صدى «ديناميت» الشهبندر في1925 يُسمع في عام2026
يورد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، أحد قيادات الثورة السورية الكبرى في مذكراته ما يلي: «إن كل خلاصة موجزة لمثل هذه الثورة لا تلتفت إلى العامل الاقتصادي تكون ضرباً من الأقاصيص والأوهام، فتراجع سورية في عهدها الجديد إلى الوراء في منتوجها ومحصولها وصادرها وواردها وقيمة نقدها ودولاب صناعتها... بل عدد سكانها لكثرة الهجرة وقلة المواليد. كل ذلك له الشأن الأساسي في تزايد النفرة من الحكومة المسؤولة ودس صفائح الديناميت تحت أركان هيكلها. إن الضائقة الاقتصادية في أسوأ معانيها نهبت في الشعب المشاعر الكمالية، وفي مقدمتها الشغف إلى الحرية. إن هذا جميعاً أدى إلى الاستياء، والاستياء هي الحلقة الأولى في سلسلة التطورات العقلية التي تنتهي بالانفجار». ويرى الشهبندر، أن الثورات والحركات الشعبية السابقة تمرين مهم للثورة الكبرى، وخاصة المظاهرات الكبرى في دمشق في النصف اﻷول من عام1925.
هكذا خطّ الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، قبل قرن من الزمان، إحدى أهم خلاصات العلوم السياسية والتاريخية؛ فالجوع والضائقة الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية وتراجع الإنتاج ليست مجرد «أزمات عابرة»، بل هي الصاعق الذي يفجر طاقات الشعوب، والوقود الحقيقي الذي يطيح بالأركان ،ويضع الحكومات على حافة الهاوية.
حين نتأمل مذكرات زعماء الثورة السورية الكبرى اليوم، ونقاطع تحليلهم التاريخي مع واقع الوضع السوري الناشئ في مراحل التحول والانتقال، يتبدى لنا التطابق المذهل في ملامح المشهد:
تراجع الإنتاج وعجلة الاقتصاد: أشار الشهبندر بمرارة إلى تراجع المنتوج والمحصول والصادر والوارد وقيمة النقد ودولاب الصناعة. وهو ذاته السيناريو الذي يتكرر اليوم بصور مركبة؛ حيث تئن الأسواق تحت وطأة التضخم، وتتراجع قيمة العملة الوطنية، وتتعطل عجلة الإنتاج المحلي، وتتكدس أعباء المعيشة على كاهل المواطن الذي بات همه الأوحد: تأمين لقمة العيش.
نزيف الهجرة والديموغرافيا: لم يغب عن عيون الشهبندر، وأن من أشد مؤشرات التراجع خطورة هو هجرة الأبناء وتراجع المواليد. وفي سورية اليوم، يمثّل نزيف العقول والكفاءات وهجرة الشباب عبر قوارب الموت وطرق اللجوء الوعرة، الجرح الأعمق في جسد الأمة، فضلاً عن تفريغ المجتمع من طاقاته الحية.
نهب المشاعر الكمالية: لعل أبرز ما يلفت الأنظار في مقطف الشهبندر هو عبارته العميقة: «إن الضائقة الاقتصادية في أسوأ معانيها نهبت في الشعب المشاعر الكمالية، وفي مقدمتها الشغف إلى الحرية». حين يُختزل الإنسان في معركة البقاء اليومي، يتحول الرغيف إلى قضية كبرى، وتتراجع تطلعاته الكبرى تحت وطأة الحاجة، لكن هذا الانكماش المؤقت لا لبس فيه؛ فهو يمهد لانفجار العوامل النفسية والاجتماعية حين تبلغ القلوب الحناجر.
الاستياء: الحلقة الأولى في سلسلة التطورات
يُعلّمنا الشهبندر: أن الغضب الشعبي لا يأتي من فراغ، بل يبدأ بـ «الاستياء» كحلقة أولى في سلسلة وعي مجتمعي متدحرج.
وكما كانت مظاهرات دمشق في النصف الأول من عام 1925 وحركات المقاومة السابقة تمرينات ومخاضات كبرى صقلت وعي الشارع وأعدته للثورة الكبرى، فإن تراكم التجارب والآلام اليوم يمثل مخاضاً لا يختلف في جوهره عن الأمس. إن فشل أي حكومة أو سلطة في إدارة الملف المعيشي وتوفير مقومات الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، يعني بوضوح أنها تدس بيديها «صفائح الديناميت تحت أركان هيكلها».
خلاصة القول: إن الدروس المستفادة من عام 1925 واضحة جلية لكل ذي عينين؛ فلا استقرار سياسياً يمكن أن يُبنى على أنقاض البطون الجائعة والاقتصادات المنهارة. وإن أي مسار سياسي، أو وطني ناجح اليوم في سورية، لكي يتجنب مصير السلطات البائدة، عليه أن يدرك أن بناء الاقتصاد، ووقف نزيف الهجرة، واستعادة قيمة الإنسان ومعاشه، هي الأبواب الإلزامية، وليست الكمالية لأي استقرار حقيقي ومستدام.