Skip to main content

«سورية الناس والدولة»

 |  قاسيون  |  ثقافة

ثمة سورية أخرى أقوى وأعمق من الطبقة التي تحكمها، إنها «سورية الدولة» ذات التاريخ، والمجتمع المتعدد، والذاكرة الحضارية التي لم تبدأ مع نظام ولم تنتهِ بسقوطه. سورية التي قاوم أبناؤها، في مراحل مختلفة، الاستعمار والاستبداد، ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الكرامة والاستقلال والحرية.

تحاول بعض الخطابات تقديم سورية بوصفها كيانات مغلقة، طائفية ومناطقية، يعرّف كل منها نفسه في مواجهة الآخر. لكن هذه الصورة لا تستنفد الحقيقة السورية؛ بل قد تكون جزءاً من صراع رمزي في محاولة إعادة تعريف المجتمع نفسه، والاستثمار فيه.
فسورية لم تكن يوماً لوناً واحداً. تكمن قوتها التاريخية والثقافية تحديداً في تعددها؛ في اختلاف مذاهبها ومناطقها وبيئاتها وأفكارها وذاكراتها، وفي قدرتها على تحويل الاختلاف من مصدر للتنازع إلى مصدر للغنى. أما محاولة اختزالها في هوية واحدة، أو رفض الآخر المختلف، فهي أشبه بـعمى ثقافي لا يرى الجمال إلا في صورته الخاصة.
قد تكون سورية الأهم هنا هي «سورية الناس» الذين أنهكتهم الحرب والفقر، لكنهم لم يفقدوا قدرتهم على الحلم. هؤلاء الذين يعملون كي يعيشوا، ويبحثون عن لحظة فرح وسط الخراب، ويصرون، رغم كل شيء، على البقاء.
ستستعيد سورية عافيتها؛ لا لأنها خالية من الجراح، بل لأن المجتمع الذي يحمل ذاكرة بهذا العمق لا يمكن اختزاله في مرحلة عابرة. وكما لفظت سورية عبر تاريخها كل قوة حاولت امتلاكها أو إلغاء شخصيتها، ستبقى قادرة على لفظ كل مشروع ينتقص من كرامتها، أيّاً كان شكله أو شعاره.