بين السيرقوني والسيكلما.. أبيات من نيسابور
كلنا نعرف ذلك الكتاب الذي اشتريناه بحماسة لأن اسم مؤلفه كبير، ثم تركناه بعد عشرين صفحة. لم يكن العيب في دوستويفسكي ولا في كانط، فقد كانت الجمل نفسها تتعثر بين أيدينا، والمعنى يضيع في تراكيب لا تشبه العربية، ولا تشبه لغة الأصل. وفي الفلسفة يشتد الأمر، حين يصوغ كل مترجم مصطلحاته على هواه، فيجد القارئ المفهوم الواحد بثلاثة أسماء في ثلاثة كتب، ويحسب أنها ثلاثة مفاهيم. واليوم تزدحم المكتبات والمواقع بترجمات آلية تُنشر كما خرجت من الآلة، بلا كاتب يقرؤها ويُعيد صياغتها، فتصل الكلمات ويغيب صاحبها. الترجمة الرديئة لا تكتفي بإفساد كتاب واحد، فهي قد تقطع ما بين القارئ وأديب أو فيلسوف بشكل كامل، وربما إلى الأبد.
في المقابل، عرفت العربية مترجمين جعلوا النصوص الوافدة تسكن لغتنا كأنها وُلدت فيها، وهم لم يسلكوا طريقاً واحداً. فالمنفلوطي لم يكن يعرف الفرنسية، وكان أصدقاؤه يقرؤون عليه الروايات الفرنسية فيعيد كتابتها بأسلوبه، فخرجت «ماجدولين» رواية عربية في نبرتها وحزنها، وإن بقيت أسماء أبطالها فرنسية. وسامي الدروبي، ابن حمص، نقل أعمال دوستويفسكي الكاملة إلى العربية، عن الفرنسية لا عن الروسية، والتزم الأمانة للنص التزاماً صارماً، ومع ذلك يتداول القرّاء العرب ترجمته منذ نصف قرن كأنها الأصل نفسه. أما أحمد رامي فتعلّم الفارسية ليقرأ عمر الخيام
بلغته، ثم نشر ترجمته للرباعيات شعراً عربياً عام ١٩٢٤، وبلغت من الجمال والسلاسة حداً جعل رياض السنباطي يلحّنها وأم كلثوم تغنّيها عام ١٩٥٠.
ثلاث طرق مختلفة إذن: إعادة خلق حرّة، وأمانة دقيقة عبر لغة وسيطة، ونقل مباشر عن الأصل. وما يجمع بينها أن أصحابها كانوا قبل كل شيء كتّاباً كباراً في العربية، يعرفون إيقاعها وأسرارها، ويحترمون قارئها، ويدركون أن هذا القارئ لن يمنحهم صبره، إن لم يمنحوه متعة القراءة. فالترجمة الجيدة تحتاج معرفة باللغة الأخرى بلا شك، لكنها تحتاج قبل ذلك أن يكون المترجم قادراً على أن يكتب نصاً عربياً حياً، يُقرأ بلذّة، ويحمل روح صاحبه دون أن يتحول إلى قاموس مفتوح.
وفي حفلات أم كلثوم كان الجمهور يردد مع «الست» أبياتاً كتبها شاعر من نيسابور قبل تسعة قرون، وكثيرون منهم لا يعرفون أنهم يغنّون ترجمة.