بين السيرقوني والسيكلما.. خط حديد لم يكتمل بعد
فجر السابع عشر من نيسان ١٩٤٦، يصغي حدّاد عجوز في محطة القطار قرب حلب إلى صوت المذياع: آخر جندي فرنسي يغادر الشام. يحمل حفيده الصغير على كتفيه ليريه القطار القادم من دمشق محمّلاً بالأعلام والهاتفين، ويخبره أن خطاً من حديد سيصل قريباً كل مدينة بأختها، وأن هذا وحده، في ظنه، كفيل بأن يجعل من الجميع شعباً واحداً. اليوم، على الرصيف ذاته الذي اصطفت فيه الأعشاب بين القضبان الصدئة، يقف شاب عائد إلى بيته بعد سقوط النظام السابق، يحمل هاتفه لا حفيداً، ويسأل نفسه سؤالاً أكثر تعقيداً: من نحن، بعد كل هذا؟
منذ ذلك الصباح، جُرّبت الإجابة مرتين وفشلت مرتين: مرة حين صيغت الهوية شعاراً حماسياً يُتلى من فوق، يفترض أن ترديد الكلمات كافٍ لصنع الانتماء، ومرة حين تُركت لتتجمد طوائف وجماعات مغلقة كل منها تحتمي خلف حدودها، تتوارث العزلة كما تتوارث البيوت. وبين الحالين، ما لم نجربه فعلياً هو الأصعب: أن تُبنى الهوية كما تُبنى السكة، حجراً حجراً: بمعرفة فعلية يحملها طفل في القامشلي عن تفاصيل بيوت حمص القديمة كما يعرف تفاصيل حيّه، لا شعاراً يحفظه عن ظهر قلب، وباقتصاد واسع تتشابك فيه خيوط الإنتاج والعيش؛ فوسفات الشرق يغدو سماداً في مصنع الوسط، لينتقل عبر القطار ذاته إلى حقول الجنوب، نسيجاً من المنفعة المتبادلة لا خريطة ترسمها الخطابات فوق الطاولات.
يرى المؤرخ أسامة مقدسي، في دراسته عن جبل لبنان العثماني «ثقافة الطائفية»، أن ما نتخيله فسيفساء أزلية من طوائف منفصلة لم يكن كذلك أبداً، بل صيغ في لحظة سياسية محددة، حين تقاطعت الإصلاحات العثمانية مع الأطماع الأوروبية، ليخدم مشروعاً بعينه. إن كان التفتت نفسه صناعة بشرية حديثة، فالوحدة أيضاً صناعة بشرية ممكنة؛ لا قدراً ينتظر إعلاناً، ولا ماضياً ينتظر استرجاعه، بل عمل يومي صبور ينتظر أيدينا.
الحداد العجوز مات قبل أن يرى الحرب تُخرّب خطوطه التي اكتملت يوماً حتى حلب الجديدة. ربما لن نرى نحن إعادة بنائها أيضاً. لكن القضبان الصدئة لا تزال هناك، تحت الأعشاب وركام الحرب، لا تنتظر شعاراً يُرفع فوقها، بل تنتظر يداً تنظفها من الصدأ، وقطاراً يسير عليها من جديد، ليس محمّلاً هذه المرة بالأعلام وحدها، بل بما يُبنى فعلاً.