Skip to main content

رفّة الجفن

 |  عروة صعب  |  ثقافة

أرونداتي روي روائية هندية، نالت جائزة بوكر عن روايتها الأولى «إله الأشياء الصغيرة» عام 1997، ثم كرّست قلمها لمقالات ناشطة ضد الحروب والهيمنة الإمبريالية، ودفعت ثمن مواقفها ملاحقات قضائية في بلدها. في قاعة المكتبة البريطانية، قبل عامين، وقفت روي لتتسلم جائزة تحمل اسم هارولد بنتر. قرأت في رسالة الترشيح أن الجائزة تُمنح لكاتب «لا يرفّ له جفن» في البحث عن الحقيقة، فتوقفت عند العبارة، وقالت إنها في الحقيقة امرأة يرفّ جفنها طوال الوقت.

ثم روت حكاية بنتر نفسه. أواخر الثمانينيات، في السفارة الأمريكية في لندن، وقف كاهن من شمال نيكاراغوا يروي كيف أحرقت ميليشيا الكونترا المموّلة أمريكياً مدرسة رعيّته ومستوصفها ومركزها الثقافي، وقتلت أطباءها ومعلميها. أصغى الدبلوماسي الأمريكي الرصين، ثم أجاب بهدوء: «في الحرب يعاني الأبرياء دائماً». ساد صمت متجمّد. ولم يرفّ له جفن.
على هذه الحكاية بنت روي خطابها. الجفن الذي لا يرفّ عندها آلة، تحسب في وثائق
 البنتاغون، أيام فيتنام، أيهما أفضل للصورة؛ أن يُقتل الناس دفعة واحدة أم أن يُجوَّعوا ببطء. وآلة تموّل اليوم حرباً على غزة ولبنان، وتسمي نفسها وسيطاً. أما رفّة الجفن، ذلك الارتعاش الصغير أمام الألم، فهي آخر ما يتبقى من الإنسان حين يُطلب منه أن يعتاد.
ورفضت روي ما كان منتظراً منها في تلك القاعة؛ أن تبدأ بإدانة متوازنة تحمي «حيادها» ومكانتها الثقافية. قالت: التاريخ لم يبدأ في السابع من تشرين الأول. ورأت في فلسطين جرحاً لم تعد كل الأموال والأسلحة والدعاية قادرة على إخفائه، جرحاً ينزف منه العالم كله، و«إسرائيل» نفسها معه.


بدا ذلك يومها كلام شاعرة.


بعد ثلاث سنوات، تكفي صور الأقمار الصناعية على أي هاتف لرؤية ما جرى. نحو ثمانين في المئة من مباني القطاع أصابها الدمار، وثلثاها سُوّي بالأرض، بحسب وكالة غوث اللاجئين. رفح، المدينة التي ورد اسمها في نقش يعود إلى عام 1303 قبل الميلاد، مُحيت عن وجه الأرض. وما يسمى وقف إطلاق النار منذ كانون الأول الماضي لم يوقِف الهدم المنهجي لما تبقى، ولا قتل نحو ألف ومئتي فلسطيني آخرين، بينما يُحشر قرابة مليوني إنسان في مخيمات خيام تضيق كل يوم.
وفي الجهة الأخرى من العالم، تحوّلت غزة إلى خط الفصل الأوضح في السياسة الغربية. في الدول التي سلّحت الحرب وموّلتها، نزل مئات الآلاف إلى الشوارع، وانقلب الرأي العام على حكوماته: ستة من كل عشرة أمريكيين باتوا ينظرون إلى «إسرائيل» نظرة سلبية، وتقارب النسبة أربعة من كل خمسة في أستراليا. لكن مقالاً نشره موقع «مانثلي ريفيو» هذا الأسبوع يعترف بما يصحّ على أماكن كثيرة: هذا الغضب الأخلاقي العميق لم يتحوّل إلى وعي سياسي أعمق. بقي كثيرون عند حدود إدانة «اللوبي»، أو انشغلوا بالمفاضلة بين الهويات حول من يحق له قيادة الحملات، فيما كان اليمين المتطرف هو القوة الأكثر تنظيماً في أكثر من بلد.


الجفن رفّ إذاً في الشارع، لكنه لم يتعلم بعد كيف يُبصر.


الشهادة الثالثة جاءت من مكان غير متوقع. وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، المؤسسة التي يصعب أن نتهمها بالانحياز إلى الفلسطينيين، أعدّت في آب الماضي تقريراً سرياً بعنوان «تصدّع من الداخل»، بحسب مصدرين أمريكيين وصفا مضمونه لموقع «دروب سايت نيوز». خبراء «الخلية الحمراء»، المكلفة بتحدي المسلّمات داخل الوكالة، يحذرون من أن «إسرائيل» قد تكون على مسافة شرارة واحدة من صراع أهلي أو انهيار للدولة، قبيل انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأول الجاري.
والخلاف هناك لا يدور حول الجرائم المرتكبة، يدور حول من يدفع ثمنها؛ غضب متصاعد من إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية بينما يُستدعى الاحتياط مراراً، وأسعار غذاء ارتفعت نحو عشرة في المئة خلال عامين، وأزمة دستورية يشعلها رئيس حكومة يتشبث بالسلطة، وعنف مستوطنين يتصاعد في الضفة. ويضاف إلى ذلك جنود عائدون من حرب طويلة، مسلحون ومثقلون بالصدمات النفسية. أحد المصادر لم يتردد في استحضار الفيالق الحرة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى، أولئك المحاربين القدامى الذين خرجوا من الخنادق إلى الشوارع، ومهّدوا للنازية.
وحتى في هذا التشريح البارد، يغيب الفلسطينيون. التقرير، بحسب ما نُقل عنه، لا يحسب حساب المواطنين الفلسطينيين داخل «إسرائيل»، وهم نحو خُمس سكانها. كأن الجرح يُفحص من كل جهاته، إلا من الجهة التي يخرج منها الدم.
لم تكن روي تملك تقارير استخباراتية حين قالت إن «إسرائيل» تنزف من الجرح نفسه. كانت تملك ما هو أقدم؛ معرفة الكاتب بأن الآلة التي تعتاد القتل لا تستطيع أن تحصر القتل خارج حدودها، وأن صورة القوة التي لا تُكسر تتشقق أولاً من الداخل، حيث لا تصل الطائرات. ما قالته الأديبة استعارةً، تكتبه المخابرات اليوم سيناريوهات. هي رفّ جفنها، وهم يحسبون.
على خرائط غوغل، ما زالت علامات صغيرة تشير إلى أماكن لم تعد موجودة في رفح؛ مدرسة، ملعب للأطفال، مسجد. وتحت اسم المسجد، الذي صار كومة ركام، كتبت الخوارزمية: «مغلق مؤقتاً».