Skip to main content

أغرب الغرباء

 |  عروة صعب  |  ثقافة

جلست قبل أيام في مقهى قديم قرب باب توما إلى صديقين لم يلتقيا منذ اثني عشر عاماً. الأول عاد من ألمانيا قبل أسبوع، تفلت منه كلمة أجنبية في منتصف الجملة فيعتذر، ويسأل عن فرن كان هنا ولم يعد. والثاني لم يغادر دمشق يوماً، ويتكلم بلغة لم يتعلمها صديقه بعد: «الأمبيرات» و«الدور» و«رسالة الغاز». ضحكا طويلاً ثم صمتا، وكنت أرى كلاً منهما ينظر إلى الآخر كما يُنظر إلى غريب.

الذي هاجر عاش غربتين؛ غربة البلاد التي استقبلته ولم تعتبره يوماً من أهلها، ثم غربة البلاد التي عاد إليها فلم يعرفها ولم تعرفه. والذي بقي عاش غربة أقسى لأنها بلا مسافة؛ رأى مدينته تتبدل من حوله، وأصدقاءه يرحلون واحداً بعد الآخر، حتى صار غريباً في الشارع الذي وُلد فيه. وبينهما اليوم سؤال لا يُقال بصوت عالٍ: من دفع الثمن أكثر، «اللي ضلّ» أم «اللي طلع»؟
تذكرت ما كتبه أبو حيان التوحيدي قبل نحو ألف عام في «الإشارات الإلهية» عن غريب «لم يتزحزح عن مسقط رأسه» «وأغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيداً في محل قربه». وكتب أيضاً: «الغريب من إن حضر كان غائباً، وإن غاب كان حاضراً». وكأنه يصف صديقيّ معاً: العائد الحاضر بجسده الغائب بذاكرته، والباقي الذي غاب عنه وطنه وهو فيه.
لكن المفاضلة بين الغربتين فخّ، لأن الجرح واحد ومصدره واحد. فالاقتصاد الذي نهب البلاد عقوداً، وراكم الثروة في أيدي قلة وأفقر الأغلبية، هو الذي أنتج الاحتقان ثم الحرب والاقتتال، ومن نواتجه طُرد الأول إلى قوارب البحر، ورُمي الثاني في طوابير الخبز. ومن يغذّي الخصومة بينهما اليوم يريد أن ينشغل السوريون بسؤال «من تألّم أكثر» عن السؤال الأهم: «من سبّب هذا الألم، ومن ما زال ينتفع منه؟».
خرجنا من المقهى معاً. سأل العائد عن الطريق فدلّه صديقه، ثم توقف عند 
المنعطف لحظة، كأنه لم يعد متأكداً أن الشارع الذي يبحثان عنه ما زال هناك.