Skip to main content

لمن هذه الـ«سورية»؟

 |  قاسيون  |  ثقافة

تتعقد المشكلة أكثر وتدخل في مجال تحديد الهوية السياسية والاجتماعية، عندما يتحول الفقر إلى هوية والانتماء إلى امتياز، وحين يشعر جزء من المجتمع أن سورية الجديدة لا تشبهه، يبدأ السؤال: لمن هذه الـ«سورية»؟

عندما يجري تقديم الثراء بوصفه دليلاً على النجاح، والفقر بوصفه دليلاً على العجز، وهو ما يحدث غالباً في المجتمعات المنقسمة طبقياً، فتكون النتيجة إعادة إنتاج طبقية للكرامة نفسها. وعندما يجري اختزال السوريين، في الوقت ذاته، في طوائف ومناطق وهويات فرعية، فإن الانتماء الوطني يصبح أضعف، ويبدأ الفرد في البحث عن حماية داخل جماعة أصغر.
في هذه الحال، يمكن للطبقية والتطييف أن يتفاعلا، فيقسم الاقتصاد المجتمع أفقياً، وتقسمه الهوية المجزأة عمودياً. وتكون النتيجة في الغالب مجتمع لا يرى نفسه كجماعة سياسية واحدة، بل كمجموع جماعات تتنافس على الموارد والاعتراف والحماية.
المشكلة الأساسية أن تغيير السلطة وحده لا يعني بالضرورة تغيير البنية الاجتماعية التي أنتجت التفاوت. فقد تسقط السلطة السياسية لنظام ما، لكن تبقى علاقات القوة القديمة، وتعود بأشكال جديدة: يتحالف رأس المال مع النفوذ، وتمنح الثروة أصحابها قدرة أكبر على التأثير، بينما يفقد الفقر أصحابه القدرة على المشاركة في صناعة القرار. وتصبح المسألة أكثر تعقيداً، فالسلطة لا تعمل فقط للتحكم بالمؤسسات وتشريع القوانين؛ إنها تعمل أيضاً لإعادة إنتاج صورة معينة عن المجتمع وترسيخها.
فعندما يحدد للمجتمع مفهوم «سورية الجديدة»، وتحدد قيمها، وتتثبت فيها صورة الناجحين من الأثرياء ورجال الأعمال، كما تتثبت صورة المهمشين من الفقراء والمعترين، تتحدد بذلك شكل هويتها المقبول «من السلطة». ويتعدى بذلك الأمر وصف الواقع للناس إلى دفعهم لقبول واقع معين. ولا تعود (صورة السيارة الفارهة بجانب العامل الذي لا يستطيع تأمين حاجاته مثلاً) مجرد مفارقة بصرية، بل تكشف أسئلة سياسية هامة: لمصلحة من يعاد تصميم سورية بهذا الشكل؟ ولماذا تصبح رؤية فئة معينة وكأنها الرؤية الطبيعية والعادية للجميع؟ من يملك حق إعادة تعريف الواقع؟ وأي سورية يجري إنتاجها اليوم في الخطاب العام؟ وهل ستكون سورية فقط سوقاً واسعة يستطيع الأقوياء امتلاكها، بينما يبقى الفقراء مجرد قوة عمل رخيصة؟ أم ستكون دولة مواطنين، يصبح فيها النمو الاقتصادي وسيلة لتحسين حياة المجتمع كله؟