منذ منتصف أيلول 2026، تشهد فرنسا انتفاضة طلابية غير مسبوقة، انطلقت من الضواحي المهمشة، ثم امتدت لتصبح حركة وطنية واسعة.
كيفن ب. أندرسون — 15 تشرين الأول 2026
لم تكن هذه الاحتجاجات مجرد ردَّ فعلٍ على سوء الأوضاع داخل المدارس الثانوية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة مع القمع الطبقي والعرقي، وعُنف الشرطة، والسياسات النيوليبرالية التي تدفع البلاد نحو مزيد من الاستقطاب والعنصرية.
بدأت الشرارة الأولى في 18 أيلول 2026، عندما تظاهر طلاب ثانوية “سان إكزوبيري” في كريتيل، إحدى ضواحي باريس، بعد عودتهم إلى الصفوف إثر عطلة الصيف، وفي أعقاب إضراب ليوم واحد نظّمه المدرسون. جاء
هذا الحراك بعد صيف قاسٍ ضربته موجات حرّ ضارية، وحرائق غابات واسعة، ليجد الطلاب أنفسهم في صفوف مكتظة، بلا تكييف، ويوم دراسي يمتد أحياناً من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً. وأظهر استبيان حكومي، أن طول اليوم الدراسي كان من أبرز الشكاوى، إلى جانب نقص المدرسين، وتقادم المباني، وحتى انعدام ورق المراحيض في بعض المدارس.
بحلول الأسبوع الأخير من أيلول، انتشرت التعبئة من منطقة باريس إلى عموم فرنسا. وفي 2 تشرين الأول، كانت الاحتجاجات قد انفجرت في أكثر من ألف ثانوية، وحاصر الطلاب نحو مئتي مؤسسة تعليمية. ورغم أن أعمال تخريب محدودة وقعت، مثل: حريق صغير في ثانوية “روزا باركس” في نانت، فقد سارعت الحكومة اليمينية واليمين المتطرف إلى وصف الطلاب بـ”الهمجيين”، لتبرير القمع الأمني الوحشي.
ما يميز حراك 2026 عن انتفاضة 2023، التي اندلعت بعد مقتل نائل مرزوق، الشاب الجزائري الأصل، برصاص الشرطة، أنه لم يعد مجرد انفجار تلقائي. فقد اتسع نطاقه، وطال مدارس نخبوية مثل: “هنري الرابع” في باريس، حيث علّق الطلاب لافتة “التضامن مع الثانويات”. وشارك فيه آباء وطلاب جامعات ونقابات، ما كسر عزلة الضواحي، ولو مؤقتاً. كما رفع مطالب واضحة، واتخذ شكلاً أكثر تنظيماً وسياسة، ودفع شخصيات سياسية إلى مساندته علناً، وأجبر الحكومة على تقديم تنازلات صغيرة.
نصف مليون شخص في الشوارع
في 13 تشرين الأول، زارت الناشطة المناخية السويدية غريتا ثونبرغ ثانوية “بول إيلوار” في سان دوني، إحدى الضواحي الفقيرة، وقالت:
إن “العالم كله يراقب” وإنها “فخور بالطلاب الفرنسيين”. وبحلول ذلك اليوم، كان الحراك قد حشد ما يصل إلى نصف مليون شخص في الشوارع. لكن مع بدء عطلة مدرسية من أسبوعين في 16 تشرين الأول، ظل مصير هذه الحركة، التي استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع، مفتوحاً.
واجه الطلاب قمعاً شديداً. فقد أعلنت الشرطة بعد أسبوعين: أنها أوقفت ما لا يقل عن 6877 شخصاً، 86 % منهم قاصرون. وفي حالات موثقة، تعرض طلاب لضرب مبرح، بينهم فتى في الخامسة عشرة، فقد يده بسبب “قنبلة صوتية” للشرطة، وهي سلاح محظور، أو مقيد في دول أوروبية عديدة. كان الهدف من هذا الاعتقال الواسع بث الرعب وردع المشاركة.
وفي 6 تشرين الأول، خرجت حشود غفيرة، قد تصل إلى نصف مليون، في مدن فرنسية دعماً للطلاب. حمل كثيرون أربطة بيضاء للتعبير عن استعدادهم لحماية الشباب من الشرطة، حتى بالوقوف بينهم. وفي سان دوني، انضم العمدة بالي باياكو، الناشط الأسود المرشح عن “فرنسا غير الخاضعة” (LFI)، إلى المتظاهرين. وفي جامعة “سيانس بو” العريقة، نظّم الطلاب فعاليات تضامن، لكن الشرطة هاجمتهم بعنف، بعد سيطرتهم على شارع مجاور.
تعددت المطالب. في ليل، تحدثت الطالبة فاني (17 عاماً) عن “ظروف الدراسة السيئة، والصفوف المكتظة، والمباني المتصدعة”، لكنها ربطت ذلك بـ”الكارثة المناخية، والذكاء الاصطناعي الذي يلتهم الوظائف، وخطر فوز التجمع الوطني (RN)” بزعامة مارين لوبان. وفي 8 تشرين الأول، تحدث “التنسيق المناهض للفاشية” عن “الجو السجني” داخل الثانويات.
أما التمييز العنصري، فكان حاضراً بقوة. فقد نقل الصحافي كريستوف أياد، المعروف بتغطيته قضايا الهجرة، أن طلاباً في سان دوني سألوا في 4 تشرين الأول: “لماذا نحظى بفرص أقل من أولئك القادمين من باريس؟”. ونددوا بنظام “باركورسوب” الجامعي، ووصفوه بالتعسفي، وبالروايات الإعلامية التي تفصل الضواحي عن باريس، وتصوّر طلابها الملونين كمصدر لكل عنف. وقال أحدهم: “عندما يكون الطالب غير أبيض، يتضاعف عنف الشرطة عشر مرات”. وأشار آخرون إلى التمييز ضد المسلمين، ورفعوا شعارات مؤيدة لفلسطين. ومع شعورهم بالاغتراب، وصفوا أنفسهم بـ”فرنسا الجديدة”، متطلعين إلى مجتمع أكثر تعدّدية وشمولاً.
وقد ردّدت الشعارات غضب جيل جديد وخياله. فقد هتف الطلاب، ساخرين من قوات مكافحة الشغب (CRS): “أُرسلتم إلينا نجدة، فاستقبلناكم بالقمع”. وردد آخرون شعار “ACAB” (“كل الشرطة أوغاد”)، المرتبط بحركة “حياة السود مهمة” الأمريكية. وحملت لافتة يدوية العبارة نفسها مع تاريخ “تموز 1830”، في إشارة إلى الثورة التي أنهت محاولات استعادة الملكية المطلقة.
ثلاثة آلاف مدرس
رغم أن المكاسب الملموسة حتى الآن صغيرة، مثل: الوعد بتعيين ثلاثة آلاف مدرس، وتعليق تسريح آخرين، فإن وجود هذه الحركة وصمودها يشكلان بحد ذاتهما انتصاراً في وجه صعود اليمين المتطرف في أوروبا الغربية. فقد اخترقت التعبئة الطلابية الحواجز التي تفرضها وسائل الإعلام التقليدية، والمنصات الخاضعة لسيطرة الأوليغارشية اليمينية، تماماً كما حدث مؤخراً في الهند مع “حزب الصراصير جانا”.
والأهم، أن هذه الانتفاضة كسرت حواجز العِرق والطبقة التي طالما استخدمتها الطبقات المهيمنة، من عصر العبودية إلى الرأسمالية المعتنصرة اليوم، لإبقاء القطاعات المضطهدة متفرقة. فما شهدناه في فرنسا 2026 ليس مجرد شعار “اتحدوا وقاتلوا”، بل حركة تصدّرت فيها أكثر الفئات اضطهاداً: شباب من أصول مهاجرة، وأبناء الطبقة العاملة، وضحايا التمييز العنصري.
المادة الأصلية: Kevin B. Anderson, “Students Shut Down French High Schools in the Face of Class and Racial Oppression,” 15 October 2026.