي


المعيار المزدوج نفسه ظهر بوضوح في أوكرانيا. ففي عام 2014، رحّبت الحكومات الغربية بالإطاحة بفيكتور يانوكوفيتش بعد «الميدان الأوروبي» العنيف بوصفها انتصاراً للديمقراطية. ولم يخفف انخراط منظمات يمينية متطرفة وفاشية صراحة، إلى جانب التدخل السياسي الأمريكي، من حماسها لما سُمّي «ثورة الكرامة». فخلف الإعلانات الكبرى عن الحرية كان هناك صراع محتدم حول التوجه الجيوسياسي لأوكرانيا، وأسواقها ومستقبلها الاقتصادي. ولم تكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مراقبين محايدين يدافعون عن مبادئ ديمقراطية مجردة، بل كانا يتابعان مصالحهما الاستراتيجية في بلد واقع بين قوى رأسمالية متنافسة. وحتى القوى الرجعية كان يمكن التعامل معها كحلفاء محترمين عندما تثبت فائدتها للإمبريالية الغربية.
قارن ذلك بالولايات المتحدة عام 2020، حين تظاهر الملايين بعد مقتل جورج فلويد على يد الشرطة. هدّدت إدارة ترامب بالتدخل العسكري، ووصفت المتظاهرين بالمجرمين واللصوص، واتهمتهم بالتدخل الأجنبي. فواشنطن التي تدعم علناً حركات سياسية ضد حكومات خارجية، استشاطت غضباً من احتمال تدخل خارجي في شؤونها الداخلية. والأهم أن الشوارع حين كشفت العنصرية والفقر وعدم المساواة الطبقية الراسخة في الرأسمالية الأمريكية، لم يكن الرد إعجاباً بالمقاومة الشعبية، بل استعراضاً هائلاً للقوة الشرطية. ويبدو أن حق التمرد ينتهي حيث تبدأ سلطة الدولة البرجوازية الأمريكية.


صحوة ديمقراطية


ليس في هذا السخط الانتقائي شيء عابر. فالحكومات الرأسمالية لا تتعامل مع الحركات الشعبية كحراس محايدين للديمقراطية، بل تدافع عن مصالح طبقية محددة. فالاحتجاج الذي يُضعف خصماً جيوسياسياً يمكن تشجيعه أو دعمه سياسياً، أو الاحتفاء به كصحوة ديمقراطية. أما الاحتجاج الذي يتحدى التقشف، أو الاستغلال الرأسمالي، أو سلطة الدولة البرجوازية في الداخل، فيصبح تهديداً للاستقرار. وما هذا «الاستقرار» الذي يُحتفى به؟ إنه استمرار تراكم الأرباح، وحماية الملكية الرأسمالية، والحفاظ على نظام اجتماعي تتحكم فيه أقلية بالثروة التي تنتجها الأغلبية.
وتؤدي وسائل الإعلام الغربية الكبرى دوراً لا غنى عنه في هذه العملية. فالمتاريس المشتعلة نفسها تصبح رمزاً للحرية في بلد، ودليلاً على الفوضى الإجرامية في بلد آخر. وعنف الشرطة في الخارج يكشف «الاستبداد»، لكنه في الداخل يصبح «ضرورة مؤسفة» للحفاظ على النظام. وتُدفع مطالب المتظاهرين السياسية جانباً، بينما تهيمن صور المواجهة على العناوين. وهذا ليس مجرد تحيّز شخصي لصحافيين أفراد، بل يعكس الطابع الطبقي لنظام إعلامي متركز في أيدي مصالح رأسمالية قوية، وثيق الصلة بالمؤسسة السياسية والاقتصادية. فمهمته ليست إخفاء الأحداث دائماً، بل تحديد كيفية فهمها في كثير من الأحيان.
وخلف هذه التفرقة المريحة تقف حقيقة المجتمع الرأسمالي نفسه. فالعمال والطبقات الشعبية مطالبون بتحمّل تدهور مستويات المعيشة، وعدم استقرار العمل، وتعليم مكلف، وعسكرة متزايدة، ونقل منهجي للثروة نحو الاحتكارات. وحين يقاومون، لا يواجهون مؤسسة محايدة تقف فوق المجتمع، بل دولة وظيفتها الأساسية حماية علاقات الإنتاج القائمة. ولا ينبغي للطبقة العاملة أن تسمح لنضالاتها بأن تصبح أدوات لفصائل برجوازية متنافسة، أو لمراكز إمبريالية متصارعة. فمصالحها السياسية مستقلة عن جميع تلك القوى، وتحرر العمال لا يمكن أن يتحقق على يد واشنطن أو بروكسل أو موسكو أو أي قوة رأسمالية أخرى.
لقد كان سؤال البرجوازية الغربية دائماً: لا هل للناس حق في التمرد؟ بل هل يخدم تمردهم مصالح رأس المال أم يهددها؟
فالديمقراطية البرجوازية تمنح الحريات داخل حدود الملكية الرأسمالية والسلطة الطبقية. وحين تُتحدى تلك الحدود بجدية، تحل العمليات الشرطية والتجريم والدفاع عن النظام القائم محل المناداة بحقوق ديمقراطية. والدولة لا تكف عن كونها دولة طبقية لمجرد أنها تُجري انتخابات وتستدعي الدستور. وهذا يفسر التناقض كله: حين تنتفض الشوارع ضد أعدائها، يُصفّقون للثورة؛ وحين ينتفض العمال ضد سلطة رأس المال، يرسلون قوات مكافحة الشغب. ولا سبب للطبقة العاملة لقبول هذا التقسيم الزائف بين تمردات «شرعية» وأخرى «غير شرعية». فصراعها ليس من أجل نيل رضا الحكومات الإمبريالية، بل من أجل التحرر من نظام يستغلها. وقد تهلل البرجوازية للثورات -أو «الثورات»- في الخارج، بشرط ألا تصل الثورة إلى عتبة بابها.

المرجع: نيكوس موتاس، «عندما تخدم الاحتجاجات الغرب فهي “ثورات”، وعندما تتحداه فهي “أعمال شغب عنيفة”»، In Defense of Communism، 19 تشرين الأول 2026.