بين السيرقوني والسيكلما.. المكتبة العمومية
فتحتُ المفكرة الثقافية السورية ليوم واحد من هذا الشهر، أبحث عن مسرحية، أو فيلم أو أمسية شعر. وجدت محاضرة للأطفال عن النظافة الشخصية في ريف حلب، وورشة لتعلّم برنامج تصميم إلكتروني في جبلة، وندوة عن الكشف المبكر عن السرطان في القصير، ومحاضرة في عين عيسى عنوانها «لا تغرّك الحياة الدنيا». عشرات الأنشطة في إحدى عشرة محافظة، ولم أعثر على المسرح إلا مرة واحدة، في الحسكة.
تخيّلت فتاة في الخامسة عشرة من بلدة صغيرة، تمرّ بالمركز الثقافي بعد المدرسة. هي تعرف
كيف تغسل يديها؛ ما تبحث عنه رواية تأخذها بعيداً، أو مسرحية ترى فيها وجهاً يشبه وجه أخيها الذي غاب، فتفهم أخيراً ما جرى لهم، وتجد كلمات تحاكيه بها. وأمها تحتاج أن تجلس في قاعة إلى جانب جارة فرّقتهما الحرب، تضحكان من مشهد واحد،
ثم تختلفان عليه في طريق العودة بصوت عالٍ ودون خوف. ليس في بيتهما مكتبة، ولا تملكان ثمن تذكرة، ولا اشتراكاً في منصة. فإن لم تجدا ذلك في مركز بلدتهما، لن تجداه في مكان آخر.
لا عيب في محاضرات الصحة ومهارات العمل، لكن خلفها افتراضاً قاسياً: أن الناس يحتاجون ما ينفعهم فقط، وأن الخيال ترف يُترك لصالات العاصمة المرمّمة حديثاً. والحقيقة أن الثقافة ليست زينة تُضاف إلى حياة مستقرة، بل الطريقة التي يفكر بها مجتمع في نفسه، ويرمّم بها ما انكسر فيه.
عام 1879 جال علماء دمشقيون في «الجمعية الخيرية» على المدارس والزوايا، يجمعون كتباً كانت حبيسة الخزائن، وينقلونها إلى المدرسة الظاهرية قرب الجامع الأموي. أتخيّل الشيخ طاهر
الجزائري منحنياً على تلك الكتب يفهرسها واحداً واحداً، حتى فُتحت الأبواب للقرّاء عام 1881 باسم لم يكن مألوفاً يومها: «المكتبة العمومية». لم يسأل إن كان العامة «يحتاجون» الأدب والتاريخ والفلك؛ افترض ببساطة أن الكتاب حق لمن يطلبه، وأن العقل الذي يُفتح له الباب يعرف طريقه وحده.
ما زالت لافتة المركز الثقافي معلّقة فوق الباب في بلدة الفتاة، وما زالت قاعة المحاضرات تمتلئ وتفرغ على إيقاع المفكرة. وفي الغرفة المجاورة، على بعد خطوات منها، رفوف مكتبة يعلوها غبار خفيف، لم تأتِ المفكرة على ذكرها.