Skip to main content

تعالوا خذوني...

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2024، رنّ هاتف في سيارة متوقفة على طريق في مدينة غزة. على الطرف الآخر مسعفة من الهلال الأحمر الفلسطيني، وفي السيارة طفلة في الخامسة، حولها ستة من أفراد عائلتها لم يعودوا يتكلمون. قالت هند رجب بصوت صغير: «أنا خايفة من العتمة، تعالوا خذوني». انطلقت سيارة إسعاف بعد تنسيق مسبق مع جيش الاحتلال، وعلى بعد دقائق انقطع الاتصال. بعد اثني عشر يوماً عُثر على جثة هند، وعلى جثث أهلها، وعلى المسعفَين اللذين خرجا لإنقاذها، إلى جانب سيارتهم المحترقة.

وفي تشرين الأول 2026، يتجوّل في الولايات المتحدة رجل اسمه شون غلاس. تقول مؤسسة هند رجب: إنه قاد سرية تحمل اسماً لا يحتاج إلى تعليق: «إمبراطورية مصاصي الدماء»، وإن تحقيقها يضعه وجنوده على مقربة مباشرة من سيارة هند لحظة قتلها. تقدّمت المؤسسة بطلب عاجل إلى وزارة العدل الأمريكية لاعتقاله، وطالبت النائبة رشيدة طليب حكومتها بذلك، مذكّرة بأن واشنطن طرف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية واتفاقيات جنيف. حتى لحظة كتابة هذه السطور، يمشي الرجل حرّاً.
بين المشهدين أقل من ثلاث سنوات، وبينهما أيضاً المسافة كلها بين طفلة لم تجد من يأتي ليأخذها، ورجل لم يجد من يوقفه.
كشف تحقيق لقناة الجزيرة: أن الدبابة كانت على بعد ثلاثة عشر إلى ثلاثة وعشرين متراً من السيارة؛ مسافة يُرى منها وجه طفلة بوضوح. لم يكن ما جرى خطأً في التقدير إذن، ولا «ضباب حرب» كما يحب البيان العسكري أن يسمّيه. ومع ذلك، لم يُفتح تحقيق جدي واحد في الدولة التي يحمل الجندي جنسيتها، ولا في الدولة التي يزورها اليوم.
هنا يبدو القانون الدولي على حقيقته: نصوص جميلة تُطبَّق على الضعفاء وتُعلَّق عند حدود الأقوياء. حين تجرأت المحكمة الجنائية الدولية وأصدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، ردّت واشنطن بفرض عقوبات على قضاتها. والعاصمة التي تفرض عقوبات باسم حقوق الإنسان تفتح مطاراتها لمن تتهمه منظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب. ليس هذا خللاً عابراً في تطبيق القانون، بل هو القانون كما صاغته موازين قوى خرجت من الحرب العالمية الثانية، ويُراد له أن يبقى أداة في يد المنتصرين.

لكن شيئاً ما يتغير في هذه الموازين. في مطلع عام 2025، أمر قاضٍ برازيلي بالتحقيق مع جندي إسرائيلي كان يقضي إجازته على شواطئ البرازيل، بناءً على ملف قدّمته المؤسسة نفسها، فغادر الجندي البلاد على عجل. لم يُحاكَم، لكنه هرب. ومن يهرب يعرف أن الأرض لم تعد كلها آمنة له. هذا تفصيل صغير، لكنه علامة على عالم لم تعد فيه إمبراطورية واحدة قادرة على أن تقرر وحدها من يُحاسَب ومن يُعفى، وعلى أن القانون، كأي ساحة أخرى، يُنتزع ولا يُمنح.
غير أن ما فعلته هند يتجاوز المحاكم. فقبل أن يصل ملفها إلى أي قاضٍ، وصل صوتها إلى الناس. في نيسان 2024 أطلق طلاب جامعة كولومبيا اسمها على المبنى الذي اعتصموا فيه: «قاعة هند». وغنّى لها مغني الراب الأمريكي ماكليمور، ورسمها فنانون على جدران مدن لم تزرها. وفي عام 2025 حملت المخرجة التونسية كوثر بن هنية التسجيل الصوتي الأخير إلى الشاشة الكبيرة في فيلم «صوت هند رجب»، الذي نال جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان البندقية.
قد يبدو هذا، في ميزان السياسة الصارم، أضعف من مذكرة اعتقال. لكنه ليس كذلك. فالمحكمة تحتاج إلى من يطالب بها، والمطالبة تحتاج إلى ذاكرة لا تنطفئ مع نشرة الأخبار التالية. حين تتحول طفلة إلى اسم قاعة جامعية وإلى فيلم وإلى أغنية، يصير نسيانها مكلفاً، ويصير صمت الحكومات أصعب. الثقافة هنا ليست تعزية بعد الهزيمة، بل جزء من المعركة نفسها: هي التي تحفظ الرواية من التلاعب، وتُبقي السؤال معلّقاً في وجه من يريد إغلاقه.

ونحن نعرف هذا جيداً. نعرف كم تبدو المحاسبة بعيدة حين يكون القاتل محمياً، ونعرف أن الذاكرة التي يحملها الناس هي أحياناً كل ما تبقى من العدالة المؤجلة. ونعرف أيضاً أن الكيان الذي قتل هند هو نفسه الذي يقصف أرضنا ويتمدد فيها، وأن الصمت على قتلة غزة يمهّد الطريق للصمت على ما يُرتكب.
لم تطلب هند من العالم كثيراً. طلبت أن يأتي أحد ليأخذها من العتمة. لم يصل أحد يومها. واليوم، في مدينة أمريكية ما، يمرّ رجل تحت أضواء الشارع، ويرنّ في مكان آخر هاتف لم يُغلق بعد.