Skip to main content

بين السيرقوني والسيكلما.. كيف نحاسب الرموز؟

 |  د.عروب المصري  |  ثقافة

أمام وثيقة صفراء في أرشيف قديم، وجدت تفصيلاً لم يكن في الكتب التاريخية المعروفة: أحد رموز استقلالنا الوطني ارتكب، في لحظة ضعف إنسانية، ما قد يُدان عليه اليوم بلا رحمة. أغلقت الملف لحظة، وسألت نفسي: هل أكتب هذا، أم أتركه مطوياً كما طواه من سبقني؟

بين كاتبين يتصارعان اليوم على تاريخنا؛ الأول يحاكم الرموز بمعايير لحظتنا الراهنة، فيُسقط عن بطل من أبطال الاستقلال كل فضله لأجل هفوة شخصية عابرة. والثاني يتغاضى عن كل ما قد يشوب صور الأبطال المقدسة، فيحوّلهم إلى أيقونات بلا دم ولا خطأ، سالباً إياهم روحهم البشرية. وبينهما يتبختر خطٌّ ثالثٌ خادع؛ يتبنى كتابه روايات متعددة، كل منها يدّعي الموضوعية، وكل منها منحاز إلى من تدافع عنه.
منذ قرن تقريباً، سمّى المؤرخ هربرت بترفيلد الخط الأول بدقة؛ محاكمة التاريخ وكأنه «مسرحية أخلاقية»، أبطال تقدميون وأشرار متخلفون، ودعا لدراسة الماضي «من أجل معرفة الماضي نفسه» لا لإصدار الأحكام عليه بعين الحاضر فقط. أما الخط الثاني فعرفناه محلياً: حتى محمد كرد علي الذي يحمل فضلاً كبيراً على التأريخ السوري، في رده على تجريد لامنس (هنري لامنس، صاحب «تاريخ سورية» الكتاب المدرسي شبه الرسمي زمن الانتداب)، انزلق أحياناً نحو تبجيل يشبه التقديس.
المسار الآمن تاريخياً ربما يكون في اختيار الروايات الأكثر توثيقاً واتساقاً مع الأدلة، أما المسار الآمن روائياً فهو بالتأكيد ليس في اختيار طرف، بل في الفصل الصادق بين ما وثّقته المصادر وما ملأه خيال الكاتب من فراغ. يذكّرنا الباحث روبرت روزنستون أن الاختراع الدرامي لا يُبطل صدق العمل، طالما كان صدقاً «مجازياً» يخدم روح الحقيقة لا تفاصيلها الحرفية، شرط أن يعرف القارئ أين ينتهي التوثيق ويبدأ التخييل. فتحت تلك الوثيقة الصفراء مجدداً، وكتبت الهفوة كما وجدتها، لا أكبر ولا أصغر، وتركت للقارئ أن يزن الرجل بميزانه الكامل، لا بكفّة واحدة.