عن الفرح وأشياء أخرى
قد تبدو بعض الظواهر غريبة نوعاً ما، أو غير واقعية فقط لأنها لا تتوافق مع المشهد العام الواقعي جداً، ولكن المزيد من التعمق في تحليل الظاهرة يجعلنا نفهمها بشكل آخر.
فعلى الرغم من الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها غالبية السوريين، وضيق الحال وارتفاع تكاليف الحياة، يحاول كثيرون اقتطاع مبلغ بسيط من دخلهم، أو جمع بعض المال، من أجل «سيران» قصير، أو جلسة مع الأصدقاء، أو وجبة في مطعم، أو رحلة إلى مكان قريب يغيّرون فيه المشهد ولو لساعات. قد تبدو هذه التفاصيل ترفًا في ظل الأوضاع الصعبة، لكنها بالنسبة لهم ليست كذلك؛ إنها محاولة لاستعادة شيء من الحياة التي فقدوا إيقاعها الطبيعي. يبحثون عن لحظة يشعرون فيها بأنهم يعيشون مثل بقية البشر؛ يضحكون، يجلسون مع أحبائهم، يخرجون من رتابة الأيام، ويتنفسون بعيدًا عن ثقل الهموم.
قد يفسر بعضهم أن هناك حالة من الانكار للواقع الصعب الذي يعيشه السوري، ولكنه ليس بالضرورة كذلك. بل يمكن أن تكون نوعاً من المقاومة الصامتة للظروف؛ محاولة صغيرة للتمسك بالحياة، واستعادة الإحساس بأنه لا ينبغي أن يكون محكوماً طوال الوقت بالحاجة والقلق، وأن له حق في الفرح وفي حياة تشبه الحياة الطبيعية، لأنه يريد، ولو لساعات، أن يستعيد إحساسه بأنه إنسان يعيش حياة تشبه حياة الآخرين.
ثمة جدل صاخب حول الكثير من المفاهيم التي قد تبدو بديهية وبسيطة ولا تحتاج إلى الكثير من الجهد من أجل فهمها، ومع ذلك يؤكد الصخب الذي يرافق التفاصيل الصغيرة في حياة السوريين اليوم أن ظاهر الأشياء والمسائل والأفكار...إلخ لا تدل على عمقها بالضرورة. ثمة انقسام مختلف الشدة حول كل شيء، من القضايا الكبرى إلى أدق التفاصيل. فمثلاً تبدو «الرغبة بالفرح» حالة غريبة في واقع تبدو مفردات اللغة عاجزة أمام وصف درجة بؤسه، ولكن وجود هذه الرغبة، بحد ذاته تعبير عن وجود الحاجة إليها. هنا يظهر تعبير عن انقسام أعمق حول «معنى الفرح» نفسه في بلد أنهكته سنوات الحرب والفقر. هل يحق للناس أن يفرحوا بينما لا تزال أزمات كثيرة تحاصرهم؟ أم إن الفرح، في مثل هذه الظروف، يصبح حاجة نفسية وحقًا إنسانيًا لا ترفًا؟
فالسوري الذي يدّخر من دخله المحدود «لقعدة» في مطعم، أو يخطط «لسيران» قصير، لا ينفق المال بالضرورة لأنه لا يعرف حاجاته أو لأنه يعيش خارج واقعه. ربما يفعل ذلك لأنه تعب من أن تكون الحياة كلها قائمة على الضرورة. يريد أن يشتري، ولو لساعات قليلة، شيئاً لا يدخل في قائمة الحاجات الأساسية؛ ضحكة، مسامرة، لقاء، طريق إلى مكان آخر، أو مساءً لا يكون فيه منشغلًا بالخوف من الغد.
الحرب والأزمات الثقيلة المتراكمة لا تقتل الناس فقط؛ إنها تعيد تشكيل علاقتهم بالزمن. تجعل الإنسان يؤجل خططه، أفراحه، سفره، أحلامه، وحتى أبسط رغباته، إلى «وقت آخر». ومع تراكم السنوات يتحول التأجيل إلى أسلوب حياة، ويصبح المستقبل مكانًا تُرحّل إليه الحياة
بدل أن تكون امتدادًا لها.