سوريات سورية
تناول السوريون «كعادتهم» واحدة من المفارقات العجيبة في هذا البلد، وسأل بعضهم البعض على وسائل التواصل الاجتماعي عن سورية؟ إي «سورية» تعيش فيها، فحسب تقدير بعضهم ثمة سوريتان لا تشبه إحداهما الأخرى.
في الأولى، سيارات فارهة، وشوارع نظيفة، ومطاعم ومنتزهات ممتلئة، وأموال تتحرك بين الاستثمارات والمشاريع، ورجال أعمال يتحدثون بلغة السوق والفرص والنمو. تبدو فيها الحياة جميلة وغنية ووفيرة لدرجة لا يحتاج قاطنوها إلى السؤال عن ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات، ولا يدخل ثمن الخبز في حساباتهم اليومية. تبدو «سوريتهم» وكأنها جنة صغيرة أو حلم تحقق، ولكنه «خاص جداً»، أنه حلم لمن يملك القدرة على الوصول إليه فقط.
وفي الجهة المقابلة، ثمة سورية أخرى، منهكة ومثقلة بموبقات الأزمة والحرب، شوارع تملؤها النفايات والروائح الكريهة، وبنية خدمية مدمرة، وأجور لا تكفي، وبيوت تحاول ستر قاطنيها وتدبير الحد الأدنى من شروط الحياة. يعمل قاطنوها طوال اليوم من أجل تأمين لقمة العيش، وناسها هؤلاء سوريون أيضاً، ولكنهم لا يملكون ترف تصوير لحظاتهم الجميلة في المطاعم والمنتجعات الراقية والأماكن التي قضوا فيها عطلتهم والأطعمة الشهية على موائد حفلاتهم... وغيرها من مظاهر الحياة ونشرها على الشاشة، لأنهم ببساطة مشغولون بمحاولة احتمالها.
يكشف تندر السوريين هذا، وطرحهم لسؤال ساخر في الظاهر ولكنه ذكي وعميق: «إلى أي سورية تنتمي؟»، يكشف أكثر مما يظهر على السطح. ثمة فهم عميق يتولد، يقف خلفه إحساس شديد بالظلم والغبن، وأمامه رغبة بحياة أفضل.
يبدو اختزال المشهد في سوريتين فقط، واحدة للأثرياء وأخرى للفقراء، قاصراً وغير مكتمل. فمن جهة تختبئ الكثير من التفاصيل خلف مفهوم الطبقات، فالانقسام بين سورية ثرية وأخرى الفقيرة لا يتعلق بالمال وحده، بل بما يمكن تسميته تفاوتاً في القدرة على إنتاج الحياة.
لا يملك الغني دخلاً أعلى فقط؛ بل يملك قدرة أكبر على الوصول إلى الخدمات، والحركة، والتعليم، والاستثمار، والسفر، وحماية نفسه من الأزمات التي تصيب الدولة، بحيث يمكنه العيش داخل الأزمة وكأنها تحدث في مكان آخر. في المقابل، ليست الأزمة بالنسبة للفقير خبراً يقرأه في جريدة أو يشاهده على إحدى الشاشات، بل واقعاً يسكن جسده ووقته وبيته. فالنسبة له كلمة مثل «ارتفاع الأسعار» تعني تغيير طعامه، و«انقطاع الكهرباء» تعني إعادة تنظيم يومه، و«انهيار الخدمات» تعني استنزاف ساعات إضافية من حياته. لذلك لا يقاس الثراء والفقر هنا بامتلاك المال فقط، وإنما بالقدرة على الانفصال عن نتائج الأزمة.