Skip to main content

صلاح الدين بلا سيف

 |  قاسيون  |  ثقافة

صباح السبت، رفعت آليات المحافظة صلاح الدين عن الأرض التي وقف عليها ثلاثة وثلاثين عاماً أمام قلعة دمشق، وحملته بجواده وجنديّيه وأسيريه إلى ساحة بانوراما حرب تشرين على أوتوستراد العدوي. البانوراما مغلقة. والبيان الرسمي يقول إن النقل مؤقت، للترميم، بناءً على تقرير فني من دائرة آثار دمشق، وإن المكان النهائي لم يُحدَّد بعد.

سأصدّق البيان. لكنني ابنة هذه المدينة، ولا أستطيع أن أقرأ الخبر كما أقرأ بلاغاً إدارياً.
ثلاثة وثلاثون عاماً كبر فيها جيل كامل من أبناء دمشق وهو يعرف أن صلاح الدين هناك، عند باب الحميدية. كم موعداً ضُرب «عند صلاح الدين»، وكم طفلاً رفع رأسه ليرى الحصان عالياً فوقه، وكم غريباً وقف ليلتقط صورة والقلعة خلفه. وكنّا نحمله في جيوبنا أيضاً، على ورقة المئتي ليرة. نمرّ أمامه ورؤوسنا مرفوعة، كأن شيئاً من عزّته يصيبنا. وعند قدميه
 اعتصم السوريون حين أرادوا أن يُسمَع صوتهم، ومن أمامه انطلق تأسيس تحالفات سياسية. اختاره الناس شاهداً على مطالبهم، لأنه كان يقف حيث يراه الجميع.
صنعه النحات عبد الله السيد عام 1993، في الذكرى الثمانمئة لرحيل صلاح الدين. خلف الحصان يمشي أرناط والملك غي دي لوزينيان أسيران، وتاج مملكة القدس ملقى على الأرض. واختار له مكاناً بين القلعة التي حكم منها والضريح الذي يرقد فيه قرب الجامع الأموي. كان الواحد منا يمرّ بالفارس عند مدخل السوق، ثم يمشي تحت سقف الحميدية دقائق فيقف عند قبره. اليوم صار بين الفارس وقبره أوتوستراد، ونصف المدينة.

والتمثال لم يكن في أحسن أحواله قبل النقل. انكسر سيفه عام 2015 لأن الناس كانوا يتسلّقونه لالتقاط الصور، فأُصلح وأعيد. بعد سنوات اختفت السيوف من يده ومن أيدي جنديه، وصور 2019 تُظهره هكذا. ومدير إعلام المحافظة نفسه يقول إن سور النصب صار مكاناً لتعليق الملابس والبضائع، وإن المساحة خلفه صارت تُستعمل «بصورة غير لائقة». يؤلمني أن يُذكر هذا كله سبباً لنقله، كأن الفارس هو الذي أهمل نفسه. هذا الإهمال جرى سنوات أمام المؤسسات التي تقول اليوم إنها تنقله كي تحميه.
يوسف العظمة عرف هذا الطريق قبله. عام 1938 وصل إلى دمشق تمثاله الأول. جمع ثمنه السوريون المهاجرون في ساو باولو، من غربتهم البعيدة، كي يقف ابن دمشق شاهراً سيفه في قلب مدينته. أُعدّت له قاعدة في الساحة التي
 تحمل اسمه، لكنه لم يصل إليها. وُضع في حديقة مبنى الأركان، ثم نُقل إلى مقر الأركان الجديد في ساحة الأمويين، خلف أسوار لا يدخلها الناس. هناك أصابته الغارات «الإسرائيلية» في حرب تشرين 1973، فرُمّم وبقي محجوباً. وفي تموز من العام الماضي قصفت «إسرائيل» مبنى الأركان وبوابته، ولم يُعلَن حتى اليوم ما حلّ بالتمثال. قائد ميسلون أصابته قنابل العدو مرتين وهو بعيد عن أعيننا، وقد لا نعرف أبداً إن كان لا يزال واقفاً.
أما الساحة فانتظرت حتى 2007 لتحصل على تمثال للعظمة. جاء واقفاً، ذراعاه مسدلتان، وسيفه في غمده.
ونُقل صلاح الدين في الأسبوع الذي تحلّ فيه ذكرى حرب
 تشرين، إلى البانوراما التي بُنيت لتخليد تلك الحرب. في تلك الحرب نفسها أصابت القنابل تمثال العظمة. وقد خاضها السوريون لاستعادة الجولان، والجولان ما زال محتلاً. ومحرّر القدس يقيم الآن، مؤقتاً كما يقال، في متحفها المغلق.

لا اعتراض على نقل التمثال إن كان ترميمه يقتضي ذلك. فالمطلوب أن يعود إلى حيث يراه الناس، قرب قلعته وضريحه، وأن يعود السيف إلى يده. وإلى أن يعود، سأمرّ بباب الحميدية وأنظر إلى مكانه كما ينظر المرء إلى كرسي غاب عنه صاحب البيت.