أعادت الحروب والتدخلات الإمبريالية الأخيرة الجدلَ حول القانون الدولي إلى صدارة المشهد العام، وغالباً ما يترافق ذلك مع ادعاءات بوجود أزمة في «النظام الدولي القائم على القواعد». وفي هذا السياق، يبرز طرح المؤرخ والباحث البرازيلي لويس إدواردو فيرنانديز... رؤيةً نقدية جذرية تفنّد الفرضية السائدة التي تتعامل مع القانون الدولي والإمبريالية كظاهرتين متناقضتين. بل على العكس، يجدر بنا فهمهما كبُعدين متناقضين للكلّ التاريخي ذاته. ومن خلال الاستناد إلى النقد الماركسي للاقتصاد السياسي ونظريات التبعية، يصوغ فيرنانديز مفهوم «الإمبريالية القانونية» كفئة نظرية وسيطة، تفسّر كيف يتم استيعاب الشكل القانوني الدولي، وتوطينه داخل التشكيلات الاجتماعية التابعة (دول المحيط)، ليُخفي تحت ستار المساواة الشكلية- بين الدول ذات السيادة- علاقاتٍ ،جوهرها الاحتكار، والتبادل غير المتكافئ، والهيمنة الإمبريالية.
إعادة صياغة أكاديمية لرؤية الباحث لويس إدواردو فيرنانديز
من الإمبريالية الكلاسيكية إلى الإمبريالية الجماعية
لفهم الجذور التاريخية لهذه الظاهرة، لا بد من تتبع التحولات في الاقتصاد السياسي للسوق الرأسمالية العالمية. فمن مرحلة التراكم البدائي والاستعمار، انتقل النظام إلى ما أسماه لينين بـ «الإمبريالية الكلاسيكية»، حيث هيمنت الاحتكارات ورأس المال المالي، وتصدير رأس المال بدلاً من السلع. أما في مرحلة «الإمبريالية المتأخرة» أو المعاصرة، والتي تبلورت بعد سبعينيات القرن العشرين، فقد شهدت تحولاً نوعياً نحو «الإمبريالية الجماعية» التي يقودها ثالوث الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان. في هذا الطور، لم تعد الهيمنة الأمريكية مجرد قوة عسكرية استعمارية فحسب، بل قوة تبني «هيمنة» بالمعنى الغرامشي؛ أي توافقاً راسخاً على الإكراه.
وفي خضم هذه الديناميكيات، يبرز دور «النظام القائم على القواعد» الذي تُفرض معاييره عبر مؤسسات متعددة الأطراف، مثل: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. هذه المؤسسات، ومعها شبكات المنظمات غير الحكومية، ومراكز الأبحاث الأنجلو-أمريكية، لا تفرض سياسات اقتصادية فحسب، بل تنتج «توافقاً أيديولوجياً» يُروّج لمفاهيم، مثل: «الحكم الرشيد» و»الشفافية» و»الإصلاحات الموالية للسوق». وهذا ما يُشير إليه كارلوس نيلسون كوتينيو بـ «تغريب دول الأطراف» (Peripheral Westernization)، حيث يتم توسيع المجتمع المدني في الدول الطرفية، عبر منظمات برجوازية تروّض الحركات الاحتجاجية وتدمجها في القالب الإمبريالي.
وهم المساواة القانونية الشكل والسلعة
بالاستناد إلى النظرية القانونية الماركسية لإيفغيني باشوكانيس، يُعتبر الشكل القانوني انعكاساً مجرداً لعلاقات تبادل السلع؛ حيث يُعامل الأفراد (والدول) كمالكين متساوين وأحرار، مع تجريدهم من اختلافاتهم المادية والاجتماعية. لكن على المستوى الدولي، تخفي هذه «المساواة الشكلية» واقعاً قائماً على الاحتكار ونقل القيمة (الثروة) من دول المحيط إلى دول المركز. وكما يؤكد الباحث تشاينا ميفيل مستلهماً من ماركس: «بين الحقوق المتساوية، القوة هي التي تحسم النزاع». في ظل الإمبريالية الناضجة، تتوسع هذه القوة وتتعقد، حيث مارست الولايات المتحدة وحدها مئات التدخلات العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، منتهكةً في كثيرٍ من الأحيان القوانين التي صاغتها وتزعمت نشرها.
الإمبريالية القانونية العنف بعباءة الشرعية
هنا تبرز «الإمبريالية القانونية» كآلية رئيسية لتوطين الهيمنة الإمبريالية داخل الأنظمة القضائية للدول التابعة. فهي لا تقتصر على التشريعات خارج الحدود الإقليمية (كالقوانين البريطانية في القرن التاسع عشر أو الأمريكية اليوم)، بل تشمل العقوبات الاقتصادية، والحرب العالمية على المخدرات، ومذاهب مكافحة الإرهاب، وأنظمة حماية الاستثمارات الأجنبية. هذه الآليات تُنظّم العنف الإمبريالي، وتضفي عليه طابعاً مؤسسياً، محولَةً إياه إلى ممارسات «قانونية» تبدو محايدة، بينما هي في الواقع تُكرّس الاستغلال الفائق، وتُقيّد السيادة الوطنية.
عملية «غسيل السيارات»: تشريح الإمبريالية القانونية
لتجسيد هذه المقولات النظرية، يطرح فيرنانديز دراسة حالة «عملية غسيل السيارات» (Lava Jato) في البرازيل، التي انطلقت عام 2014. لم تكن هذه العملية مجرد حملة محلية لمكافحة الفساد، تورط فيها قطاع الإنشاءات وشركة «بتروبراس»، بل كانت تعبيراً سياسياً وقانونياً وأيديولوجياً عن الإمبريالية القانونية. فقد اعتمدت المهمة القضائية على تعاون قانوني مكثف مع وكالات أمريكية، وممارسات قضائية انتقائية، واستخدام مفرط للاتفاقيات القسرية، وتوظيف إعلامي واسع.
أدت هذه العملية إلى زعزعة الاستقرار السياسي في البرازيل، وإضعاف صناعاتها الوطنية الاستراتيجية، وتجريم قطاعات واسعة من اليسار السياسي، وصولاً إلى سجن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (والذي بُرّئ لاحقاً بسبب التحيز القضائي). والأهم من ذلك، أن «نموذج غسيل السيارات» تم تصديره ليؤثر في عمليات قضائية وسياسية مماثلة في دول أمريكية لاتينية أخرى، كالأرجنتين وبيرو. لقد مثّل هذا النموذج استيعاباً أعمى لتشريعات ومفاهيم قانونية تهيمن عليها دول الشمال، تُحمّل الدولة والسياسات
العامة مسؤولية الفساد، بينما تُبرئ رأس المال العابر للحدود، وتفتح الأسواق لاجتياح الشركات الأجنبية.
خاتمة: القانون كأداة احتكار
تخلص هذه الرؤية إلى أن القانون الدولي والإمبريالية ليسا قطبين متعارضين، بل هما لحظتان متناقضتان للكلّ نفسه. ففي طورها الناضج، تفترض الإمبريالية وساطات قانونية وسياسية تُخفي الصراعات الحقيقية حول الاحتكارات الإمبريالية الكبرى: المالية، والتكنولوجيا، والتسليح، والموارد الطبيعية، والبيانات.
إن مفهوم «الإمبريالية القانونية» يُسلّط الضوء على هذه التناقضات، كاشفاً كيف تُستخدم مفاهيم فضفاضة مثل :»الفساد» و»سيادة القانون» كأدوات ناعمة لإعادة إنتاج التبعية، ونقل القيمة، وتقييد السيادة الشعبية في دول الجنوب العالمي، كل ذلك تحت عباءة المساواة الوهمية بين الدول.
وبناءً عليه، فإن أي نضال حقيقي للتحرر الوطني في دول المحيط، لا يمكن أن يكتمل دون تفكيك هذه البنى القانونية الإمبريالية التي تتغلغل في صميم أنظمتها القضائية والسياسية، وتعيد إنتاج التبعية تحت مسميات قانونية براقة.